المنبر الحر

المنبر الحر | الإسلام عبادات شعائرية وعبادات تعاملية

بقلم: ذ. الحسن العبد

    الإسلام بطبيعة الحال ليس موقوفا على العبادات فحسب، وإنما خلقنا الله لتعمير الأرض، وإن كانت العبادات في جوهرها معاملات، فالصلاة جماعة، كما يقول علماؤنا الأجلاء، لإذكاء روح الترابط والتواصل بين المسلمين، والصيام إحساس بجوع الفقراء والمساكين، وليس للتبذير عند الإفطار والاستمتاع بكل ما لذ وطاب، والزكاة مشاركة في الأموال بين الناس، بين الغني والفقير، والحج تجمع سنوي للمسلمين من مختلف أصقاع العالم.

وفي هذا المضمار، يقول الباحث الإسلامي أسامة يوسف: “في الماضي.. ومع نشأة علوم الفقه، قسم المجتهدون أحكام الإسلام إلى قسمين: عبادات ومعاملات، مع أن ما يقوم به المؤمن من صلاة ونسك ومحيا وممات كله عبادة لله من ناحية المفهوم الشامل والواسع للعبادة، لكن هذا التقسيم فرّق بين العبادات المحضة التي لا مجال لإعمال العقل في فهم تفاصيل أحكامها، وبين المعاملات مدرَكة المعنى والعلة من حيث الأصل والتفصيل”، ويسترسل هذا الباحث في القول، مبينا هذه الأحكام بدقة في التعبير: “ففقه العبادات يشمل الأحكام العملية التي تنظم علاقة العبد المكلف بالله، مثل: الطهارة والصلاة والزكاة والصوم وغيرها، أما فقه المعاملات، فيتضمن جملة من الأحكام الشرعية العملية التي تنظم علاقة المكلف بغيره، كالأحكام المدنية، وفقه الأسرة، والمرافعات، والحدود، والعلاقات بين الحاكم والمحكوم، والعلاقات الدولية، والأحكام الاقتصادية، والعقود، وغيرها من المواضيع والأحكام الفرعية المتعددة”.

الإسلام دين الأخلاق والمعاملات إلى جانب كل العبادات، فكلما تمعنا في الآيات القرآنية والأحاديث النبوية إلا ونجد أن العبادات والشعائر الدينية دائما تردفها المعاملات، يقول عز وجل في كتابه الكريم: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)) (سورة الحج، آية: 77)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أتدرون ما المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، يأتي وقد شتم هذا وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أُخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار)).. هذا الحديث يدحض كل اعتقاد خاطئ حول الإسلام على أنه دين يرتكز فقط على العبادات دون مراعاة لجانب المعاملات والأخلاق، فهذه الأخيرة تعتبر شرطا أساسيا من أجل قبول الله عبادات عبده.

فالإسلام دين سلوك ومعاملات، لا تستقيم شعائر المتعبد إلا بحسن أخلاقه وطيب معاملته، بل إن الرسول جعلها من شروط كمال الإيمان كما جاء في حديثه الكريم: ((مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ))، وفي هذا الإطار، يعتبر علماء الدين أن جل العبادات التي جاء بها الدين الإسلامي تحمل في مضمونها مجموعة من القيم والمبادئ التي يجب على المسلم أن يترجمها إلى سلوكيات ومعاملات في حياته اليومية، ويتمثل ذلك في: الصلاة: ((اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ)) (سورة العنكبوت، آية: 45)، وفي الزكاة: ((وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)) (سورة النور، آية 56)، وفي الصيام: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)) (سورة البقرة الآية: 183).

الإسلام عبادة ومعاملة، والعبادات والمعاملات الإسلامية طريقان لهدف واحد، ألا وهو تحقيق شرع الله، كما يقول العلماء، وتنفيذه في خلقه كما أمر به عز وجل، وذلك بالخضوع له في تنفيذ كل ما أمر به والانتهاء عن كل ما نهى عنه، وهذا هو مفهوم العبادة بمعناه العام حسبما ورد في قوله تعالى: ((وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)) (سورة الذاريات، آية: 56)، ويقول الشيخ الغزالي رحمه الله: “العبادات التي شرعت في الإسلام واعتبرت أركانا في الإيمان به ليست طقوسا مبهمة وحركات لا معنى لها، كلا فالفرائض التي ألزم الإسلام بها كل منتسب إليه، هي تمارين متكررة لتعويد المرء على أن يحيا بأخلاق صحيحة، وأن يظل مستمسكا بهذه الأخلاق مهما تغيرت أمامه الظروف”.

فمن خلال كل ما سبق، يتضح جليا بأن الدين الإسلامي دين عبادة بأدب وعلم، وعمل بهذا العلم، ودعوة إليه مع حسن المعاملة.

إن مفهوم العبادة في الإسلام يجمع بين الشقين: “العبادات الشعائرية”، كالصلاة والزكاة والصيام والحج وقراءة القرآن وذكر الرحمن وغيرها، وهي مع الله بالدرجة الأولى، وبين “العبادات التعاملية”، التي هي باختصار شديد، أخلاقيات التعامل مع عباد الله بشتى أنواعهم وعقائدهم، كالصدق والعدل والأمانة والنصح والرحمة والعفو والإنصاف والإحسان، وغيرها، ولا يتم دين العبد العابد إلا بهما، ولا ينجو إلا بالجمع بينهما، فالإيمان بالله كعبادة مقرون بالعمل كعبادة، وهما معا شرطان لتحقيق وعد الله بتعمير الأرض والتمكين فيها للعابد العالم العامل، لتسعد البشرية بعبادة علمية عملية: ((وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)) (سورة النور، الآية: 55).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى