الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | عندما توقعت المخابرات الأمريكية سقوط نظام الحسن الثاني

الصخيرات المجزرة السياسية "الحلقة الأخيرة"

حتى لا ننسى.. الصخيرات المجزرة السياسية
((من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر)) صدق الله العظيم.
يقول القيدوم الراحل أستاذنا مصطفى العلوي: ((وما كان لأحداث على مستوى خطورة هجوم الصخيرات أن تدرج في مسالك النسيان، دون أن نستخلص الدرس منها، وكان الملك الحسن الثاني رحمه الله، حريصا على إقبار أخبارها وأسرارها، تفاديا لاستمرار البحث عن دوافعها وأسبابها والمسؤولين عنها، بقدر ما يحرص كتاب “الصخيرات المجزرة السياسية” على استخلاص الدرس مما خطته دماء الضحايا، ودموع الثكالى على جبين التاريخ المغربي المعاصر.
فيما يلي، تقدم “الأسبوع” أقوى ما كتبه الراحل مصطفى العلوي عن محاولة انقلاب الصخيرات، عبر حلقات ضمن ركن “الحقيقة الضائعة”.
بقلم: مصطفى العلوي

  بعد انتهاء هذه المجزرة، وقبل أن تجف دماء ضحاياها، دفعني الفضول الصحفي إلى التوجه نحو الموقع الذي أصبح في اليوم الموالي، ليوم الهجوم، مسرحا دراماتيكيا للأحداث، وهو مستشفى ابن سينا، حيث كانت الجثث، جثث ضحايا هجوم الأمس، متراكمة بشكل غريب، وكان برفقتي النائب البرلماني السابق في فريق الحركة الشعبية، هرجان حسون، حين فاجأنا السفير الفرنسي في الرباط، الذي جاء بدوره للبحث عن جثث الفرنسيين القتلى، وهو يطلب مني أن أساعده على تقليب الجثث، حين تعرف على جثة طبيب الملك، الدكتور دوبوا روكبير، وكان طويل القامة بشكل جعلني أفتح إحدى البوابات الحديدية لأفاجأ بجثمان ممدود على ظهره، ويداه على صدره، كان جثمان الجنرال المذبوح، المغطاة أطراف منه بقطع من الثوب، وما دون ذلك، مناظر مقززة لمئات الجثث فيها المرتدية لثياب، وأخرى عارية، ولكنها تختلف تماما عن ذلك الوصف الذي أعطاه الجنرال أوفقير بعد أن أصبح الرجل القوي المؤتمن على المغرب والملكية(…)، سياسيا وعسكريا، بينما كان في الواقع بصدد التحضير لمحاولة انقلاب أخرى، حصلت سنة من بعد، سنة بعد أن ائتمنه الملك الحسن الثاني على تصفية الاعتداء الأسبق.

وهي الفترة التي حكى واحد من المهاجمين الذين كتبوا مذكراتهم، المرزوقي، أن الجنرال أوفقير استصغر هجوم الصخيرات وهو يعطي تعليماته لتنفيذ المخطط المقبل، لمساعده ومنظم الانقلاب الجديد، أمقران، ((أمره بتهييء خطة دقيقة ليكون الانقلاب التقني(…) عوض الفانطازيا التي قام بها الجنود في الصخيرات)) (مذكرات المرزوقي).

أوفقير إذن، لا يريد من الانقلاب المقبل أن يفشل مثل الانقلاب السابق، لأن انقلاب عاشر يوليوز 1971 فشل فعلا فشلا ذريعا، بعد أن تحول إلى ثلاث انقلابات أو أكثر: الانقلاب الذي دبره الجنرال المذبوح، والانقلاب الذي تسلمه الكولونيل عبابو بعد موت المذبوح، والانقلاب الذي دبره على المذبوح وعبابو، أولئك الانتهازيون الحاضرون، الذين تصوروا فعلا أن الملك الحسن الثاني قد قتل، وأن عليهم أن ينتهزوا الفرصة، فأعلنوا انضمامهم لفكرة الانقلاب، والانقلاب على الانقلاب الذي نظمه أنصار الحسن الثاني، في إطار الجيش الشرعي الذي تولى قائده الجنرال البشير في مكتبه بالقيادة العليا للجيش، تبادل الرصاص على طريقة الكوبوي، بينه وبين رئيس الانقلاب الكولونيل عبابو، وانتهى تبادل النار بينهما بموتهما معا.

ورغم أن المؤشرات كلها تصب في أن الانقلاب، كما دبره الجنرال المذبوح، لم يكن بدائيا بالنسبة لجيش لم ينظم انقلابا من قبل، مراعاة لصلابة النظام الملكي المتأصل في المغرب لقرون طويلة، أصبح بعدها يطاح بسلطان ليخلفه سلطان آخر، فلعبت المصالح الاستخبارية المغربية التي طورها تحت أنظار الملك الحسن الثاني، الجنرالات الكبار، أوفقير، والمذبوح، والدليمي، ومولاي حفيظ، بدعم وتوجيه من مكونيهم وموجهيهم في الأجهزة المخابراتية التي كانت نشيطة على المستوى العالمي، جهاز “السيا” الأمريكي، و”الديسطي” الفرنسي، المتقاسمان للنفوذ السياسي في المغرب على أساس استمرار ولاء النظام المغربي وتنفيذه للمخطط المرسوم، وقد لاحظنا معا على مستوى عالي، أن ظاهرة الفساد التي بررت إسقاط الأنظمة المصرية والليبية، وفي عدة دول إفريقية، أصبحت تسهل عملية إسقاط النظام المغربي، بعد أن لم يبق سرا أن جهاز “السيا” الأمريكي هو الذي حضر الجنرال المذبوح، وربما خطط معه عملية تنظيم انقلاب الصخيرات.

وها هو السفير الأمريكي في الجزائر، وقد حول مكتبه عندما كان مستشارا سياسيا في السفارة الأمريكية، إلى مركز استخباراتي كبير، يتغيب عن الحضور في حفل الصخيرات، رغم توصله بالاستدعاء، ليكون في ساعة الغذاء جالسا بجانبي في بيت المستشار الإيطالي بالرباط “جانتيلي”، وكان يسكن مكتريا بيت رئيس الحكومة المغربية، الراحل مبارك البكاي، البيت المقابل مباشرة لبيت الأميرة للا نزهة، ابنة الملك محمد الخامس وأخت الحسن الثاني.

وقد كنت حكيت لصديقي المستشار الإيطالي، أني توصلت كالسنة الماضية باستدعاء من التشريفات الملكية لحضور حفل الصخيرات، وقلت له أن حضوري في السنة الماضية أتعبني كثيرا في السير من موقف السيارات البعيد إلى موقع الحفل، علما بأن أقدامي كانت لازالت في حالة مزرية، منذ سابق تعذيبي إثر اعتقالي في سنة 1963، وأني لن أذهب للحفل، فعرض علي أن أحضر غذاء يحضره هو، خاصا بسيدات المجتمع المغربي والأجنبي، اللواتي توجه كل أزواجهن لحفل الصخيرات، لأحضر حفل غذاء المستشار الإيطالي، ويجلس صدفة جنبي، المستشار الأمريكي “باركر”، الذي استدعي لمكالمة تلفونية في الساعة الواحدة والنصف، ويضع التلفون على المائدة، ويخرج مسرعا، لأتبعه مدفوعا بالفضول الصحفي، وأسأله عن سر خروجه السريع دون الاعتذار لمضيفه الإيطالي، ليقول لي، مراعاة لصداقتي معه: سأقول له، لكن “أوف دي روكردر”، يعني لا تقل لأحد: لقد وقع هجوم على القصر الملكي في الصخيرات، لأكون أول واحد يسمع عن خبر الهجوم، وأنا أتغذى بشارع الأميرات بالرباط.

“باركر” هذا.. ولم أره من بعد، في خضم ما حدث عقب محاولة الانقلاب وما أعقبته من تحركات، سمعت أنه غادر مهامه كمستشار في السفارة الأمريكية بالرباط، كما غادر معه مساعده المستشار الثاني بنفس السفارة، واسمه “دين بار”، لنسمع من بعد، وبالتدقيق في سنة 1978، أن صديقي “باركر” عين سفيرا للولايات المتحدة في الجزائر، ومساعده “دين بار” عين سفيرا للولايات المتحدة في بيروت، لنفهم لماذا انفجرت الحرب الدموية في لبنان، لنسمع من بعد أنه بعدما زار نائب لوزير الخارجية الأمريكية للرباط، طلب منه الحسن الثاني سحب المستشار “باركر” من مهامه في الرباط.

“باركر” هذا، وبعدما عين سفيرا في الجزائر، صرح بأن جهاز “السيا” كان يتوقع سقوط الحسن الثاني خلال هجوم الصخيرات.

وليس الأمريكيون وحدهم.. واحد من معتقلي تازمامرت، أحمد المرزوقي، حكى في مذكراته، أنه أثناء عشاء في نادي الضباط بالرباط، ليلة الانقلاب، وبينما الضباط يتحدثون عن المناورات التي ستقام في بن سليمان ((كان معهم في المائدة طبيب فرنسي اسمه “فورتاس”، كان حاضرا، قال لهم: ماذا تحكون لنا عن المناورات، إنكم غدا ستنظمون انقلابا عسكريا)) (كتاب “تازمامرت”. أحمد المرزوقي).

نفس الرواية حكاها المعتقل السابق محمد الرايس في مذكراته.

عجيب مريب، كيف أن هذا الحسن الثاني، الذي كان يفاجئ كثيرا المقربين إليه وهو يحكي لهم بالتفصيل ماذا قالوه في مجالسهم الخاصة، وماذا عملوه من أسرار بعيدا عن زوجاتهم، لم يطلع على ما كان يحضر له على أيدي هؤلاء المقربين إليه، ولا ما كان يتبادله من أسرار مع كبار ضباط المخابرات الأمريكيين والفرنسيين، وأنه كان يضحك عندما يحكون له أن الكولونيل امحمد عبابو منظم الانقلاب، متزوج من أربع نساء، كما حكاه أخوه محمد وهو ماثل أمام المحكمة العسكرية بالرباط.

المحكمة العسكرية، التي بدأت أشغالها في يناير 1972 لمحاكمة ألف ومائتين من الضباط والجنود، وكانت محاكمتهم فرصة للكشف عن أسرار مريبة، عرت واقع الكذبة الكبرى، التي كانت تسمى قوة النظام، ومخابرات النظام، وصرامة النظام.

 

انتهى

تتمة المقال بعد الإعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى