متابعات

متابعات | الحكومة أمام ظاهرة هروب الطلبة من الكليات العلمية

ضعف التكوين الجامعي يكرس الطبقية والإقصاء

خلقت إشكالية تفاوت أرقام الطلبة في الجامعات المغربية بين الكليات العلمية وكليات الآداب، نقاشا واسعا، بعد ارتفاع أعداد الطلبة في مختلف كليات الآداب والعلوم الإنسانية مقارنة مع الجامعات العلمية والتقنية، حيث يفضل غالبية الطلبة الحاصلين على شهادة الباكالوريا، سواء العلمية أو الأدبية، التوجه إلى دراسة الحقوق والقانون والعلوم الإنسانية، مقارنة مع فئة قليلة تختار المسالك العلمية أو التقنية.

هذه الظاهرة أصبحت مألوفة لدى الطلبة المغاربة، وزادت مننسبة الاكتظاظ في شعب القانون بشقيه العام والخاص، وعلم الاجتماع والدراسات الإسلامية، والعلوم الاقتصادية، بينما تراجعت نسب الطلبة الذين يتجهون إلى دراسة شعب العلوم الفيزيائية أو البيولوجيا أو الكيمياء، مما طرح العديد من التساؤلات لدى المختصين الذين دقوا ناقوس الخطر حول مستقبل المواد العلمية داخل الجامعات المغربية.

تتمة المقال بعد الإعلان

 

إعداد. خالد الغازي

تتمة المقال بعد الإعلان

 

    كشف وزير التعليم العالي والبحث العلمي، عبد اللطيف الميراوي، أن عدد الطلبة المسجلين بكليات الحقوق بلغ 48 بالمائة من مجموع الطلبة المسجلين في الجامعات هذه السنة والبالغ عددهم مليونا و100 ألف طالب، أي بزيادة 9 بالمائة عن الموسم الماضي، ويوجد ضمن هؤلاء 473 ألفا و544 طالبا مسجلا بكليات العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية.

وأكد الوزيرأن عدد المسجلين في كليات العلوم والتقنيات بلغ حوالي 33 ألف طالب، بينماعدد المسجلين في كليات الآداب والعلوم الإنسانية، 224 ألفا و655 طالبا، و104 آلاف طالب في الكليات متعددة التخصصات، معتبرا أن سبب إقبال الطلبة على التسجيل بكليات العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، راجع لاصطدامهم بمشكل اللغة الفرنسية في كليات العلوم.

 

إشكالية معقدة

عبد الغني الراقي

    يرى عبد الغني الراقي، الكاتب العام للنقابة الوطنية للتعليم،أن لغة التدريس تخلق إشكالية كبيرة ومعقدة، لكون الاختيارات التي كانت من قبل طغت عليها الشعبوية ودخلت فيها العاطفة والاعتبارات الدينية، بعد تعريب تدريس المواد العلمية منالسلك الابتدائي إلى الباكالوريا، مما وضع الشباب المغربي في مأزق جعلهم غير قادرين على مواكبة التعليم الجامعي الذي يعتمد على اللغة الفرنسية في تدريس المواد العلمية، وقال: “أتذكر الضجة التي خلقها بن كيران في البرلمان حول لغة التدريس خلال مناقشة القانون الإطار رقم 51-17، حيث قام بالركوب على قضية اللغة العربية بشكل شعبوي وكأن هناك اتجاها آخر يسعى للوصول إلى الهوية المغربية، في حين أن الخيار الذي كانت تسير عليه البلاد  في التدريس بدون أفق، لأن التلاميذ يصلون لمستوى الباكالوريا يجدون أنفسهم غير قادرين على مواكبة التعليم العالي باللغة الفرنسية، ولم تكن لديهم الشجاعة لكي يعرّبوا حتى التعليم العالي لو أنهم أرادوا القيام بمنظومة منسجمة”.

وأوضح الراقي أن “الطالب المغربي عند التخرج، يصطدم بسوق الشغل الذي يتطلب منه ضبط والتمكن من اللغة الفرنسية، لأن الخطاب المتداول في سوق المال والأعمال والمقاولات يتعامل باللغة الفرنسية وأحيانا الإنجليزية، بينما اللغة العربية، مع الأسف الشديد، لا يمكن رفع التحدي بها، لأن سوق الشغل يتطلب إتقان اللغة الفرنسية”.

 

الطبقية وسوق الشغل

    الكثير من خريجي الجامعات يجدون صعوبة كبيرة في الاندماج في سوق الشغل، بسبب افتقادهم للمؤهلات العلمية والتقنية للعمل في مختلف الشركات والمصانع، حيث يكون المخرج هو البحث عن وظيفة أو عمل في التعليم الخصوصي، أو الالتحاق بالأساتذة المتعاقدين مع وزارة التربية الوطنية، بينما أبناء الطبقة المتوسطة والأغنياء بفضل حصولهم على تكوين في عدة مجالات باللغة الفرنسية، يتمكنون من الحصول على وظائف وفرص عمل في الأبناك والشركات الكبرى.

واعتبر الكاتب العام للنقابة الوطنية للتعليم،أن المنهجية المعمول بها في البلاد، تقصي أبناء الفقراء وتخلق بعدا طبقيا بين الشباب المغربي، وتمنح الانتقاء والأفضلية لأبناء الأغنياء الذي يستطيعون العمل في الشركات والمقاولات والأبناك، إلى جانب أبناء الطبقة المتوسطة الذين درسوا في التعليم الخصوصي وتمكنوا من إتقان اللغة الفرنسية.

وأكد عبد الغني الراقي،أن الخيار القديم المتمثل في تدريس العلوم باللغة العربية، كان خيارا خاطئا، لأنه إقصائي وطبقي، ساهم في هروب الطلبة من كليات العلوم والمعاهد التكنولوجية،إلى شعب الآداب والعلوم الإنسانية التي تظهر أنها سهلة لكنها بدون آفاق، بحيث أن الغالبية بعد حصولهم على الإجازة، يعانون البطالة، بينما فئة قليلة هي التي ترفع التحدي بفضل مؤهلاتها الذاتية وتمكنها من الفرنسية، مشددا على ضرورة مراجعة برامج التعليم من الأول، باختيارات تتضمن الواقعية وتسمح بإدماج الشباب المغربي في سوق الشغل، وليس بوضعهم على الهامش في عملية إقصاء من البداية، مع معالجة إشكالية اللغة المرتبطة بالتعليم العالي وبسوق الشغل والاندماج في المجتمع.

نقص الكليات وآفاق محدودة

محمد بنساسي

    يرى محمد بنساسي، رئيس الاتحاد العام لطلبة المغرب، أن العوامل الأساسية المؤدية إلى اختيار الطلبة لشعب العلوم الإنسانية والاجتماعية والقانونية والاقتصادية، مرتبط أساسا بالآفاق التي تتيحها هذه المسالك أمام دارسيها مادام المغرب قد ربط منتوج مؤسساته التعليمية بسوق الشغل، بحيث أنه باستثناء العمل في بعض المختبرات البيولوجية والكيميائية، وهي معدودة على رؤوس الأصابع، لا تستطيع استيعاب خريجي كليات العلوم بالمغرب،بالإضافة إلى ولوج التعليم الأولي أو الثانوي لا نجد لهذه الفئة آفاقا تذكر في قطاعات أخرى، على الرغم من الأهمية البالغة التي تكتسيها الشعب العلمية والتقنية، على اعتبار أننا لم نهيئ بعد الأرضية المناسبة والبنية الأساسية للنهوض بالمواد العلمية والتقنية رغم أهميتها.

وأضاف بنساسي، أن هناك عاملا آخر يتمثل في قلة عدد كليات العلوم ذات الاستقطاب المفتوح بالمغرب، وسوء انتشارها وتوزيعها ترابيا، بحيث نجدها فقط في المدن الجامعية الكبرى كالرباط وفاس وتطوان والقنيطرة، وهناك طلبة يلجون مسالك وشعبا أخرىمكرهينومضطرين، لأن مدن إقامتهم لا تتوفر على كليات علمية، على الرغم من حصولهم على باكالوريا علوم، مشيرا إلى اعتماد اللغة الفرنسية في تدريس المواد العلمية مع العلم أنه في زمننا هذا، هناك تطورا كبيرا في مجال الترجمة ولم تعد اللغة عقبة في التحصيل العلمي والأكاديمي، وهذا عامل كافي لنفور الطلبة من ولوج هذه الشعب، متسائلا: “كيف يعقل أن يدرس التلميذ إلى حدود نيل شهادة الباكالوريا بالعربية، ويجد نفسه بين ليلة وضحاها طالبا يدرس باللغة الفرنسية في صفوف الجامعة، بحيث قلة قليلة من تستطيع المواكبة؟”.

وأوضح أن هناك عاملاآخر يعاني منه الطلبة، وهو ضعف التكوين الذي يتلقونه بكليات العلوم، وهو ليس ناتجا عن عدم كفاءة الأساتذة أبدا، بل مرده أساسا إلى محدودية المعدات والأجهزة المطلوبة للتدريس، ولا سيما في الأعمال التطبيقية التي تستوجب معدات وأجهزة خاصة، ومنها ما هو باهظ الثمن، حيث أن أغلب كليات العلوم بالمغرب تفتقر لهذه الوسائل التي بدونها يبقى الطالب حبيس المحاضرات النظرية ولا يكتمل فهمه واستيعابه لمضمونها إلا في إطار الأعمال التطبيقية المكملة لها.

وزير التعليم العالي والبحث العلمي، عبد اللطيف الميراوي

الشعب الأدبية طريق للتوظيف

    الكثير من الطلبة يفضلون اللجوء إلى كليات الآداب والحقوق، لأجل البحث عن وظيفة في المستقبل والعمل في الدولة، سواء في العدل أو التعليم أو في الداخلية وغيرها، حيث تعتبر الوظيفة مع الدولة هي الهدف الأساسي لكل طالب في الجامعة، وفئة قليلة هي من تفكر في إكمال المسار الأكاديمي، أو اختيار مسلك علمي.

وفي هذا الإطار،يقول هشام،طالب جامعي،أن غالبية الطلبة يختارون الدراسة في مجال القانون، والعلوم الإنسانية،بسبب ضعفهم في اللغة الفرنسية المفروضة في المواد العلمية، لذلك يفضل الكثير منهم التوجه إلى الشعب الأدبية والقانونية قصد الحصول على وظيفة بعد نهاية مسارهم الجامعي.

وأوضح أنه يعرف الكثير من الطلبة الذين حصلوا على الإجازة في الفيزياء أوالكيمياء أو البيولوجيا، لكنهم لم يتمكنوا من الحصول على عمل أو وظيفة قارة، بينما الكثير من الطلبة الذين حصلوا على الإجارة في القانون العام أو الخاص، حققوا أهدافهم وتمكنوا من الحصول على وظيفة في المحاكم أو في قطاعات وزارية أخرى.

محمد، طالب جامعي، قال بأنه حصل على الباكالوريا علوم رياضية، وكان جد متفوق في الرياضيات، لكنه اصطدم بواقع آخر في الجامعة، بسبب تدريس جميع المواد باللغة الفرنسية وضرورة الحضور المستمر، مما دفعه لتبديل الشعبة واختيار شعبة أخرى لمواصلة الدراسة فقط،موضحا: “الظروف المادية وغياب المنحة، بالإضافة إلى ضغط المواد، دفعني إلى تبديل الشعبة حتى أتمكن من توفير بعض المصاريف والحضور مرة مرة للجامعة”.

بدورها، تعتبر سناء، طالبة جامعية،أن الدراسة في كليات العلوم الإنسانية والاجتماعية، تخلق علاقات اجتماعية بين الطلبة ومع أناس آخرين، سواء داخل الحرم الجامعي أو خارجه، من خلال البحوث الميدانية والبحث في شتى المواضيع، مضيفة أن هروب الطلبة من الشعب العلمية يرجع لعدم اقتناعهم بهذا المجال العلمي، أو لضعف التكوين وغياب آفاق مستقبلية، لذلك يفضلون البحث عن آفاق أخرى، مثل اللجوء إلى معاهد التكنولوجيا أو الهندسة، للبحث عن مستقبل أفضل.

عزوف بسبب البكالوريوس

    قررت وزارة التعليم العالي تطبيق نظام البكالوريوس، الذي أثار استياء مكونات التعليم العالي، من أساتذة وطلبة ونقابات، حيث اعتبروا أن هذا النظام جاء لسلب الصفة الأكاديمية والعلمية عن المؤسسات الجامعية دون استشارة المتدخلين.

وحسب بعض الطلبة، فإن النظام الجديد الذي شرعت العديد من الجامعات في اعتماده، دفع الآلاف من الطلبة إلى البحث عن آفاق أخرى بعيدا عن التعليم الجامعي، لأن أربع سنوات من الدراسة أصبحت بالنسبة لهم عائقا للوصول إلى أهدافهم، خاصة وأن الغالبية من الوافدين ينتمون لأوساط شعبية فقيرة، وهم في حاجة إلى التخرج والتوظيف قصد مساعدة آبائهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى