الحقيقة الضائعة | وادي الذهب.. لماذا سميت بلاد مولاي الحسن ؟
المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 73"

تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.
وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.
كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

لقد توقف سرد الأحداث عند تنصيب الأمير مولاي رشيد عاملا على إقليم تافيلالت، ووقوفه على أطلال الهزيمة الصحراوية أمام جنود الاحتلال الفرنسي، ومواجهته لأول مرة في تاريخ المغرب لمشكل اللاجئين الهاربين من مدافع الاحتلال الفرنسي لأقاليم توات وتيدكلت وكورارة، ووقفنا مع مولاي رشيد على تمازج المجاهدين في منطقة نفوذه وتعدد مصادرهم، حيث كانت تتوارد عليه أفواج من الشنقيطيين وسكان وادي الذهب والساقية الحمراء بالإضافة إلى الواردين من المناطق التي كانت تمارس فيها القوات الفرنسية عمليات التقتيل.. فماذا كان يجري بالضبط في أقاليم الساقية الحمراء ووادي الذهب وشنقيط؟ ولنترك مولاي رشيد وجها لوجه أمام مشاكله في إقليم تافيلالت، ولنتوجه باهتمامنا لناحية أخرى تعادل في أهميتها منطقة الصحراء الشرقية.. لنتوجه إلى وادي الذهب، لنرى ردود فعل السكان هناك ضد الاحتلال الإسباني.
لقد كانت إسبانيا، عبر سنوات طوال، لا تستلهم قوتها إلا من تواجدها في سبتة ومليلية، ولا يطفئ جام حرقتها لضياع جبل طارق من تحت نفوذها إلا ما يعطيه لها تواجدها في سبتة أولا، ومليلية ثانيا، من امتيازات ونفوذ، ثم إنها كانت بالنسبة للاستعمار الفرنسي كالشاهد الذي يساند البيئة الفرنسية.
ولقد كان جيلنا متفرجا على المشهد الأخير في فصل الحماية سنة 1956، حيث وقع الإسبانيون وثيقة استقلال شمال المغرب على غرار ما عمله الفرنسيون، وقد كانت مشاهد الفصل الأول مطابقة تماما لمشاهد الفصل الأخير.. لقد كانت إسبانيا أيضا سنة 1912 تتعقب الخطوات الفرنسية.
وقبلها بعشر سنوات، وعندما احتلت فرنسا مناطق توات، وأمضت وثيقة 1901 مع الحكومة المغربية، هبت إسبانيا للمطالبة بإمضاء اتفاقية تحدد بمقتضاها حدودا بين المغرب وصحرائه الغربية.
وكما استعملت فرنسا عملية اغتيال أحد الفرنسيين في كبدانة للضغط على المغرب قصد إمضاء اتفاقية 1901، استغلت إسبانيا عملية اغتيال بعض رعاياها من طرف قبيلة بني مستارة للضغط على المغرب وإمضاء اتفاق يؤكد احتلالها للساقية الحمراء ووادي الذهب.
ولكن جيوش إسبانيا لم تستطع زحزحة جيوش الشيخ ماء العينين من السمارة، حيث كان نفوذه يصل إلى شنقيط جنوبا وإلى أدرار شرقا.
وكان الإسبانيون يكتفون بتواجد رمزي في رأس الداخلة – كما سبق تفصيل ذلك – بينما كان الشيخ ماء العينين هو السيد المطلق النفوذ، وهو شيء ما كانت فرنسا لتقبله، وكثيرا ما كانت تشد آذان الحكام الإسبانيين مؤنبة إياهم على هذا التهاون، مما دعا فرنسا أخيرا إلى التآمر على حياة ماء العينين عند مروره في مناطق المغرب الداخلية كما سيأتي شرح ذلك فيما بعد.
رسالة ماء العينين لمولاي عبد العزيز
وعندما كانت الجيوش الفرنسية تغزو مناطق توات وكورارة، كان إقليم شنقيط والساقية الحمراء ينعم في الأمن والشعر والموسيقى، بينما كانت القوافل القادمة من تمبكتو ومن الهوكار، تنقل أخبار الاحتلال الفرنسي، مما جعل اهتمام سكان الساقية الحمراء يزداد بهذا الموضوع الخطير.
وهو شعور شعب تعمق في وصفه لولا أن الشيخ ماء العينين خلف لنا وثيقة تصور هذا الشعور، وتضع الحرب الاستعمارية لاحتلال الصحراء الشرقية والغربية في إطارها الحقيقي.
ففي رسالة مؤرخة بفاتح محرم 1318 (1901)، نجد الشيخ ماء العينين يكتب من السمارة إلى السلطان عبد العزيز الرسالة التالية، وهي محفوظة وموجودة عند حفدته:
((وبعد، ليكن في كريم علمكم أن النصارى بلغنا عنهم خبر متواتر أنهم مشتغلون في النهوض إلى أدرار، فلتنظروا حفظكم الله فيما يصلح للمسلمين، لأن النصارى لعنهم الله مشتغلون بشراء الجمال والقرب وغيرها مما يصلح لأسفار الصحاري، والكثير من الناس لا يقول إلا هذه البلاد فهي لمولاي الحسن نصره الله، وما أرسل لنا به مولاي عبد العزيز نفعله وما لا فلا، والله المرجو لنصركم بالتمام)).
ونص هذه الرسالة الوثيقة ورد بالحرف في كتاب “الجأش الربيط” للشيخ محمد بن الشيخ ماء العينين.
ويتجلى النبوغ السياسي عند الشيخ ماء العينين، والحيطة ميزة تكبر مع بعد المسافات، ويخشى سيد المقاومة في شنقيط والصحراء الغربية أن تضيع رسالته إلى السلطان، فيكتب رسالة في سابع محرم 1318 (1901م)، أي بعد مرور أسبوع على الرسالة الأولى، ولعل في هذا التأخير أيضا نوعا من المجاملة والاحترام للسلطان، وتكون رسالته الثانية إلى الوزير الأول ويقول له فيها:
((وبعد، ليكن في كريم علمكم أنه طرأ علينا من الخبر ما لم يتبين لنا إلا وجود إنهائه لكم، وهو أن النصارى لعنهم الله ثبت عندنا أنهم مشتغلون بشراء الجمال والقراب مريدون بذلك النهوض إلى أدرار، وبقي من في البلاد متحيرا، فالبعض يقول: نحن في بيعة مولاي الحسن وابنه مولاي عبد العزيز، والبعض يقول: إن خرجوا إلينا وقدرنا على قتالهم قاتلناهم، وإلا فإنا نهاجر عنهم، والآن اعلموا أنه ليس لأهل هذه البلاد في الحقيقة من الرأي والتدبير إلا ما صدر من جانبكم في الأمر، وليسرع بما هو مفعول قبل خروج النصارى إلى البلاد، فإن اقتضى النظر المولوي أن ترسلوا للنصارى من هنالك في المراسي فيها ونعم، وإن اقتضى النظر أن يرسل لمن هناك من أهل الشوكة والسلاح أنهم يتعرضون لهم ويقاتلوهم فيها ونعم أيضا، وإن كان نظركم غير ذلك فنظركم أوسع، واعلم أن النصارى كثيرا ما تأتيني رسلهم طلبا للعهد معي، وأنا أمتنع لهم من ذلك أي امتناع إلا إذا كان ذلك على أيدي السلطان نصره الله تعالى… إلخ)).
إن الرسالة الثانية للزعيم ماء العينين تكشف الجانب الدبلوماسي والسياسي لهذا القائد الصحراوي الذي كان لا يعيش إلا بلبن الشياه، ولا يتأخر يوما عن حلق شعر رأسه، ولا يلبس إلا الدراعية البيضاء، ولا يظهر للعموم إلا يوم الجمعة في الصلاة، ولكن هذا الزعيم المتصوف الأديب الشاعر كان الساهر على وحدة المغرب وسلامة حدوده الجنوبية.. إن حرصه كان شديدا على وصول البواخر المحملة بالسلاح من طرف الحسن الأول وبعده ابنه عبد العزيز، وهو تقليد لم يكن أحد قادرا على تغييره، لأن الشيخ كان يتنقل بين السمارة وفاس مثلما يتنقل بين قصره وبين مسجد السمارة.
ولم ينقل أي مؤرخ ما دار بينه وبين السلطان عبد العزيز عندما وصل إلى مراكش سنة 1897، حينما بدأ يشعر بضعف موقف السلطان، وعندما خرج من حضرة السلطان، حصل على شحنة من السلاح، ووضع السلطان تحت تصرفه باخرة “البشير” – أكبر باخرة مغربية في ذلك الوقت – لتنقل السلاح إلى طرفاية، ولعل هذا كان هو السر في مجيء الشيخ ماء العينين إلى مراكش.
لقد كان التلاعب مع ماء العينين شيئا من قبيل المستحيل.
ماء العينين في واجهتين
لقد كان التدخل الفرنسي في الأقاليم الموريتانية من اختصاص عالم ضابط فرنسي رضع الحليب الاستعماري والدهاء الفرنسي في حليب أمه، وتخصص في القضايا الصحراوية، وهو كزافيي كابولاني، الذي قال للفرنسيين: ((إنه مادام الكنز يأتي على ظهور الجمال، فلنذهب إلى مصدر الكنوز، بلاد الجمال..)).
لقد كان كابولاني من العظمة بحيث أن ما كتب عنه من مؤلفات جعله من أباطرة الاستعمار، خصوصا وأنه صاحب فكرة “بوعمامة” بالصحراء الشرقية، وقد أراد كابولاني حكم موريتانيا بتقسيم قبائل الترارزة، وهي القبائل التي كان فيها أب الأمير فال ولد عمير رحمه الله، الوزير السابق في حكومة المغرب سنة 1965، هو الممثل الشرعي لنفوذ السلطان، ولكن الأسلوب التي اتخذه كابولاني في الترارزة كان أشبه ما يكون بأسلوب الجنرال سيرفيير في توات، إلا أن كل الكتب المؤلفة عن كابولاني وكل تراجمه تنتهي بالاستنتاج التالي: ((لقد قتل كابولاني على أيدي رجال ماء العينين)).. فهل ماء العينين اسم وهمي أم سراب؟ ولقد تم اغتيال كابولاني في تاكانت سنة 1905 ؟
ولم يكن كابولاني إلا واحدا ممن كان ماء العينين يرى فيهم أعداء الإسلام ومهددي وحدة التراب الوطني المغربي. ويمكن القول أن الشيخ ماء العينين كان حارس الوحدة الترابية المغربية في عهد الحسن الأول وعبد العزيز وعبد الحفيظ، ولكن ماء العينين كان هو لا يتغير، جندي ضد الاستعمار، بل إنه كما سيأتي فيما بعد، لم يكتف بالمعارك التي خاضها في تاكانت، في شنقيط والترازرة وأطار والساقية الحمراء، بل خاض معارك كبرى في تزنيت وتافيلالت والريف والأطلس، حيث أسلم روحه لباريها بعد أن اشتبك في معارك ضارية مع الجنرال موانيي.
بينما تكمن عظمة ماء العينين في أنه ربط الجهاد المغربي في الصحراء باسمه ولم يبق ممكنا التفريق بينهما، خصوصا وأن ماء العينين تبنى معارك أخرى في الصحراء الشرقية وفي جبال الأطلس، فهو في منطقة نفوذه إذن، الرجل الذي قاوم الاحتلال منذ ولادته، في عهد الحسن الأول إلى مرحلة الانتكاسة في عهد السلطان عبد الحفيظ، بينما بقيت مآثر ماء العينين في عهد الاستقلال متجلية في جدران قصبته التي بناها في السمارة، ولازالت قائمة إلى الآن بينما بقي اسمه وبقيت روحه متجسدة في أبنائه وحفدته ممن بقوا على عهد أبيهم وجدهم صامدين.



