الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | طريق “الكنوز” ومعارك “واد الشناشن” و”تيجيكدا”

المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 74"

تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.

وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.

كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

تتمة المقال تحت الإعلان
بقلم: مصطفى العلوي

    كانت الفكرة الاستعمارية المنطلقة من المجلس الوطني الفرنسي، والمتجسدة في القيادة العسكرية الفرنسية في الجزائر، والمشدودة كلها إلى الأطماع الاقتصادية والغزوات في سبيل الثروات من أجل الأحجار الكريمة في توات والفضة في شنقيط، هي الحافز الأول لغزو فرنسا للصحراء المغربية.

تتمة المقال تحت الإعلان

ولقد أعمت هذه الأطماع عيون الساسة الفرنسيين، فمضوا دون شعور ودون قصد، في طريق توحيد الكفاح المغربي وتأكيد الوحدة الترابية الوطنية، حينما أعطوا لضباطهم أمر السير بدون توقف في طريق الكنوز.

وكانت المسافة الطويلة تتطلب المراحل الطويلة، وفي سنة 1905 خرجت قوات فرنسية من توات في اتجاه شنقيط، وبعد أن وصلت غربا إلى واد الشناشن جنوب تندوف، اصطدمت بقبائل الركيبات، ثم أولاد دليم، ثم تادجاكنت في اتجاه شنقيط.

وكانت معارك معزولة وممحوة الأثار، لأنها كانت عبارة عن تحركات عسكرية فرنسية تشتبك فيها مع سكان الواحات، فتقضي عليهم بالمدافع لتزداد في تقدمها، وكانت معارك 1905 وشهداء الركيبات فيها هي وادي الدماء، الذي فرق بين سكان المناطق الصحراوية المغربية وكل طريق للتفاهم أو القبول للاحتلال الفرنسي.

وقد انبرت قبائل تاكانت لتقديم أرواحها وشهدائها فداء لحرية المنطقة، وكانت الزاوية الناصرية في درعة المرتكزة في تزنيت هي نقطة الالتقاء بالنسبة للقوات المحاربة.

وانعقد في الزاوية الناصرية جمع صاخب أدان بالدرجة الأولى انشغال السلطان في مشاكله الداخلية، وقرر إيفاد أحد أقطاب المؤتمر، الشيخ ماء العينين، لمطالبة السلطان بالدعم العسكري لمواجهة الاحتلال، وكان الاقتراح صادرا عن مندوبي قبائل تاكانت الذين قدموا من التضحيات في جميع مناطق شنقيط أروع أمثلة الجهاد والفداء.

وتوجه الشيخ ماء العينين شخصيا إلى فاس، حيث نزل في زاويته التي كان يديرها ابنه مولاي أحمد الشمس، وفوجئ القناصلة الفرنسيون والإسبان في جميع أنحاء المغرب، وخصوصا في المدن التي مر بها الشيخ ماء العينين في ذهابه في الشهور الأخيرة من سنة 1905 ورجوعه إلى الصحراء في جوان ويوليوز 1906، بمظاهرات التضامن الصاخبة التي كانت تنظم في كل المدن والقرى التي كان يمر بها.

لقد كانت مواكب الشيخ ماء العينين تعبر صفوف المتظاهرين الداعين للجهاد والحرب ضد الاحتلال.

وقد اضطر عامل الدار البيضاء في شهر جوان 1906، تحت ضغط الضباط الفرنسيين، لمنع موكب الشيخ ماء العينين من المرور عبر الشوارع بالدار البيضاء، حرصا على سلامة الفرنسيين والإسبان سكان الدار البيضاء من مظاهر العداء وأخطار المظاهرات.

وفعلا، لم يدخل الشيخ ماء العينين للدار البيضاء، بينما دخل وسط مظاهرات صاخبة إلى مراكش، حيث زار المولى عبد الحفيظ بصفته زعيم الحركة الوطنية ضد الاحتلال، ثم توجه الشيخ ماء العينين إلى الصويرة، ثم طرفاية حيث ركب باخرة محملة بالأسلحة والمساعدات التي قدمها له السلطان عبد العزيز.. عبد العزير الذي لم يكن له من اختيار غير تنفيذ طلبات الشيخ ماء العينين من سلاح ومال ومواد.

ماء العينين يضرب الفرنسيين في الدار البيضاء

    فقد دفع السلطان عبد العزيز من الدعم والمال والسلاح ما جعل قبائل تاكانت تطمئن إلى أن المغرب لم ولن يتنازل عنها في يوم من الأيام، وقد عجز جواسيس الاستعمار، من قناصلة وضباط وموظفين، عن استطلاع سر السلطان عبد العزيز، الذي أرسل مع أسلحته ومساعداته ابن عمه مولاي إدريس، الذي وصل إلى تاكانت حاملا أسلحة ومساعدات أخرى، وتشجيعات لم تكن بالحسبان.

إلا أن المهمة التي لم يكلف بها السلطان عبد العزيز ابن عمه المولى إدريس، هي انغماره في التيار وخوضه لمعركة كبرى ضد الجيوش الفرنسية في حصنهم الذي بنوه في تيجيكجا.

ولابد من الإشارة إلى أن مركز تيجيكجا الذي يسمى أيضا تيجيكدا، يقع في الجنوب الشرقي لأطار على بعد حوالي مائتي كيلو متر من واد السنغال، وتوجد اليوم بينه وبين مدينة بوكي على نهر السنغال طريق مليئة بالحركة، وكانت معركة رهيبة برع فيها الأمير ابن عم السلطان براعة جعلت الفرنسيين – بكل وقاحة – يقدمون احتجاجا لدى السلطان بفاس.

وقد سجلت الوثائق التاريخية، أن السلطان عبد العزيز أجاب الدبلوماسي الفرنسي الذي قدم الاحتجاج، بأن ((المغرب حر، وأن الأمير إدريس حر في محاربة الاحتلال ضد وطنه، ثم أضاف: إنه ليس لفرنسا الحق في احتلال جنوب المغرب)).

لقد كان المغرب حقا في حالة من الضعف لا تسمح لملكه بالإدلاء بتصريح من هذا النوع، ولكن السلطان عبد العزيز كان واثقا من وعود الألمان ودعمهم له ضد مناورات الفرنسيين، وأية مناورات؟

لقد كان الفرنسيون في سنة 1906 قد أعلنوا حربا مفتوحة ضد المغاربة، لا في جنبات الصحراء ولا في أقاليم الجنوب فقط، وإنما في شوارع الدار البيضاء، وفي سهول الشاوية وبطاح سطات، وكانت المعارك بالغة العنف إلى حد أن المجاهدين طلبوا من الشيخ ماء العينين إمدادات من المجاهدين الصحراويين، ولم يكن جواب الزعيم الصحراوي متأخرا، فلم تمض أيام قليلة حتى كان ثمانمائة من جنود الشيخ ماء العينين يخوضون المعركة الكبرى التي جرت في نهاية شهر غشت 1907، وتوسعت رقعتها من جنوب الدار البيضاء حتى مدينة فضالة، حيث اضطر الفرنسيون لقنبلة هذه المدينة من مدافع البواخر الفرنسية الراسية في عرض البحر، وهي معركة شارك فيها عشرة آلاف مجاهد مغربي كتب الله لهم فيها النصر على جيوش الغزو الفرنسي في سيدي ميمون بضواحي الدار البيضاء.

معارك 1907-1908.. من طرفاية إلى شنقيط

    إن الفضل يرجع إلى الشيخ ماء العينين في أنه وسع رقعة الجهاد ومزج في بوتقتها كل سكان المناطق، من صحراوية غربية وصحراوية شرقية، وفي بطاح وادي درعة، بل إنه أصبح مدرسة ثورية تنتج الأبطال، وهذه الخطة جعلت الحكومة الفرنسية تسارع إلى تغيير خطتها، حيث أن الحرب لم تبق منحصرة فقط في إقليم الشاوية، بل توسعت لمناطق لم تكن تخطر على بال الفرنسيين، وصدر قرار فرنسي بفتح جبهة جديدة، بقيادة الجنرال فيجي، هي جبهة الصحراء.

ففي شهر دجنبر 1907، أعلن عن تأسيس جيش الحركة بقيادة أحد الشرفاء الفيلاليين ويسمى مولاي الحسن، تخلى عن اسمه واختار اسم الجهاد “السبع”، وهو أحد أدعياء زاوية موجودة في أعالي الكير بوادي درعة ممتدة النفوذ بين الصحراء الشرقية والصحراء الغربية.

وقد كان عدد جنود الحركة ستة آلاف، وبنوا قيادتهم العليا في مرتفع أطلقوا عليه اسم “دويرة السبع”، وبعد وصول الإمدادات لمولاي السبع من داخل المغرب ومن الساقية الحمراء، أعلن الحرب على الفرنسيين في فبراير 1908.

وكان برنامج حركة مولاي السبع هو احتلال توات وطرد الفرنسيين منها، ولم يكن هذا مجرد برنامج، بل إن جيوش مولاي السبع وصلت إلى وادي الساورة وجرت اشتباكات كبرى وردت بتفاصيلها في تقارير القيادة العسكرية.

وكان الجنرال الفرنسي فيجي قد حاول منع جيوش مولاي السبع من اختراق الحواجز الطبيعية في عين الشعير، ثم في المنكوب، واضطر الفرنسيون في معارك 6 أبريل 1908، إلى التراجع خلف الحدود التي ينص عليها اتفاق 1902، واستقروا في طلزاز وفرطاسة، ولم تتحمل الحكومة الفرنسية هذه الضربة، فطلب الجنرال فيجي النجدات الكبرى، واعترض المجاهدون يوم 16 أبريل 1908، فيالق النجدات التي كانت آتية بقيادة الكولونيل بييرون في واحة المنابهة، وقتل في هذه المعركة 19 ضابطا وجنديا فرنسيا وجرح مائة وواحد.

وفي يوم 17 أبريل، استغل الجنرال فيجي معارك مولاي السبع مع الكولونيل بييرون، فاخترق الحدود ودخل عين الشعير والمنكوب، ووصل يوم 25 أبريل إلى الغنباج وبوعنان وتاكوميت وأولاد عباس، بينما التحقت به جیوش أخرى ساعدته في الوصول يوم 27 أبريل إلى الحجوى، ودك يوم فاتح ماي 1908، معاقل دويرة السبع، مركز قيادة مولاي السبع، الذي كان بعيدا مع جيوشه يحارب في وادي الساورة.

وجاءت للجنرال فيجي يوم 13 ماي، أخبار بحدوث اشتباكات في بوذنيب مات فيها 13 من خيرة ضباطه، فهجم على بوذنيب حيث سقط تحت نيران مدافعه في يوم واحد 600 من المواطنين المغاربة.

كان رد الفعل هذا صارما زاجرا عنيفا لقطع الصلة بين الجهاد المعلن في الساقية الحمراء، والجهاد المعلن في الساورة وتوات، لأن ارتباط الجهاد بين هاتين المنطقتين يعني دخول فرنسا في حرب أزلية وقارية، وكانت فرنسا في نفس الوقت تسعى لمنع صلة أخرى في الكفاح تتم في منطقة أخرى أكثر أهمية بالنسبة لمخططات الاستعمار الفرنسي في هذه المنطقة.. فقد جاءت جيوش ماء العينين من السمارة وهاجمت طرفاية، واستغرب الاستعماريون هذه القوة التي جعلت ماء العينين يضرب بجيوشه في طرفاية شمالا وفي تاكانت في شنقيط جنوبا.

لقد ورد الحديث في هذه المراحل عن تاكانت والمعارك التي خاضتها بها جيوش ماء العينين، وتاكانت توجد هي أيضا غير بعيد من نهر السنغال يربطها بمدينة كايدي الشنقيطية نهر يمتد إلى كايدي، وطريق متجهة شمالا نحو أطار مرورا بمركز تيجيكدا، أما بعد تاكانت عن السمارة، فهو سحيق، إذ أنه يبلغ تقريبا حوالي ألف وخمسمائة كيلومتر.

وهذا ما ذهب بعقول المخططين والضباط الفرنسيين، وهو ما جعلهم يغرقون في بحر من الاستغراب.

وهو استغراب لم تتورع “نشرة اللجنة الإفريقية الفرنسية” عن شرحه وتفسيره، وهذه النشرة كانت بمثابة سجل للأحداث تكفي مراجعته اليوم لمعرفة ما كان يجري في صحراء المغرب من معارك ضد الاحتلال وضد تقسيم المغرب.

وتقول هذه النشرة أن الرجال الزرق كانوا يضربون الفرنسيين بعنف في شنقيط، وكان الفرنسيون يدفعون ثمن مغامرتهم ويدفنون موتاهم ويدفنون أسرار هذه الحرب في صدورهم حتى لا يكون الإعلان عن هذه المعارك اعترافا بمغربية شنقيط وتأكيدا لكفاح الشنقيطيين في سبيل وفائهم لوحدتهم مع المغرب.. فهل الموريتانيون اليوم قادرين على محو صفحات نشرة “اللجنة الإفريقية الفرنسية” المحفوظة بمكاتب الكي دورسي والمشتملة على بيانات أكثر من هاته التي سردتها بكثير ؟

 

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى