المنبر الحر

المنبر الحر | قراءة في كتاب “الفرار من الرابوني إلى الخميسات”

تجربة مريرة في سجون العار..

بقلم: بنعيسى يوسفي

    يحكي كتاب “الفرار من الرابوني إلى الخميسات” والصادر سنة 2020 لصاحبه محمد بايشيت، الباحث في التراث الأمازيغي والتاريخ المغربي، عن معاناة حقيقية لمجموعة من الجنود المغاربة الذين سقطوا في أيدي قوات البوليساريو، ذات ليلة ظلماء من سنة 1976، إبان حرب “أمغالا”، التي تكبد فيها المغرب والبوليساريو على حد سواء خسائر فادحة في الأرواح والعتاد، وكيف عاشت هذه المجموعة ظروف الاعتقال بسجن “حبس الريح” الذي يعتبر واحدا من أبشع سجون العراء الموجود قرب تندوف، لمدة تناهز العشر سنوات، ذاقت فيها كل أنواع التعذيب والتنكيل الجسدي والنفسي حتى أمسوا أشباه أجساد بشرية ينخرها المرض والهزال، لكن إصرار ثلاثة منهم على الانعتاق والهروب مهما كلف ذلك من ثمن، جعلها تبقى حية، لتروي للأجيال الحالية والقادمة فصلا من فصول التاريخ المغربي المعاصر، وعن التضحيات الجسام التي قدمها بعض أبنائه المخلصين تجاه وطنهم في سبيل الذود عنه وحمايته من أي عدوان كيفما كان نوعه، وفي نفس الوقت لتميط اللثام عن المعاناة والمآسي التي عاشوها في سجون الرعب في الرابوني حينما شاء القدر أن يحلوا ضيوفا من نوع خاص عليه في سياق تاريخي دقيق عاشه المغرب في نهاية الثمانينات، حيث كانت آلة انتزاع الصحراء المغربية من المغرب وتقديمها على طبق من ذهب لكيان انفصالي، كان يعيش على أوهام ويوثوبيات الحرب الباردة التي وصلت ذروتها في ذلك الإبان، تشتغل دون كلل مستفيدة من دعم إقليمي، وخاصة من الجزائر وليبيا وجهات أخرى، وليعرف الجميع من جهة أخرى، وطنيا ودوليا، أن الكيان الوهمي المجرد من الإنسانية في تعامله مع المعتقلين لديه، لا يمكن البتة أن يرقى لمستوى البشر، فهو يشتغل بمنطق العصابات، وبلغة العنف والاضطهاد وانتهاك الحرمات، وعدم احترام أدنى شروط الآدمية والإنسانية في تعاملها مع أسرى الحرب الذين من المفروض أن يتمتعوا بحقوق معينة تفرضها القوانين الحربية المعروفة عالميا، ففي الأعراف الحربية لا بد للأسير أن يتمتع بحقوق معينة، لكن يبدو أن البوليساريو ومن يحركها، يضربون بعرض الحائط كل القوانين والحقوق، وليس هذا وحسب، بل إنهم يعتبرون سقوط هؤلاء الأسرى بين أيديهم فرصة لا بد من استغلالها في إذلالهم وامتهانهم ومحاولة انتزاع ما يشفي غليلهم من الاعترافات والمعلومات تحت الضغط وتحت السياط حول المغرب، وجعلهم يسبون ثوابت الأمة، في سادية عز نظيرها كما يحكي الكتاب.

فخيرا فعل محمد بايشت حين طاوعته نفسه دخول مغامرة الكتابة التاريخية من باب الحكاية على لسان شاهد ومعاصر للأحداث وهو عقان حمادي، ابن مدينة الخميسات، من الألف إلى الياء، ويمكن تقسيم الكتاب إلى خمسة أحداث رئيسية: الأول يتحدث عن مداهمة العدو للجنود المغاربة ليلا وظروف أسرهم واعتقالهم، والثاني: الحياة في معتقل “حبس الريح” ومقاومة الموت بكل الوسائل، والثالث: التفكير في الهروب مهما كلف ذلك من ثمن، والحدث الرابع: التيه في الصحراء وقلة الزاد، ثم الحدث الخامس: الوصول إلى الحدود المغربية وحفاوة الاستقبال في الوطن الأم.

تتمة المقال تحت الإعلان

ولا يمكن لحمادي أن ينسى تلك الليلة الاستثنائية في حياته من صيف قائض من سنة 1976، حينما وجد نفسه هو ومجموعته وجها لوجه أمام جنود من البوليساريو في مواجهة دامية تميزت بطابع المباغثة، وانتهت باستسلام بعض الجنود المغاربة، الذين تم أسرهم ونقلهم على متن حافلات عسكرية في أوضاع حاطة من الكرامة الإنسانية على طول الرحلة التي استغرقت أكثر من يومين وهم مكبلو الأيدي والأرجل لا يسمعون حسيسا إلا من أصناف السباب والشتم والتبول عليهم، إلى أن رمي بهم في خيمة في العراء، وبعد مدة ليست بالطويلة، علمت المجموعة بمصيرها المحتوم واكتشفت أنها في الرابوني، وعرفت مجموعة حمادي ما ينتظرها في هذا السجن البئيس، وما تخبئه لهم الأقدار في امتحان عسير لم يكن يخطر على بال أحد منهم على الإطلاق، وهكذا بعد ليال معدودات من المبيت في العراء دون أغطية ولا طعام ولا شراب إلا من فتات لا يغني ولا يسمن من جوع وفي جو ملتهب وحار، وهم يرسفون في الأغلال، وبقيت الأمور على هذه الشاكلة مدة طويلة إلى أن وقعت بعض الانفراجات الخفيفة على وضعيتهم نتيجة بعض الزيارات المتكررة لبعض الجهات الأجنبية من فرنسا وغيرها، وبعض المنظمات كالهلال الأحمر، لكن في العمق كل ذلك لم ينعكس إيجابيا على المجموعة التي تصارع الذل والهوان من جهة والموت المحقق الذي يطاردهم في كل لحظة وحين من جهة أخرى وهم غارقين في الأوساخ والقاذورات والفضلات في مشهد تقشعر له الأبدان، حيث لم يكن يسمح للمجموعة الاختلاء لقضاء حاجتهم، لكن كل ذلك كما يقول حمادي، لم يزدهم إلا إصرارا على الصمود والتحدي إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا، ومع توالي السنين والاستئناس بالوضع ولو على مضض، ووقوع بعض التغييرات على مستوى تدبير شؤون البوليساريو وتغيير الحراس بين الفينة والأخرى والتحاق الفقيه “التازي” بتدريس أبناء المخيمات وتحسينات طفيفة على مستوى التغذية وعدم الصرامة في زجر أعضاء المجموعة أثناء تبادلها أطراف الحديث، كل هذه المعطيات ساعدت في تفتق فكرة الهروب من المعتقل في ذهن حمادي في البداية، ثم عمم الفكرة على زملائه في المعتقل الذين انشطروا بين مؤيد لها ومعارض، وفي النهاية انتصرت رغبة الهروب التي أيدها إثنان آخران وهما “الملالي” و”التازي”، وعلى الرغم من علمهم المسبق بصعوبة المهمة وما قد يعترض سبيلهم في هذه المغامرة من مخاطر، إلا أنهم عقدوا العزم على الهروب،

فأطلقوا سيقانهم للريح رغم الإنهاك والتعب، ومن هنا بدأت المعاناة الحقيقية.. كيف يمكن عبور صحراء مترامية الأطراف دون بوصلة ودون معرفة الاتجاه المؤدي إلى المغرب والزاد قليل؟ ولكم أن تتصوروا كيف يمكن أن يقضي هؤلاء أزيد من ستين يوما تائهين في الصحراء بلا معين إلا بالأدعية والصبر والصلاة، وهم حفاة مرتدين أسمالا مهترئة ملطخة بالبول والغائط بالكاد تستر عوراتهم، مرة يستبد بهم الخوف من هذا الفضاء البهيمي الموحش والخالي من البشر والحيوان، ومرة تغمرهم شجاعة الأبطال ويثابرون في قطع المسافات تلو المسافات والزاد آخذ في النفاذ، وبعد جهد جهيد ومكابدة، بدأت بوادر الأمل تلوح في الأفق بعدما ظلوا الطريق ووجدوا أنفسهم ضيوفا على رعاة رحل في صحراء موريتانيا، فأكرموهم ودلوهم على طريق الحدود المغربية، وهكذا كان بعد مصارعة الكتبان الرملية ليل نهار لمدة ليست باليسيرة، حيث وجدوا أنفسهم قاب قوسين أو أدنى من الحدود المغربية، حيث كانت هناك مروحية للدرك الملكي تمشط المكان، فإذا بهم يلوحون لها بالأيدي، فاستجابت المروحية لهم وأخذتهم إلى أقرب ثكنة عسكرية مغربية. 

تتمة المقال تحت الإعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى