تحليل إخباري

تحليل إخباري | ملامح الخطة المغربية لمواجهة التطرف الديني والبوليساريو

السلك الدبلوماسي أمام معطيات استراتيجية

لخص الأمين العام لمجلس الجالية، عبد الله بوصوف، بطريقة سهلة (والصعوبة تكمن في السهولة)، مقومات الإسلام المغربي أمام مجموعة من السفراء المعتمدين في الرباط، في لقاء انعقد بداية هذا الأسبوع في الرباط،حيث قال بحضور أزيد من عشرة سفراء، عندما وجه له سؤال حول القراءات الخاطئة للإسلام في أوروبا بعد تسجيل حوادث مؤسفة، أن ((المغرب ينتمي لمنظومة العقيدة الأشعرية والمذهب المالكي، وهو تصوف سني))، ولكي يفهم الجميع، ضرب الأمين العام لمجلس الجالية المثال بثلاث شخصيات معروفة عند الغرب،هم ابن خلدون وابن رشد وابن عربي..

إعداد : سعيد الريحاني

    أوضح بوصوف ذلك قائلا:((نحن ندعو لصياغة وبلورة نموذج للتدين الإسلامي يجب أن يقوم على ثلاثة ركائز: أولا المعرفة، لأننا نلاحظ أن من يقوم بهذه العملية، أشخاص يجهلون الإسلام إطلاقا، بل منهم من كان مجرما أو سجينا سابقا.. لأن المعرفة الدينية ليست حيزا صغيرا، فهناك بعض المسلمين يعرفون جزء صغيرا من الدين ويعتقدون أنهم يعرفون كل الدين، في حين أن الدين واسع، وهذه المعرفة نرمز إليها بشخصية علمية فذة تنتمي للمدرسة المالكية، ويتعلق الأمر بالمؤرخ وعالم الاجتماع ابن خلدون، فهو معروف في المغرب بكتاب “المقدمة”، ولكن قليلون من يعرفون أنه كان مفتي المالكية في مصر، أما الركيزة الثانية، فهي أن المشروع الديني يجب أن يقوم على العقلانية والحس النقدي، ونرمز لهذا الأمر بشخصية علمية معروفة في الغرب، وهو ابن رشد، الفيلسوف والفقيه المالكي، الذي له كتاب معروف هو “بداية المجتهد ونهاية المقتصد”، وقد جمع بين الفلسفة والنقد..

بينما المحدد الثالث للمشروع الديني، فهو التصوف أو البعد الروحي، ونرمز إليه بشخصية فذة تنتمي للغرب الإسلامي، ويتعلق الأمربابن عربي)).. هكذا تحدث الأمين العام لمجلس الجالية، وكانت تلك إحدى النقاط التي كسب من خلالها اهتمام الدبلوماسيين، خاصةعندما قال ((نحن ندعو لصياغة وبلورة نموذج للتدين الإسلامي تكون له هذه الركائز الثلاثة))، وفيما يتعلق بالقراءات الخاطئة للإسلام لدى الغرب، نتيجة بعض الحوادث المرتبطة بالتطرف، قال نفس المصدر، أن ((المغرب وفي لتقاليده، وقد قال صاحب الجلالة أمير المؤمنين محمد السادس، انطلاقا من المنظومة الدينية للمغرب، أن “كل من ارتكب عملاإرهابيا ليس بمسلم”، وقال بأنه لا جنسية له، ولا عرق له، مؤكدا في ذات السياق أن “الإرهاب اخترق كل المنظومات الإنسانية بأديانها وإيديولوجياتها السياسية”)).

بوصوف الذي كان على موعد مع أعضاء السلك الدبلوماسي في المغرب، بمقر المؤسسة الدبلوماسية في حي النهضة بالرباط، حيث كان يتابعه ما يناهز 40 سفيرا بين الحاضرين والحاضرين عن بعد، من خلال تجربته في العمل مع الجالية، قال في معرض تفاعله مع أسئلة رئيس المؤسسة عبد العاطي حابك:((إذا استطعنا أن نبني مشروعا بهذه المواصفات، سنجعل العالم يستوعبنا ويفهمنا، فلا يجب أن نجعل من ممارساتنا الدينية عبئا على الآخرين، لأن الممارسة الدينية يجب أن تكون جسرا لبناء الثقة والحب والاحترام والأخلاق، والنبي صلى الله عليه وسلم قال “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”، لذلك فالسؤال الذي يشغل العالم اليومهو سؤال الأخلاق؟ وإلى أي ضفة نسير؟ إذ لا بد أن يشتغل كل من المسلم واليهودي والمسيحي وحتى الذي لا يؤمن ولا يعتقد، يمكنه المساهمة في بناء مستقبل للإنسانية))..

جانب من السفراء المعتمدين في المغرب لدى استقبالهم في المؤسسة الدبلوماسية

بحكم تخصص المحاضر في التاريخ، حظيت الظاهرة الدينية في المغرب بحيز كبير من النقاش، لا سيما وأن اللقاء الدبلوماسي الذي وصل إلى دورته 98، تزامن مع الذكرى الثانية لزيارة البابا فرنسيس للمغرب محاطا باستقبال شعبي كبير، وحفاوة ملكية، نتج عنهما توقيع “نداء القدس”بين البابا وأمير المؤمنين، هذا النداء يدعو، حسب بوصوف،إلى أن ((تكون القدس محرابا لجميع الأديان، ولتكون مقدسة،يجب أن لا تخضع للمساومات السياسية ولا للمزايدات السياسية ولا لفرض سلطة الأمر الواقع..))، وفي تعليقه على زيارة البابا، قال المتحدث نفسه، أن ((المبادرة المذكورة أعطت للعالم انطباعا بأن الأديان هي عنصر أساسي لبناء السلم العالمي، ولا يمكن بناء السلم العالمي دون أن تنخرط فيه الأديان.. الأديان ربما يجب أن تبقى بعيدة عن السياسة، ولكنها يجب أن تساهم في بناء منظمة أخلاقية عالمية تنحو نحو السلم، وتنحو للاعتراف بالاختلاف وبحرية الآخر)).

نفس المصدر، أكد أن تلك الزيارة كان لها أثر عالمي كبير، لا سيما بعد صدور عشرات الآلاف من المقالات والتغطيات المتعلقة بها، ولأن الحديث عن البابا لا يمكن فصله عن مشروع التدين المغربي، فقد كان من الطبيعي أن يحظى مشروع إمارة المؤمنين باهتمام السفراء..((أقول لكم أن دستور المملكة المغربية يتحدث في ديباجته عن روافد الشخصية المغربية، ويحددها في الإسلام والعرب والأمازيغ، ويحددها في البعد المتوسطي والبعد الإفريقي، والمكون العبري، إلى غير ذلك من المكونات التي اشتركت في بناء الشخصية المغربية، وأمير المؤمنين في المغرب يعتبر أميرا للمسلمين واليهود والمسيحيين..وهناك مجموعة من الظهائر الملكية التي كانت تصدر عن مختلف السلاطين المغاربة، تطالب الشعب المغربي بأن يكن نفس القدر من الاحترام للمسيحيين والمسلمين على السواء، لأن الدستور المغربي ينص على ضرورة احترام الشعائر الدينية))(نفس المصدر).

في إطار الحديث عن الدستور، أعطى الأمين العام لمجلس الجالية إشارة دبلوماسية لها دلالة كبيرة، وهي كون بعض الأطراف تتحدث عن غياب النص على حرية المعتقد في الدستور المغربي، ولكن المغرب يضمن “حرية الممارسة”، ((فربما دار هناك بعض الحديث عن غياب ضمان حرية المعتقد، ونحن نقول عندما نضمن ممارسة الشعائر، فمن باب تحصيل الحاصل أن تكون حرية المعتقد مضمونة، لأن حرية الممارسة هي الأساس، وهناك بعض البلدان تضمن حرية المعتقد في الدستور، ولكن في الواقع تغيب إمكانية الممارسة..بالمقابل إمارة المؤمنين تضمن حرية ممارسة الشعائر لجميع المؤمنين من مختلف الأديان)) حسب المتحدث نفسه.

((وهنا أفتح قوسا لأقول أنه في بعض الدول الأوروبية، عندما يقول الإنسان أنا أنتمي لنمط التدين المغربي، وأعترف بإمارة المؤمنين، هذا ليس اعترافا سياسيا ولا اعترافا سياديا، وإنما هو اعتراف روحي، وهذا لا يعني أن أمير المؤمنين يتدخل في الشؤون الداخلية لهذه الدول، لأن المرجعية الروحية لا تعترف بالحدود، فعندما نقول على سبيل المثال البابا، فهو مرجع لكل أتباعه أينما كانوا، ونفس الأمر ينطبق على البوذيين مع الدلايلاما، أو اليهود حسب مرجعيتهم الدينية والروحية..))، يقول المؤرخ، الذي شد انتباه الحاضرين.

المسجد الكبير لستراسبورغ نموذج لمشروع مغربي نجح في فرنسا

خلال نفس اللقاء الدبلوماسي، حظيت قضية الهجرة بتفاعل كبير، حيث أن أجواء انتشار “كورونا” فرضت البداية بقول بوصوف أن ((العالم أصبح عبارة عن قرية صغيرة، وكلما انتشر هذا الوباء في ركن بعيد من الكرة الأرضية، فإننا نتوجس من أن يصلنا، وإذا كانت هناك من خلاصة أو درس نستفيد منه، فإنه يجب أن نحافظ على صحة بعضنا البعض أينما كنا، لأن الحفاظ على صحتي يمر عبر صحة الآخرين أينما وجدوا.. لهذا فالهجرة من بين العناصر الأساسية اليوم)).

((فالهجرة تعتبر أحد العناصر الأساسية لبناء عالم الغد، وقد لاحظنا مع كوفيد 19، أن المنتمين لعالم الهجرة لعبوا أدوارا أساسية من أجل إيجاد اللقاح الضروري، من بينهم منصف السلاوي، المهاجر المغربي ذي الجنسية البلجيكية في أمريكا، كما لاحظنا دور الشركة الألمانية التي أسسها زوجان تركيان (بيونتيك)، وأيضا “فايزر” التي أسسها مهاجر يوناني.. من هنا يمكن القول بأن الهجرة بمختلف أنواعها، اشتغلت على إيجاد حل عالمي لمواجهة فيروس كوفيد19..وقد كان للمهاجرين دور كبير في التضامن كما حصل في المغرب، حيث لعب المهاجرون دورا كبيرا في مجال الأعمال الاجتماعية، كما قاموا بحملات تحسيسية ضد كورونا، وقاموا بتحويلات مالية تضامنية))..

من طرائف اللقاء، حديث صاحب كتاب “الملكية المواطنة في أرض مسلمة”، وأحد أهم الواقفين وراء مبادرة بناء المسجد الكبير في ستراسبورغ عن “دولة الهجرة”، حيث قال:((إن الهجرة مكونة من 300 مليون نسمة عبر العالم، ولو شكلت دولة افتراضية، وتقدمت بطلب العضوية للأمم المتحدة، لكانت دولة قوية، لأن هذه الثلاث مائة مليون، تمثل قوة شرائية مرتفعة جدا، وبطبيعة الحال تمثل سوقا عالمية، بإمكانها أن توفر للعالم الاستقرار والتوازن..فالهجرة تشكل أحد العناصر الأساسية لاستقرار العالم، باعتبارها فضاء لحوار الأديان والحوار بين الشعوب، لم يكن بمقدورنا معرفة خفايا المجتمعات الصينية لو لم يكن لدينا المهاجر ابن بطوطة، ولم نكن لنعلم كذلك مجموعة من ثقافات الشعوب الآسيوية والإفريقية والأوروبية لو لم يكن هناك تمازج بين الشعوب، أنا شخصيا تعلمت الكثير من الأمور عن الأديان)).. هكذا تحدث نفس المصدر، قبل أن يضيف بأن ((الهجرة يجب أن تأخذ المكانة التي تستحقها، وهذا الأمر يجب أن يطبق عبر البرامج التعليمية والدراسية، والهجرة يجب النظر إليها باعتبارها فرصة للإنسانية وليست مصدر قلق ومشاكل دائما، بل هي فرصة للإنسانية لإعادة بناء نفسها، وإعادة ترميم العالم الذي يشكو من عدة أمراض، من بينها التطرف الديني والتطرف السياسي.. الجالية هي العنصر الأساسي الذي سيمكننا من ترميم التشوهات التي لحقت بعالمنا، لأنها عنصر منتج للتقارب والتحاور والتساكن، وأتمنى بعد الجائحة أن يتغير خطاب جميع المسؤولين حول تدبير السياسات العمومية في العالم، وأن تعطى للهجرة مكانتها، فعندما نستقبل مهاجرا، فإننا نستقبل عنصر استقرار وعنصر أمن وعنصر رفاهية)) يقول ضيف المؤسسة الدبلوماسية.

 

مخاطر الدعوة لتأسيس كيان وهمي للبوليساريو

    قدم عبد الله بوصوف عدة معطيات يؤكد من خلالها استحالة تأسيس كيان خاص بالبوليساريو، موضحا أن مشروع تكوين مغاربة العالم في الدفاع عن القضية الوطنية الذي تم إطلاقه مؤخرا، يهدف إلى “تكوين المغاربة على الترافع”، لكن هذا الترافع لا نريد أن نجعل من خلاله الدول الأوروبية ساحة للصراع مع الآخرين، سواء كانوا من الجزائر أو البوليساريو أو مع مواطنين من تلك الدول.. بل إننا نريد أن نوضح للعالم بأن ما يسمى بالدعوة إلى إقامة “كيان” في هذه المنطقة من العالم الإفريقي، لن يضر فقط بمصالح المغرب، وإنما سيضر بمصالح الجميع، وسيضر بمصالح إفريقيا، أولا من خلال زرع الفتنة وعدم التوازن، ثم سينتقل إلى الضفة الأوروبية.. فإذا وقعت مشكلة فإنها ستصل حتما إلى أوروبا وأنحاء أخرى من العالم، حيث يتم الحديث اليوم عن الساحل، والإكراهات والمشاكل الإرهابية التي نعيشها جميعا، والضحايا الذين يسقطون يوميا من نيجيريا إلى التشاد، ثم إلى مالي وبوركينا فاسو، وغيرها من المناطق.. كفى من التشتت، نحن نريد بنيات قوية تستطيع خدمة الإنسان، وتستطيع أن تعمل على استقرار الإنسان.

وأكد أن مشروع البوليساريو لا يساهم في استقرار القارة السمراء، موضحا أن وجود 38 في المائة كنسبة من أرقام الهجرة على المستوى العالمي، محصورة في إفريقيا، يمر حتما عبر خلق أجواء الاستقرار في هذه القارة، وهو ما يتطلب دعم التحالفات الكبرى، في المنطقة المغاربية على سبيل المثال، وهو مشروع الدعوة إلى إقامة “كيان” بالمنطقة، ثم إن زيادة المشاكل بالتزامن مع ارتفاع أعداد المهاجرين، سيؤدي بهم إلى الارتماء في أحضان الهجرة وتجارة السلاح وتجارة البشر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى