متابعات

متابعات | معضلة الأحزاب المغربية بين ملايير الدعم و”موالين الشكارة”

قررت الحكومة تخصيص ميزانية مهمة لتمويل الحملات الانتخابية للأحزاب السياسية من المالية العمومية، كما تفعل خلال كل محطة انتخابية، رغم أن العديد من المواطنين يعتبرون أن هذا التمويل غير مقبول، لكون الأحزاب تعتمد على الأعيان وأصحاب “الشكارة”، الذين لا يحتاجون لأموال الأحزاب للقيام بحملاتهم، لكن الأحزاب تعتبر الانتخابات فرصة لزيادة المداخيل المالية وتنويع المصادر، سواء من خلال الدعم الذي تقدمه وزارة الداخلية، أو من مساهمات الأعيان وكبار المنتخبين في تمويل الحزب.

وتعد الاستحقاقات المقبلة، فرصة مواتية لبعض الأحزاب لجني الملايين من التزكيات الانتخابية، أو من الممولين المتعاطفين مع الحزب، الشيء الذي يجعل الهاجس المالي يسبق السباق الانتخابي، حيث أن الموارد المالية بالنسبة لقيادات الأحزاب مهمة لأجل تغطية غالبية الدوائر والتواجد في كل المناطق والأقاليم، بهدف الخروج بحصيلة مهمة من النتائج أو تحقيق مقاعد تحفظ ماء الوجه أو تسمح بدخول اللعبة.

تتمة المقال بعد الإعلان

فالأحزاب الكبيرة تظل هي المستفيدة الأولى من المالية العمومية التي تخصصها الحكومة مقارنة مع الأحزاب الصغيرة التي تظل إمكانياتها المادية محدودة، مقارنة من الإمكانيات المتنوعة التي تتوفر عليها الأحزاب الكبرى، والتي تحصل على مساهمات من قبل البرلمانيين ومن قبل رجال الأعمال المنتمين للحزب.. فهل تستحق الأحزاب الدعم العمومي للمشاركة في الانتخابات؟

إعداد: خالد الغازي

تتمة المقال بعد الإعلان

هبة 36 مليارا

    قدمت الحكومة ميزانية مهمة لتمويل الحملات الانتخابية البرلمانية والجماعية، بحوالي 36 مليار سنتيم لتمويل هذه المحطة، موزعة على ثلاث استحقاقات انتخابية: الجماعية والجهوية، ومجلسي النواب والمستشارين.

وكشف قرار الحكومة، أن المساهمات المخصصة للانتخابات البرلمانية لمجلس النواب هي 160 مليون درهم (16 مليار)، أما الميزانية المخصصة لتمويل انتخابات مجلس المستشارين، فتصل إلى 20 مليون درهم، منها 12 مليونا للأحزاب و8 ملايين للنقابات، بينما خصص القرار 180 مليون درهم للانتخابات الجماعية والجهوية (مليار و800 مليون).

وتحصل الأحزاب الثمانية الكبرى على نسبة مهمة من ميزانية الدعم العمومية، مقارنة مع الأحزاب المتوسطة والصغيرة، وذلك حسب مجموع الأصوات المحصل عليها في الانتخابات التشريعية والجماعية، بالإضافة إلى معيار الأنشطة الحزبية والتظاهرات المتعلقة بالنساء والشباب وبتأطير المواطنين، والدورات التكوينية واللقاءات الجهوية، لكن بالمقابل، تظل الأحزاب الصغيرة والمتوسطة تعاني من إكراهات مالية، لأن الدعم المقدم إليها لا يساعدها على فتح فروع ومكاتب وتغطية الدوائر الانتخابية.

وحسب مصادر مطلعة، فإن الأحزاب الأولى في الانتخابات ستحصل على دعم يتراوح ما بين 10 ملايين درهم إلى 20 مليون درهم، أما الأحزاب المتوسطة فتحصل على 3 إلى 6 ملايين درهم، فيما تحصل بقية الأحزاب الصغيرة على أقل من مليون درهم لتمويل الحملات، ودعم المترشحين، لكن هذا الدعم سيكون مقسما على دفعتين، وذلك حتى تظهر نتائج الأحزاب في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.

 

انعدام الشفافية

    كشف تقرير المجلس الأعلى للحسابات خلال السنة الماضية، عن عدة ملاحظات، واختلالات في الحسابات المالية للأحزاب، وطريقة صرف أموال الدعم العمومي، مبرزا أن أحزابا سياسية لم تقم بإرجاع مبالغ الدعم إلى الخزينة والتي قدرها 13 مليون درهم، تتعلق بالدعم الممنوح لها في إطار الاستحقاقات الانتخابية السابقة، أو المتعلقة بالدعم السنوي لسنتي 2017 و2019، حيث أن هذه المبالغ تتوزع بين الدعم غير المستحق، منها الأموال التي حصل عليها الحزب من مساهمة الدولة لتمويل الحملات الانتخابية، والمبالغ العائدة وفق النتائج المحصل عليها في الاستحقاق الانتخابي.

وكشف التقرير أن أحزابا بارزة لم تقم بتنزيل مبالغ الدعم الواجب إرجاعها للخزينة العامة على مستوى الموازنة (حزب الاستقلال، جبهة القوى الديمقراطية، حزب الأحرار، حزب الحركة الديمقراطية الاجتماعية، حزب النهضة والفضيلة، حزب الحرية والعدالة…)، مشيرا إلى أن أحزابا أخرى لم تقدم كافة المعطيات المحاسبية المدلى بها للمجلس، رغم أنها قامت بأداء عدة نفقات مالية نقدا.

وسبق للمجلس أن كشف عن وجود اختلالات مالية في تقرير الحسابات السنوية للأحزاب برسم سنة 2019، ومصاريف الأحزاب وصلت 15 مليار سنتيم، تضمنت عدة ملاحظات، مشيرا إلى أن بعض الأحزاب لم تقم بإرجاع مبالغ الدعم التي قدرها مليار و300 مليون، مرتبطة بالدعم الممنوح برسم الانتخابات السابقة والدعم السنوي لسنتي 2017 و2019.

وأوصى المجلس الأعلى الأحزاب، بإرجاع المبالغ غير المستحقة من الدعم الممنوح لها، والمتعلقة بالاستحقاقات الانتخابية السابقة، داعيا السلطات الحكومية المختصة إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة في حق الأحزاب التي لم تقم بالإجراء القانوني، وحصر أصناف النفقات التي يمكن تمويلها بواسطة الدعم العمومي الممنوح للأحزاب للمساهمة في تغطية مصاريف تنظيم مؤتمراتها الوطنية العادية.

المتبرعون و”أصحاب الشكارة”

    يفتح القانون التنظيمي أمام الأحزاب السياسية توسيع مواردها المالية، من الانخراط والهبات، والتبرعات النقدية أو العينية، حيث يسمح هذا القانون لأصحاب “الشكارة” والأعيان بتمويل حزبهم بالأموال، مما يجعل الأحزاب التقليدية تتوفر على موارد مالية مهمة، بفضل الأعيان ورجال الأعمال الذين تعمل على ضمهم في مختلف الجهات والأقاليم.

في هذا السياق، يقول سعيد بوفريوى، المحلل السياسي وأستاذ التعليم العالي بجامعة القاضي عياض بمراكش، أن أي ديمقراطية تحتاج لأحزاب قوية، وأي أحزاب قوية لا بد لها من موارد مالية، وهذه معادلة واضحة، ولكي تشتغل هذه الأحزاب تحتاج لموارد مالية، ومعروف أن التمويل الخارجي له سلبيات ومخاطر بالنسبة للدولة وأمنها، وللعملية السياسية والقرار داخل كل دولة.

وأوضح ان ظاهرة أصحاب الشكارة قديمة جدا ولصيقة بالنظام الانتخابي المغربي، كلما حلت الانتخابات يظهر أصحاب المال، وقانون الأحزاب الجديد خلق ما يسمى بالمتبرعين، ومكن الأحزاب من أن تحصل على المال من متبرعين خواص أو متعاطفين مع الحزب أو أعضاء فيه، وحدد لهم سقفا معينا، لتفادي مسألة المال السياسي أو المال الذي يؤدي إلى فساد أو شراء أصوات، حيث أن المشرع حاول أن يؤطر هذا التبرع مثل النموذج في ألمانيا، الذي سمح لكل متبرع التبرع لحزبه في حدود سقف 3300 أورو فقط، مشيرا إلى أن هناك بعض الثغرات التي يجب استدراكها في الساحة التشريعية، وتنظيم التمويل السياسي والدعم المالي العمومي للأحزاب، عبر قانون خاص وليس ضمن فقرات فقط في قانون الأحزاب السياسية، لأن له أهمية ودور في شفافية الحياة السياسية في المغرب، وبالتالي، لا بد له من نص قانوني مستقل.

فالكثير من الأحزاب تعتمد في المحطات الانتخابية على مساهمات الأعيان والمتبرعين، وأصحاب الشكارة قصد تمويل بعض الدوائر الانتخابية، والبحث عن مقاعد تمكنها من الوصول الى البرلمان أو المجالس الجماعية أو المجالس الإقليمية، حيث يشتد السباق في الفترة الحالية حول أصحاب “الشكارة” أو رجال الأعمال الكبار المتعاطفين مع الحزب.

غموض حول الدعم

    يقول الأستاذ سعيد بوفريوى، أن للدولة الحق في تمويل الأحزاب من الجانب النظري، لكن المؤسف أن تقارير المجلس الأعلى للحسابات كشفت عن مجموعة من الملاحظات وعدم امتثال الأحزاب للكشف عن الحساب وتمويلات الحملات الانتخابية للمرشحين، مما يطرح أسئلة حول مدى مصداقية هذه الأحزاب ومدى إعطائها النموذج قبل ولوج مرشحيها للمسؤولية الوزارية، حيث عليهم كشف الحسابات والمصاريف المتعلقة بالحملات، معتبرا أن الدعم لا بد منه بغض النظر عن المعايير والدفعات وطريقة توزيعه، إذ يلعب دورا في خلق جو المنافسة والتنافس  بين الأحزاب حول الانتخابات.

وأكد أن هناك مجموعة من التجارب الدولية رائدة في الدعم المالي العمومي للأحزاب السياسية، والتي على المغرب أن يستفيد منها، لأن الطريقة التي نسير بها ليست واضحة بالشكل الكافي وغير متحكم فيها بشكل كبير، وبالتالي، تترك المسألة الدعم المالي العمومي يشوبها الكثير من الغموض والتساؤلات، مستدلا بالتجربة التونسية والإسبانية والتجربة الألمانية التي تقدم الدعم المالي مشروط بمسألة الشفافية، بحيث تمنح الدفعة الأولى ولا تأخذ الدفعة الثانية حتى تقدم الأحزاب كشف الحساب المتعلق بالدفعة الأولى، وأحيانا يكون الدعم مرتبطا بأهداف مثل الدعم السياسي للمرأة، وللشباب، والمبادرات الثقافية، والأيام الدراسية، تكون في الصالح العام، كل هذه تكون معايير لتوزيع الدعم العمومي حتى لا يكون الدعم شكلا من أشكال الريع.

وكشف أن هناك نماذج لتوزيع الدعم إما بشكل عادل بين جميع الأحزاب، أو عبر طريقة النسبية التي تشترط عددا من الأصوات التي يجب أن يحصل عليها الحزب لكي يستفيد من الدعم العمومي، حتى لا يكون هدف الأحزاب الصغرى وحديثة النشأة، الحصول على الدعم المالي فقط، إذ تشترط بعض الدول الحد الأدنى في 3 بالمائة أو 5 بالمائة من الأصوات المعبر عنها للحزب، أو عدد من المقاعد في البرلمان حسب النسب الموجودة، أو من خلال معايير تسمح للأحزاب الصغرى بإمكانية الانخراط في اللعبة السياسية عن طريق الدعم العمومي، ولا يكون الدعم هدفا من أجل خلق حزب معين أو تنظيم سياسي جديد.

وتابع، أن الأحزاب السياسية تتلقى دعما سنويا يساعدها في مسألة المقرات والتأطير، وهناك دعم في فترة الانتخابات، وبالتالي، نتكلم عن ميزانية مهمة ومبالغ، أو على نفقات مهمة جدا يجب تبريرها من وجهة نظر المواطن، كونها أموالا عمومية يجب أن تحظى بالرقابة من طرف مؤسسات مثل المجلس الأعلى للحسابات، ويجب أن تخضع للمحاسبة والمراقبة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى