الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | في سنة 1980.. الإنجليز يدجلون تاريخنا

المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 72"

تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.

وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.

كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

تتمة المقال تحت الإعلان
بقلم: مصطفى العلوي

  قرن من الزمان من 1880 إلى 1980.. وصلت فيه الأمة المغربية ما بين الماضي والحاضر ولم تتوقف يوما واحدا من أيام المائة عام عن سقي جذور التواجد المغربي في صحرائه الشرقية والغربية، وصقل السلاسل الجبارة التي تربط بين ما سبق سنة 1880 وما أعقبها إلى يومنا هذا من صلات الدم والروح بين أجدادنا ولدوا في الصحراء وماتوا في الأطلس، وآخرين ولدوا في الأطلس وماتوا في الصحراء.

تتمة المقال تحت الإعلان

وعندما جاءت جيوش الاحتلال الإسباني والفرنسي، تصدت لها قوات المقاومة المغربية وتوحدت في وجهها صفوف القبائل وبنود الوحدة الوطنية.

وكان عليها المغرب موحدا من عين صالح إلى بوجدور كخط أفقي، ومن طنجة إلى تمبكتو كخط عمودي، ومن الهوكار إلى المهدية كخط عرضي، ومن وجدة إلى وادي السنغال كخط عكسي، وها هي أسماء شهدائنا وتواريخ معاركنا تجلل تاريخ رفض دام مائة سنة، منذ أن افتقد المغرب ذلك الملك العظيم الحسن الأول، وتفتحت شهية الطامعين في المغرب بعد موته، من إنجليز وفرنسيين وإسبان وألمان وروس وبرتغال.

وهي معركة ابتدأت سنة 1880، وها نحن نعيش أحد فصولها في سنة 1986، وبذلك لم يتوقف رصاص الرفض عن اللعلعة في فيافي الصحراء وقفارها، وها هو لا يزال يصم الآذان إلى اليوم ولازالت دماؤنا تسيل من أجل استرجاع وحدتنا، وما عرفه المغرب على مستوى السلطة في ظروف متباينة الحالات مختلفة المستويات حينما سقط النفوذ في المغرب بين المؤامرات والمناورات والخيانات والأزمات لا يهمنا في تحليل هذه الفترة، لأن ضعف السلطة وتسليم المغرب أمام جيوش الاحتلال والأزمات الاقتصادية، لم يوقف أبدا معركة المغاربة من أجل وحدتهم واسترجاع أراضيهم.

وكان جهاد المغرب كالباخرة الجبارة التي تمخر عباب البحر، وتتحدى الأمواج والعواصف في رحلة طويلة، كرحلة الشتاء والصيف، فلم تكن هذه الباخرة تتأثر في سيرها، سواء كان الشهر ماي أو أكتوبر، لأن تسمية الشهور بالنسبة لباخرة جبارة كالمغرب، لا يهمها.. مثلما لم تكن حركة الجهاد من أجل الوحدة المقدسة والتراب الغالي تهتم بأسماء المسؤولين.. وهكذا مضى الحسن الأول وجاء عبد العزيز، وبعده عبد الحفيظ، وكانت مواقفهم متباينة ومشاكلهم متعددة، لكن الصحراء كانت في جهادها مستمرة.

ولعل الذين يهتمون بالمغرب في ظروفه الحاضرة، يغورون في عمق التاريخ ليأخذوا من أعماقه الحكمة المغربية.

إن المغرب هو المغرب، ولم يكن مجده وإصراره ليتغير بتغيير مركز السلطة فيه.

ولشد ما تكون الدهشة كبيرة حينما نجد صحيفة محترمة مثل جريدة “الديلي تلغراف” البريطانية تنشر في مارس 1980، أن “الحسن الثاني عجز عن تحويل قضية الصحراء إلى موضوع شهامة وطنية، وهو شيء لم يقتنع به المواطن المغربي”، تقول الصحيفة..

فيا لهول الغلط، وسقوط مستوى التفكير عند صحفي بريطاني كان خلیقا به قبل كتابة حماقات من هذا النوع، أن يرجع إلى ما كتبه أولئك الإنجليز الذين كانوا يمسحون جباههم في أحذية سلاطين المغرب، أمثال البريطاني ماك لين، والبريطاني هاريس، الذي كتب ما كان عليه المغرب منذ مائة سنة، ولو قرأ الصحفي البريطاني في جريدة “الديلي تلغراف” ما كتب منذ مائة سنة بقلم بريطانيين مثله، لوجد أن إقناع المواطن المغربي بقضية الصحراء ليس مشكلا مطروحا سنة 1980 بعد أن كان عقيدة ومبدأ سنة 1880، أم أننا مطالبون بتقديم صورة ناطقة عن وضعية المغرب في عهد الكاتب البريطاني هاريس والمستشار البريطاني ماك لين، وهما اللذان كان لهما نفوذ باهر في عهد السلطان عبد العزيز ؟

فليكن إذن..

لنأخذ الحرس الخاص والقيادة العسكرية للسلطان عبد العزيز، وقد كانتا معا في حكم نفوذ المستشار ماك لين.. كانت قيادة عبيد الجيش مقسمة بين:

– قائد عبيد البخاري بن كبور؛

– رئيس الجيش إبراهيم المنبهي.

وهما معا تحت قيادة قائد جيش أولاد دليم – من وادي الذهب – وهو الضابط علي بن رشكون الدليمي، وهذه الأسماء الثلاثة واردة في كل مؤلفات هاريس، وتحركات ماك لين.

فكيف إذن بملك يسند مهمة حمايته وحماية عرشه لضابط من الصحراء الغربية من أولاد دليم من وادي الذهب ؟

وأول من خرج عن هذه الحكمة كان هو الاستعمار الفرنسي، حينما اعتبر موت الحسن الأول تخلصا من الإصرار المغربي، ولكن متاعب ذلك الاستعمار إنما بدأت بموت الحسن الأول، وها هي أحداث التاريخ شاهدة.

وكان موقف السلطان عبد العزيز ضعيفا، لكن موقف المغرب بقي متشددا، وذهب بالسلطان عبد العزيز تردده، وجاء السلطان عبد الحفيظ باسم الجهاد، واستمر الجهاد، ونفى الاستعمار السلطان عبد الحفيظ باسم فرض الأمن وإحلال الحماية، وبقي الجهاد وذهب الاستعمار مطرودا يجر أذيال خيبة سوء حساباته، وها هو يعود مستعربا مجلببا معمما مسلما، ولكنه يلقى نفس المصير، لأنه المغرب وهذا اختياره.

إنني لا ألتمس العذر ممن سيلاحظون علي عدم التعمق فيما عرفه المغرب من أزمات داخلية كان لها – بدون شك – الأثر الفعال على ضعف النفوذ المغربي في الأطراف الصحراوية، لأن المشاكل الداخلية والحروب المتعددة التي عرفها المغرب في هذه الفترة الحاسمة، إنما هي جزء من ظاهرة الرفض الوطني للاحتلال.

وآفاق هذه السلسلة من حلقات “الحقيقة الضائعة” مغمورة بروح الجهاد في المناطق الصحراوية، وهي فترة حاسمة من تاريخنا عمل المستعمرون على طمسها، وتأملوا أن تمحو التموجات الرملية أثارها، بل برع بعض تجار السياسة والدعاية في هذه السنوات الأخيرة، في تصوير التواجد المغربي في الصحراء على أنه نوع من السراب، يحسبه الظمآن للحقيقة ماء حتى إذا جاؤوه لم يجدوا شيئا.

وها نحن نتدارس وإياهم حقيقة التواجد، ونهيب بهم أن يحفروا في رمال إينغار، وتحت نخيل عين صالح، وفي جنبات أطلال أدرار، وعند جدران قصر ماء العينين بالسمارة، وواحات أطار.. ليجدوا الحقيقة الملموسة عظاما لشهدائنا وجماجم لأبطالنا، وليراجعوا وثائق البيع والشراء وعقود الملكيات التي لازال ورقها لم يصفر، ليجدوا الجواب عن هذه التساؤلات الماكرة.

وهل هذا التوسع فيما عرفته مناطق الصحراء الشرقية من أحداث، يعني أن عهد المغرب بالساقية الحمراء ووادي الذهب بعيد؟

إنه إذا تنازل المتشددون لتفهم الأوضاع وقبلوا معنا الاتفاق على المبدأ البديهي، وهو أن الاستعمار عندما فرض علينا احتلاله وحمايته، وهو الاستعمار الفرنسي والإسباني، فإنه – كما يشهد بذلك التاريخ – لقي معارضة شديدة من قبل المواطنين المغاربة وكان ذلك ابتداء من سنة 1900.. فهل كانت الصحراء الغربية في وادي الذهب والساقية الحمراء أرضا خلاء، ورمالا وقفارا لا تواجد لأحد بها ؟

إذن، فلنراجع ماذا كان بهذه المناطق من أحداث بعد سنة 1900.

 

يتبع

تعليق واحد

  1. Allah Yarham Moulay Mostapha Alaoui, il n aurait jamais accepter que les lecteurs du Fameux Al oussboue assahafi doivent payer pour lire les infos…..!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى