تحقيقات أسبوعية

متابعات | “المصالحة” مع الدولة “تجذب” المعتقلين بتهمة التطرف

حوار داخل السجون

تعد المراجعات الفكرية للتيارات السلفية من أهم البرامج التي اعتمدت عليها الدولة في إطار الاستراتيجية الأمنية الضرورية لمكافحة الإرهاب والتطرف العنيف، حيث ارتكزت على إعادة هيكلة المجال الديني من خلال إعادة تنظيم تدبير المساجد، وإصدار الفتاوى التي كانت منتشرة بين التيارات السلفية، والتصدي للمفاهيم المغلوطة حول الإسلام، ومراجعة المناهج التربوية الدينية وبرامجها على صعيد مختلف المستويات التعليمية لتوطيد الاعتدال والوسطية.

 

إعداد: خالد الغازي

تتمة المقال تحت الإعلان

 

    منذ سنة 2007، اعتمدت الدولة على المقاربة الفكرية الدينية كحل استباقي لمواجهة التطرف الديني عوض الاقتصار فقط على المقاربة الأمنية في تفكيك الخلايا والتنظيمات المتشددة، وذلك في إطار برنامج “المصالحة” أو ما يعتبره البعض المراجعات الفكرية السلفية، والذي يستهدف المعتقلين في قضايا التطرف والإرهاب والذين يرغبون في تبديل أفكارهم وتجديد المفاهيم في المجال الديني، حيث بلغ عدد المستفيدين من هذا البرنامج 259 نزيلة ونزيلا، استفاد 61 في المائة منهم من العفو الملكي، بعدما أكدوا حسن نواياهم ورغبتهم في نبذ العنف والتطرف والاندماج في المجتمع.

وقد كان شيوخ التيارات السلفية أول من شاركوا في مبادرة المراجعات الفكرية داخل السجون منذ عدة سنوات، والتي أسفرت عن مصالحة بين الدولة والحركة السلفية وشيوخها، على غرار الكتاني، وأبو حفص، والفيزازي، والخطاب، الذين قرروا تغيير أفكارهم الدينية المتشددة تجاه الدولة، بعدما كانت لهم أفكار متطرفة تدعو إلى الجهاد والعنف، بحيث ساهمت هذه المراجعات في تغيير أفكار المئات من أتباعهم والشباب المغرر بهم، للانخراط في برامج المندوبية العامة لإدارة السجون والرابطة المحمدية للعلماء.

تتمة المقال تحت الإعلان
أحمد العبادي

في هذا الإطار، يؤكد أحمد العبادي، الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء، على أهمية برنامج “مصالحة” الذي تعتمده المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج بتنسيق مع المجلس الوطني لحقوق الإنسان والرابطة وكل الوزارات المرتبطة بالموضوع والنيابة العامة، مبرزا أن البرنامج يتوخى نسج مصالحات لفائدة النزلاء مع الذات، ومع النص الديني، والمجتمع، وكل ما يؤطره من قوانين وحقوق وما ينبغي أن يواكبه من واجبات، وقد تجلى ذلك من خلال شهادات النزلاء الذين عبروا عن امتنانهم لهذه التجربة الفريدة والاقتناع بها.

وقال العبادي، أن برنامج “مصالحة” الذي يستهدف المعتقلين على خلفية قضايا التطرف والإرهاب، يتضمن هندسة بيداغوجية تروم تحقيق مصالحة النزيل مع الذات أولا، ثم مع النص الديني من خلال فهم سليم له عبر المدخل اللازم، ثم المصالحة مع المجتمع ومع كل ما يؤطره من قوانين وما ينبغي أن يواكب ذلك من واجبات، خاصة وأن هذا البرنامج تواكبه وتتخلله جملة من المضامين، العلمية والتقنية المنتقاة بعناية لكي يحصل السجين على التملك والتبصر.

وأضاف نفس المتحدث، أن هذه التجربة مهمة لكونها ساهمت في تحقيق الأهداف المسطرة لها، وتصحيح المفاهيم لدى النزلاء والتي كانت لديهم من قبل، وفتحت أمامهم الباب لإعادة تكوين الذات من خلال تصحيح أفكارهم وفهم القوانين والعديد من الأمور التي تساعدهم على الاندماج في المجتمع بعد مغادرة أسوار السجن، مشيرا إلى أن المغرب ينتج هذه التجارب تحت الرعاية الملكية، والتي تعتبر تجارب ملهمة تتضمن إضافات نوعية، ويمكن تقاسمها مع دول عربية وإسلامية أخرى إذا تقدمت بطلب في ذلك.

تتمة المقال تحت الإعلان

بدوره، أكد مصطفى الرزرازي، أستاذ إدارة الأزمات في جامعة محمد الخامس والباحث في مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد، أن المغرب استجاب للمتطلبات الثلاث الضرورية لمكافحة الإرهاب والتطرف العنيف، الأول يتعلق بتطوير أداء أجهزة الملاحقة الأمنية وتنفيذ القانون، وتطوير الترسانة القانونية المغربية من خلال التعديلات التي تم إدخالها على مدونة القانون الجنائي، والمطلب الثاني، يتعلق بإعادة هيكلة المجال الديني، وتكوين الأئمة والفاعلين الدينيين، وتنظيم تدبير المساجد، وتنظيم العمل الإحساني، ومراقبة إصدار الفتوى، علاوة على التصدي للمفاهيم المغلوطة حول الإسلام وتأويل تشريعاته، أو في ما يخص مراجعة مناهج التربية الدينية وبرامجها في مختلف مستويات التعليم لتكريس قيم التسامح والاعتدال.

وأوضح الرزرازي الذي شارك في تأطير المعتقلين السلفيين، في تحليل نشره بمناسبة اليوم الدولي لمنع التطرف والإرهاب، أن المطلب الثالث يتعلق بالجهود المبذولة في تدبير الإرهاب والتطرف داخل السجون، ثم تدبير العائدين من بؤر التوتر، مبرزا أنه لتحقيق هذا الغرض، تم وضع عدة برامج تأهيلية، يضطلع برنامج “مصالحة” ضمنها بالريادة، مضيفا أن هذا البرنامج، الذي أطفأ نهاية العام الماضي شمعته الخامسة بعد إنجاز عشر دورات منه لفائدة النزاء المتابعين في قضايا الإرهاب والتطرف العنيف، يأتي ضمن الجهود التي يبذلها المغرب، وتقوم بها المندوبية العامة لإدارة السجون مع شركائها، وتتمثل خصوصيته في كونه برنامجا قطاعيا يدخل ضمن الاستراتيجية الوطنية لمكافحة التطرف العنيف والوقاية منه.

مصطفى الرزرازي

وحسب الرزرازي، فإن برنامج “مصالحة” تأسس على مقاربة تكاملية تشمل التكوين في العلوم الشرعية والدينية انطلاقا من منهجية تتأسس على جدلية تفكيك خطاب التطرف والكراهية، ثم إعادة تأهيل النزلاء المشاركين من أجل اكتساب مهارات النقد والاستدلال الشرعيين انطلاقا من العقيدة الأشعرية المالكية الوسطية، إلى جانب تنظيم دورات تكوينية في المجالين الحقوقي والقانوني وحصص تكوينية وتواصلية حول القوانين الدولية والمحلية المنظمة لجرائم الإرهاب، إضافة إلى ذلك، يخصص البرنامج جزء هاما منه للتكوين الخاص بتعزيز المهارات الاقتصادية والاجتماعية للسجناء، من خلال ورشات تكوينية وتأهيلية تهدف إلى تعزيز كفاءاتهم المعرفية والتقنية في تدبير الاندماج السوسيو-اقتصادي، وتنمية خبراتهم في الكسب الشريف من خلال امتلاك مفاتيح التدبير المقاولاتي، علاوة على مصاحبة نفسية متخصصة طيلة فقرات البرنامج، معتبرا أن الجهود المبذولة أعطت نتائج جد مريحة ومطمئنة، مريحة على مستوى مقارنته ببرامج وتجارب دولية أخرى، ومطمئنة من حيث مؤشرات نجاحها، سواء في ما يخص انعدام شبه تام لظاهرة العود، وكذا الاستجابة والإقبال منقطع النظير على مختلف البرامج التأهيلية ومبادرات المصاحبة.

تتمة المقال تحت الإعلان

وتعد المقاربة القانونية مهمة في إطار برنامج “المصالحة” الذي تشرف عليه إدارة السجون بمشاركة المجلس الأعلى للسلطة القضائية ووزارة العدل، وذلك لتمكين النزلاء المعتقلين من العديد من النصوص القانونية المتعلقة بمكافحة الإرهاب، وذلك بهدف التحسيس والتوعية والقطع مع حالات العود، وذلك حتى تكون لهم معرفة بالجوانب القانونية التي قد تساعدهم في حياتهم اليومية وتسهل عليهم الاندماج في المجتمع بدون قيود.

في هذا الصدد، يرى هشام الملاطي، مدير الشؤون الجنائية والعفو، أن المقاربة القانونية جد مهمة في برنامج “مصالحة”، لكونها تساهم في تقريب السجناء من غايات وأهداف القانون 03.03 المتعلق بمكافحة الإرهاب، وفلسفة صياغة مواده، ووظائف القاعدة القانونية وعلاقتها بالقواعد الأخرى، في إطار تأطير السلوك اليومي للمواطنين، مضيفا أنه متفائل من النجاح الذي حققه برنامج “المصالحة” من خلال سلسلة من الدورات المنظمة، وتحقيقه للأهداف المسطرة في الورقة المفاهيمية، مستدلا بغياب حالات العودة من قبل النزلاء المستفيدين، الأمر الذي يعتبر مؤشرا إيجابيا وقويا على نجاح هذا البرنامج الذي يأتي في إطار التوجهات الجديدة للسياسات الجنائية في العالم، والتي تهدف لمكافحة التطرف عن طريق الوقاية.

وقال نفس المتحدث، أن القاعدة الجنائية الردعية لا يمكن أن تحقق النتائج لوحدها، ولابد من استراتيجية لمواجهة الفكر المتطرف والإرهاب من خلال مجموعة من المداخيل، منها الجانب الوقائي الذي يعد مدخلا أساسيا في مواجهة الظاهرة، والجانب التأطيري من حيث تقاسم مجموعة من الأفكار وتبادل النقاش مع مجموعة من المتدخلين، مبرزا أن البرنامج من خلال  الورقة المفاهيمية وما تم تقديمه غير مرتبط بمؤسسة العفو، التي تشتغل وفق مجموعة من الضوابط القانونية باستقلالية، لكن منهم من يتقدم بطلبات العفو التي تدرج وتعالج وفق الضوابط الجاري بها العمل في تدبير المؤسسة.

تتمة المقال تحت الإعلان

من جهته، اعتبر عبد الرزاق روان، خبير حقوقي، أن تجربة “المصالحة” مع النزلاء المحكومين في قضايا الإرهاب والتطرف، مفيدة بالنسبة لهم، لأنها تحقق لهم المصالحة مع ذواتهم ومجتمعهم والدين الإسلامي، وبالتالي، فهي مبادرة مهمة تمكن الأشخاص المعنيين بها من إعادة النظر في أفكارهم المتطرفة وأسلوب حياتهم السابق، والاندماج مجددا كمواطنين صالحين في مجتمعهم، مبرزا أنه اشتغل معهم على الجانب الحقوقي الذي يمكنهم من معرفة تأصيل حقوق الإنسان في الدين الإسلامي، ويزودهم بالعديد من المعارف حول المنظومة القانونية والحقوقية والمؤسسات الوطنية المعنية بحقوق الإنسان.

وأوضح نفس الخبير الحقوقي، أن هذا البرنامج متكامل يشمل الجانب الديني والقانوني والحقوقي، وحتى الاقتصادي والثقافي، وذلك لتمكين النزلاء من اكتساب معارف ومعلومات تؤهلهم مستقبلا للاندماج اجتماعيا، وتلقنهم معارف سليمة حول مكانة حقوق الإنسان في الإسلام أولا، لكي يقتنعوا بأن هناك مشتركا بين الإنسانية ككل، وأن ما جاءت به المنظومة الدولية لحقوق الإنسان في معظمه يتلاءم مع المبادئ والأسس التي جاء بها الإسلام، وبالتالي، يمكنهم من الانفتاح على ثقافات أخرى، والحفاظ على هويتهم ودينهم والبحث عن المشترك داخل المنظومة الكونية لحقوق الإنسان.

وعبر العديد من النزلاء المستفيدين من الدورة الحادية عشر من برنامج “المصالحة”، عن سعادتهم بالمشاركة والاستفادة من دروس وحصص مكنتهم من مراجعة أفكارهم المتطرفة، والتي كانت تجعلهم يرفضون الانخراط في المجتمع وخلقت لهم مشاكل في الوسط العائلي والاجتماعي، بعدما تأثروا بأفكار بعض شيوخ السلفية المتشددين عبر الأنترنيت.

تتمة المقال تحت الإعلان

يونس واحد من المستفيدين من برنامج “مصالحة”، قال: “استفدت شخصيا من مجموعة من الأمور في المجال الديني والحقوقي، وصرت أعرف مجموعة من الاتفاقيات الدولية، وصححت العديد من المفاهيم الخاطئة التي كانت لدينا، واستفدنا من مجموعة من المجالات والدروس القيمة، والأنشطة المعرفية والثقافية، خصوصا في مجال الدين والقانون والحقوق، مما مكن النزلاء من تغيير مجموعة من الأفكار التي كانت من قبل والتي تخلوا عنها بشكل نهائي، لهذا، فرسالتي واضحة للشباب المعتقلين أن يشاركوا في هذه المصالحة التي تعود عليهم بالخير الكثير”.

محمد، مستفيد هو الآخر من نفس البرنامج، صرح بأن “الإنسان يكون في طريق خاطئ بسبب سوء فهمه للدين، ويتم استغلاله من الناحية العاطفية واستقطابه عبر الصور والفيديوهات المتداولة عبر الأنترنيت، فأي شخص ممكن أن يغلط، لأن الإنسان ليس معصوما من الخطأ، والبرنامج يجدد أفكار النزيل ويصحح له المفاهيم، وتسهر عليه الإدارة والدولة، لهذا، ننصح السجناء بالانخراط في هذه البرامج الهادفة والتي تعطي معلومات صحيحة وتعيده للطريق الصواب”، أما عبد الله، فقال أنه “برنامج متميز وناجح بكل المقاييس، لهذا، أود شكر الأطر والأساتذة على توجيهنا وإسداء النصح لنا، ورفع الجهل عنا بكل صدق وأمانة ومسؤولية.. الأوقات التي قضيناها أثناء الدروس القيمة، هي أمتع لحظات العمر، وهي فرصة مناسبة للقاء أهل العلم والتجربة والخبرة في الحياة.. تعلمنا أشياء كثيرة غيرت لدينا الكثير من المفاهيم، وتعلمنا في المجالات الدينية والحقوقية والقانونية والاقتصادية، وفي تنمية الذات وكيفية تطويرها، وتحصين النزيل في المستقبل دينيا وقانونيا واجتماعيا، لنبذ كل أشكال العنف والغلو، وتبرأنا من كل التنظيمات والجماعات الإرهابية التي تغتنم الفرص وتمارس أفعالها باسم الدين والجهاد والقتال، والدين براء منها”.

أما سمية، نزيلة، فقد اعتبرت أن برنامج “مصالحة” كان متميزا من جميع النواحي ومتكاملا على مستوى المحاور الدينية والحقوقية والقانونية، حيث مكنها من تغيير معظم المفاهيم المغلوطة سابقا، والأفكار المتطرفة التي جعلتها غريبة عن محيطها العائلي، ولكن بفضل مشاركتها في البرنامج واستفادتها من الحصص التوعوية والدروس، تمكنت من مراجعة أفكارها المتشددة والتخلي عنها.

تتمة المقال تحت الإعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى