تحقيقات أسبوعية

ربورتاج | اقتصاد الريع يعرقل النموذج التنموي في المغرب

الخطر الذي يهدد التماسك الاجتماعي

يعد الريع معضلة حقيقية في الاقتصاد الوطني ويشكل عقبة كبيرة أمام المقاولات الصغيرة والمتوسطة، والمقاولين الشباب، الذين يطمحون إلى النجاح في مشاريعهم والحصول على صفقات عمومية تمكنهم من تحقيق الاستمرارية وتشغيل شباب آخرين والمنافسة الشريفة في السوق، غير أن ثقافة الريع المتفشية داخل المجتمع في العديد من القطاعات والمجالات، التي تبقى حكرا على طبقة معينة ونخبة خاصة، أو منتخبين كبار وأعيان، يستفيدون من ريع المقالع، والصيد العالي، والمأذونيات، والأراضي السلالية، وأراضي الدولة الفلاحية، وامتيازات ضريبية للشركات الكبرى، تطرح مجموعة من التساؤلات حول مستقبل الاقتصاد الوطني.

إعداد: خالد الغازي

    حسب بعض الدراسات، فإن اقتصاد الريع يقوم على أساس منح الامتيازات والخدمات، وفرص العمل لصالح فئة معينة دون مراعاة أي اعتبارات ترتبط بالمنافسة والكفاءة الاقتصادية، وتكمن خطورة الريع مقارنة بالفساد أو سوء استخدام المال العام، في أنه يكتسب طابعا “قانونيا”، إذ أن الأحكام التي ترعاه عادة ما تكون مكرسة في القوانين والمراسيم، ويستخدم العديد من السياسات العامة بهدف توجيه المنافع الريعية إلى فئات محددة، من خلال الإعفاءات الضريبية الجزئية أو الكلية التي تستفيد منها بعض الأنشطة أو بعض المناطق، وأيضا مع تقديم بعض المساعدات الحكومية النقدية أو العينية، من قبيل توفير دعم حقيقي لبعض القطاعات والمشاريع الخاصة في قطاع الصناعة أو الزراعة أو النقل أو السياحة ضمن سياسات تشجيع الاستثمار.

تتمة المقال تحت الإعلان
رشيد أوراز

في هذا الإطار، اعتبر رشيد أوراز، باحث في المعهد المغربي لتحليل السياسات، أن “الريع هو أقدم أنواع الدخل، ويعد أول حاجة اكتشفها الإنسان كدخل، والريع اقتصاديا هو النوع الرابع من أنواع الدخل، حيث هناك الأجور، والتجارة البيع والشراء، وقرض الأموال للحصول على نسبة الفائدة، وكراء العقار، بحيث لا يمكن القضاء على الريع لأنه من أنواع الدخل، لكن ممكن القيام بتحجيره لكي يرجع لمستوى قليل وضيق، لأن هناك فئات تستطيع الوصول للريع بطريقة أو بأخرى، وهناك نخب مستفيدة وتستطيع الوصول إليه، مضيفا أنه “في المغرب  هناك خطأ في التشخيص، لأن لدينا اقتصاد الريع، ووضعيات اقتصادية ريعية، ولكن هناك توعية من الرأسمالية التي تسمى أكاديميا رأسمالية المحاباة، وهي نوع من الرأسماليين لديهم مصالح متشابكة، وتجدهم عابرين للحدود بين الاقتصادي والسياسي والثقافي والاجتماعي، ولديهم حضور اجتماعي وازن قادم من القبيلة أو واحد من الأعيان، لأنه كانت لدينا رأسمالية الأعيان”.

وقال نفس المتحدث، أن “الدولة في فترة من الفترات كانت تعتمد بشكل كبير على الأعيان، الذين لهم امتيازات وتحتفظ بهم في إطار التوازنات السياسية والاجتماعية، وفي نفس الوقت، كان يجب أن يكون لهم مورد اقتصادي، وبالتالي، تم تخصيص بعض القطاعات لهم مثل المحروقات والنقل إلى غير ذلك من المجالات، وهذه تسمى رأسمالية الأعيان، لكن مع مرور الوقت، جزء منهم تحول إلى رأسمالية المحاباة، وأصبح لأبنائهم وأحفادهم حضور في السوق الوطني والجهوي”، معتبرا أن “الخطير في موضوع الريع يكمن في تشابك المصالح الريعية ورأسمالية المحاباة التي تقضي على الاقتصاد التنافسي، وبالتالي، يتضرر الاقتصاد الوطني ككل، والاقتصاد الريعي فيه عيب كبير وليس له علاج، لأنه يتجه إلى الكسل ولا ينمو في إطار المنافسة والإبداع”.

وأكد رشيد أوراز، أن الإصلاح لا يتم بالقضاء على اقتصاد الريع، لكنه ينطلق بالإصلاح المؤسساتي عبر منح الفرصة للرأسماليين الشباب والمقاولين والنساء، وفتح المجال أمامهم لدخول السوق مع توفير الحماية لهم بقوة القانون وتطبيق معايير المنافسة، وذلك عبر دعم القطاع الخاص كما فعلت دول أخرى، مثل تركيا والبرازيل وكوريا وماليزيا.. التي حررت مساحات للمقاولين الشباب لدخول المنافسة، مبرزا أن الانتقال يتطلب إصلاحا مؤسساتيا عميقا، وليس المؤسسات الاقتصادية فقط، والمؤسسات السياسية يجب أن تكون لديها نخب تؤمن بالتنافس والمغامرة، ولديها القدرة على جلب مستثمرين أجانب، لأن الاستثمار المحلي المغربي ليست له الإمكانيات المادية لخلق قيمة مضافة في قطاعات مثل الصناعة والخدمات والتكنولوجيات الحديثة، وتابع أن “الدول التي قضت على الريع بشكل شبه نهائي هي الدول الصناعية الكبرى، التي بدأت في التطور الاقتصادي انطلاقا من الثورة الصناعية، واعتمدت على الرأسمالية التنافسية واقتصاد السوق، ماعدا ذلك، لا يمكن القضاء على الريع، وهناك أيضا دول تمكنت من ضبط الإيقاع والتوازن بين الاقتصاد الريعي والاقتصاد التنافسي، فالرأسمالي يؤمن بالتنافس، ويؤمن بالمنافسة الشريفة وفق قواعد السوق والأكثر على خدمة المستهلكين”.

تتمة المقال تحت الإعلان
زكرياء كرتي

بدوره، أكد الخبير الاقتصادي زكرياء كرتي، أن مفهوم الريع تحدث عنه أكاديميون اقتصاديون مثل البريطانيين ألفريد مارشال ودافيد ريكاردو، والريع يسمى باقتصاد الامتيازات المرتبط بالندرة، لكون الامتياز حالة نادرة، وموجود في وسائل الإنتاج وفي الامتيازات التي تعطى بشكل نادر ولا يحصل عليها الجميع، وأول من ناهض اقتصاد الريع في أوروبا، هم الليبراليون والبورجوازية، الذين ناهضوا الفيودالية والإقطاعيين، الذين كانوا يحصلون على الأراضي وامتيازات ليست لغيرهم، وكانوا يستغلون القوى واليد العاملة للحصول على منافع اقتصادية، معتبرا أن “الريع مرتبط بقوة الدولة واختياراتها لأنها عندما تقوم باختيارات معينة، فإنها إما تشجع على الريع أو تحافظ عليه، ولما تقول الدولة أنها ستعطي دعما للجميع، فإنها تمنح الريع، ولكن عندما تخصص دعما لفئات اجتماعية تستحقه فهذه محاربة للريع، وفي أوروبا كلما تطورت الدولة كلما تراجع الريع”.

ووفق نفس المتحدث، فإن الريع في المغرب عرف بـ”أراضي الكيش” التي كانت منتشرة في مختلف المناطق، وتم منحها لجنود وأشخاص قاموا بخدمات معنية، ثم ظهر الريع العقاري بعد الاستقلال، مع استرجاع الأراضي من المعمرين، والتي بلغت تقريبا مليون هكتار، والتي كانت أراضي زراعية استفاد منها الأعيان وأشخاص مقربون، بعدما قامت الدولة باسترجاع هذه الأراضي عبر قوانين تمنع بيعها بدون موافقة الدولة، أو تمنح لها حق الاسترجاع، مضيفا أن عملية استعادة هذه الأراضي انطلقت من سنة 1963 إلى 1973، حيث حصلت الدولة على 70 في المائة منها، وظلت 30 في المائة في ملكية الخواص.

وأوضح أن الريع في البداية كان عقاريا ثم جاء ريع المقالع وريع أسواق الجملة، بحيث كان هناك تأسيس لبنية ريعية في المغرب، استفاد منها عدد من المحظوظين، والتي تحولت فيما بعد إلى رأسمال المحاباة والامتيازات، لأن هؤلاء استفادوا من قوانين قديمة مثل قانون المقالع الذي يعود إلى سنة 1914، وقانون أسواق الجملة الذي يعود لبداية الاستقلال، مشيرا إلى أن هناك ريعا دائما وريعا مرحليا، والموجود في مختلف مناطق العالم، لكن في أوروبا تتدخل الدولة لوضع إطار قانوني للقضاء على الريع المرحلي والحد منه.

تتمة المقال تحت الإعلان

إن انتشار الاقتصاد الريعي يقوض على نحو خطير تماسك النسيج الاجتماعي والتطور الاقتصادي، وتكافؤ الفرص بين المقاولات والمواطنين، بالإضافة إلى أن الممارسات الريعية يمكن أن تأخذ أشكالا أخرى من قبيل تشكيل تكتلات اقتصادية تهدف إلى عرقلة آليات المنافسة، عن طريق الاتفاق حول مستوى الأسعار أو تحديد كميات الإنتاج، أو قيام مؤسسة تهيمن على السوق بإخضاع ممونيها أو زبائنها إلى ﺸﺮوط تجارية مجحفة.

نجيب أقصبي

في هذا السياق، قال الخبير الاقتصادي نجيب أقصبي، في لقاء صحفي، أن سبب الأزمة الاقتصادية في المغرب (التضخم، ارتفاع الأسعار) يعود للبنية الاقتصادية المبنية على الريع، حيث أن التضخم وارتفاع أسعار المواد الغذائية والمواد الطاقية التي يحترق بها المغاربة الآن، سببهما الرئيسي مرتبط بالهياكل الريعية المناقضة لمنطق المنافسة والانفتاح في السوق الاقتصادية”.

وأضاف أن استمرار قيام المنظومة الاقتصادية الوطنية على الريع، وغياب العدالة الجبائية، يكرسان الفوارق الاجتماعية في البلاد، وأنه “من الصعب جدا القول إننا في المجال الاقتصادي نتوفر على الأقل على بعض مقومات الاقتصادات الأوروبية التي أنجحت مشروع الحماية الاجتماعية بعد الحرب العالمية الثانية.

تتمة المقال تحت الإعلان

فمن بين الاختلالات التي تكرس الفوارق الاجتماعية، هناك الريع الضريبي، حيث أن فئة كبيرة من المجتمع، الطبقة الوسطى والفقيرة، تدفع الجزء الكبير من الضرائب، من خلال الضريبة على الدخل والضرائب غير المباشرة، مثل الضريبة على الاستهلاك وعلى القيمة المضافة، والكبار لا يؤدون الضرائب ويستفيدون من الميزانية العامة، يوضح أقصبي، قائلا أن “الدول الأوروبية منذ الحرب العالمية، تعمل على تقليص الفوارق الاجتماعية عبر النظام الضريبي، وأصحاب الرساميل الكبرى يساهمون أكثر من الطبقة الوسطى، يؤدون ضرائب على الرأسمال والإرث والثروات الكبرى، وهذه الضرائب بنيت عليها الدولة الاجتماعية، وهناك ترابط بينهما، عبر عملية تقليص الفوارق من ناحية النفقات، والخدمات العمومية.

من جهته، يرى إدريس الأزمي، أن الريع يحرم مجموعة من الكفاءات من الولوج إلى السوق، ويحرم الوطن من إمكانيات تنموية (محاربة البطالة في صفوف الشباب)، إلى جانب ريع المأذونيات والعقار والمحروقات، مشيرا إلى أن الإشكال يكمن في قضية ترييع الإنتاج وإخضاع الاستثمارات إلى منطق الريع، مثل نظام الدعم في المقاصة الذي كانت تستفيد منه طبقة معينة، ثم ريع العقار الذي استفاد منه منعشون عقاريون من خلال إعطاء الأراضي والتمويلات بفوائد تفضيلية والإعفاءات الجبائية، وضمانة الدولة من أجل إحداث السكن الاقتصادي المنخفض التكلفة، أما نجيب بوليف، القيادي في العدالة والتنمية والوزير السابق للحكامة، فقال أن من نتائج الريع، أننا لم نعد نركز على الأنشطة الاستثمارية المنتجة، التي فيها مجهود، الشيء الذي يعطينا نوعا اقتصاديا يعول على الأمور التي ليس فيها إنتاج أو مجهود، حيث أنه في الدول الريعية مبادئ السوق الحرة والحرية الاقتصادية وسيادة القانون، ليست مهمة، ولا حاجة لقوانين المنافسة وسيادة القانون وللشفافية في الصفقات.

تتمة المقال تحت الإعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى