روبورتاج

ربورتاج | كواليس “إعدام” مقهى الفن السابع بالرباط

فوجئ الزوار والسياح الوافدون على العاصمة الرباط، مؤخرا، بإغلاق فضاء مقهى الفن السابع، التي تقع بشارع علال بن عبد الله، وتعد ملتقى ثقافيا وفنيا مشهورا على الصعيد الوطني، وكثيرا ما احتضن هذا الفضاء مهرجانات سينمائية، وملتقيات ثقافية وأدبية، زارها العديد من المشاهير والفنانين من مختلف دول العالم.

في أواخر تسعينيات القرن الماضي، قرر فؤاد الكماني، العودة للمغرب تلبية لنداء الملك الراحل الحسن الثاني، الذي دعا الشباب المغاربة المقيمين في الولايات المتحدة الأمريكية، إلى العودة للمملكة والاستثمار فيها والمساهمة في تنمية الاقتصاد الوطني، حيث قرر فؤاد، المهاجر المغربي، الرجوع للمغرب والاستثمار في مقهى الفن السابع سنة 1997 تلبية للدعوة الملكية، وفتح مقاولة لتشغيل أبناء الوطن.

ويستغل المهاجر المغربي السابق مقهى الفن السابع بموجب عقد يربطه مع مؤسسة الأعمال التجارية للمركز السينمائي المغربي، بموجب سومة كرائية محددة في 35 ألف درهم للشهر، بحيث منذ إشرافه على تسيير المقهى، تحول إلى فضاء ثقافي وأدبي يجمع المثقفين والممثلين والأدباء وسط العاصمة الرباط، بعدما قام بإصلاحه وترميمه حتى تحول إلى شبه حديقة تستقطب السياح وزوار العاصمة الرباط، كما احتضن الفضاء العديد من الأمسيات والمهرجانات والملتقيات الثقافية التي تنظمها وزارة الثقافة والجماعة الحضرية للرباط.

 

ربورتاج. خالد الغازي

 

قرار تعسفي

    يقول صاحب المقهى في شكايته الموجهة للقضاء، أنه “في يوم 15 أكتوبر، أصدر ممثل السلطات (الباشا) بعمالة الرباط، أمرا شفويا لصاحب المقهى بإغلاق المحل بناء على قرار غير معلل، الشيء الذي استجاب له صاحب المقهى في انتظار توصله بقرار مكتوب معلل ومبرر في الموضوع”، مضيفا أنه “بعد مرور 6 أيام، وبسبب عدم توصله بأي قرار كتابي يبرر سبب الإغلاق، قرر فتح المقهى واستئناف العمل، لكن تجددت نفس الممارسة دون سند قانوني”.

وأوضح أن باشا المنطقة الإدارية الثانية بحسان، أصدر قرارا جديدا كتابيا يوم 27 أكتوبر، تحدث فيه عن وجود مخالفة في مجال التعمير والبناء داخل مقهى الفن السابع، المتواجدة بشارع علال بن عبد الله، جاء فيه: “إن صاحب المقهى قام بمخالفة خطيرة متمثلة في تشييد بناء على مساحته 70 متر مربع بدون الحصول على ترخيص أو تصميم مرخص”، بينما يقول صاحب المقهى، أن “البناء المشيد في فضاء الفن السابع، كان موجودا في الفضاء منذ سنة 1997، وأن القرارات التي اتخذها ممثل السلطة، غير مبررة ولا تستند على وقائع صحيحة”، وذلك بهدف الضغط عليه والتضييق عليه لإجباره على التخلي عن المحل التجاري الذي استثمر فيه أمواله منذ 25 سنة.

سيناريو مكرر

    ليست المرة الأولى التي يتعرض فيها صاحب مقهى الفن السابع لمحاولة الإفراغ من محله التجاري بعيدا عن المساطر القضائية والقانونية، حيث سبق أن تعرض لنفس الموقف والقرار من قبل السلطات المحلية بالرباط بتاريخ 29 نونبر 2011، لكن القضاء الإداري أنصفه وأصدر حكما في نفس القضية تحت الرقم 501/2011، بإلغاء قرار الهدم، وذلك بعدما تأكد للمحكمة أن قرار الهدم بني على سبب غير قائم وفق الخبرة القضائية المنجزة.

ويؤكد صاحب المقهى، أن الإصلاحات الموجودة في المقهى تعود لسنة 2007، وذلك بناء على رخصة حصل عليها من المجلس البلدي عدد 1161، بتاريخ 11 نونبر 2007، سمحت له بالقيام ببعض الإصلاحات، ولم يقم بأي إصلاح منذ تلك الفترة، لكون البناء المشيد في الفضاء يوجد منذ التسعينيات، حسب العديد من الشهود، إذ تقدر قيمة الصل التجاري أزيد من 4 ملايير سنتيم.

هدم خارج القانون

    وحسب المشتكي، فقد لجأ ممثل السلطة (الباشا) إلى القيام بشرع يده في خرق سافر للقانون ودون احترام للمساطر القضائية والقانونية، واحترام حقوق المواطنين، بحيث عمد على الساعة الخامسة صباحا من يوم الإثنين الماضي، إلى اصطحاب جرافة ومجموعة من الآلات للقيام بعملية الهدم وتخريب سور المقهى المقابل لمبنى بنك المغرب، دون سلك المساطر القانونية والحصول على الرخصة التي يفرضها القانون، حيث أن قرار الهدم الذي قام به الباشا لا يتعلق بالسور الذي تم هدمه وتخريبه خارج أوقات العمل أمام شهود عيان.

واعتبر المصدر أن ما قامت به السلطات، خلق استياء لدى أصدقاء صاحب المشروع في أمريكا، الذين عبروا عن استنكارهم لتعامل السلطات ورجال وزارة الداخلية مع المستثمرين والتضييق عليهم، مما يجعل العديد منهم يرفض الاستثمار بالمغرب، بسبب سلوك الإدارة الذي يتنافى مع التعليمات وخطابات الملك محمد السادس، التي يحث فيها على تسهيل مساطر الاستثمار والإجراءات أمام مغاربة العالم للاستثمار في المملكة.

قرارات متناقضة

    كشفت بعض المصادر، أن “باشا منطقة حسان حضر للمقهى ومارس الشطط في استعمال السلطة ضد المستخدمين وزبناء المقهى، ودعا إلى إغلاق المقهى دون أن يقدم أي قرار مكتوب يوضح المخالفة وأسباب هذا القرار، وأن صاحب المقهى عندما سأله عن القرار أو السبب، أجابه: نحن السلطة نقرر ما نريد ويجب إخلاء المقهى من الزبناء”.

وأضافت المصادر، أن صاحب مقهى الفن السابع منذ بداية الجائحة، قام بتطبيق الشروط الاحترازية والتباعد بين الطاولات داخل الفضاء، ولم تسجل أي إصابات بين المستخدمين، معتبرة أن القرارات التي اتخذها ممثل السلطة تتضمن خروقات قانونية والشطط في استعمال السلطة، لأنه لجأ إلى إصدار قرارات بعيدا عن المساطر القانونية والقضائية، في محاولة لفرض الأمر الواقع في ضرب سافر للتعليمات الملكية التي تنص على دعم الاستثمار والمقاولات خلال فترة الجائحة واحترام القانون.

وتساءلت المصادر عن سبب استهداف مقهى الفن السابع، حيث قام ممثل السلطة بإصدار قرارات متناقضة وغير مفهومة، منها قرار قدمه للمحكمة الإدارية بعد رفع المتضرر دعوى قضائية، يتضمن عقوبة إغلاق لمدة 30 يوما ليس فيه أي طابع أو عدد، ولم يتوصل به صاحب المقهى، ثم قرار يتعلق بمخالفة التعمير، وقرار شفوي بالإغلاق لمدة 6 أيام، معتبرة أن هذه القرارات غامضة ولا تستند لأي منطق قانوني.

فعاليات ترفض إزالة الفضاء

    العديد من المقاهي العريقة التي تحمل ذكريات العاصمة الرباط، تم إعدامها، مثل مقهى “باليما” الشهيرة التي شكلت فضاء ومتنفسا للسياسيين والمثقفين والأسر والمتواجدة أمام مقر البرلمان، إلى جانب مقهى “جور إي نوي”، التي بدورها كانت مقهى شهيرة وسط المدينة، ومقهى قصبة الوداية، التي كانت تتميز بالطابع التقليدي، ليأتي الدور على مقهى الفن السابع العريقة.

انتقدت الناشطة السياسية والفاعلة الجمعوية، غيثة حاتمي، الإجهاز على مقهى الفن السابع، وكتبت: “تم تشويه مقهى الوداية بحجة إعادة ترميمها! واليوم يتم المساس بمقهى الفن السابع التي تعتبر من أبهى المقاهي وسط المدينة، لماذا تضييع الأموال الطائلة في التغيير السلبي لأماكن تعتبر ذاكرة مدينة الرباط؟”.

بدوره، تساءل المستشار الجماعي بالرباط، عمر الحياني، عن سبب هذا الإصرار في تشويه معالم مركز مدينة الرباط، وعمن يعطي الأوامر، ومع من يتحاسبون، وعن سبب صمت الأغلبية الساحقة من المنتخبين (السابقين والحاليين)، وعن المستفيد من هذه التشويهات؟.

فعاليات أخرى ثقافية وفنية، استغربوا لقرار السلطات الإجهاز على مقهى الفن السابع، الذي يعد رمزا ثقافيا ومسرحا شهد العديد من اللقاءات والمنتديات الفكرية والأدبية والسينمائية، داعية السلطات إلى إعادة النظر في الموضوع والحفاظ على معالم العاصمة الثقافية.

وسبق أن خلق فضاء الفن السابع ضجة كبيرة في مجلس مدينة الرباط سنة 2011، بعدما أعلن العمدة السابق فتح الله ولعلو، عن مشروع بحوالي 55 مليون درهم، لبناء مقر جديد للجماعة مكان المقهى، في خطوة قوبلت باستنكار شديد واتهامات بهدر المال العام وتشريد العاملين في المقهى، مما دفعه لإلغاء القرار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى