
ثمة خيط رفيع بين كل توتر في منطقة شمال إفريقيا، وخصوصا بين المغرب والجزائر، وبناء الولايات المتحدة الأمريكية سياستها على ذلك في هذه المنقطة التي تعتبرها استراتيجية، وذات أولوية بالنسبة لسياستها الخارجية.. فقد شاهدنا في محطات عديدة تغير السياسة الأمريكية في المنطقة بعد كل أزمة تقع بين دولتين من الدول المكونة للمغرب الكبير، والأمثلة على ذلك كثيرة، لذلك يسعى هذا الملف إلى مقارنة السياسة الأمريكية في المغرب الكبير خلال سنة 1984 و2024، حيث تتشابه الوضعية السياسية لتلك الفترة مع هذه المرحلة في بعض النواحي، وتبرز وثيقة أمريكية في سنة 1984 – يسعى هذا الملف إلى استعراض مضامينها – أن واشنطن كانت مستعدة لاستعمال “فيتو” أمريكي من أجل إيجاد حل لقضية الصحراء، وبين اليوم حيث تبين أن زيارة جوشوا هاريس، مساعد وزير الخارجية الأمريكي، إلى الجزائر نهاية السنة الماضية كان هدفها توجيه بطاقة دعوة رسمية إلى كل من الجزائر والبوليساريو من أجل حضور الموائد المستديرة المتوقفة منذ سنة 2019.
أعد الملف: سعد الحمري
كل تحول في المغرب الكبير يشكل مناسبة للتدخل الأمريكي ويطرح لها بعض المشاكل
لا ندري هل هي الصدفة أم شيء آخر؟ حيث تشبه فترة نهاية 1983 وبداية 1984 في بعض الجوانب سنة 2024.. فقد شهدت تلك الفترة عدة تحولات على صعيد المغرب الكبير، لعل أبرزها ازدياد حدة التوترات بين المغرب والجزائر. وقد حاولت الجارة الشرقية عزل المغرب إقليميا – رغم وجود اتصالات بين البلدين – حيث وقعت الجزائر في 19 مارس 1983 “معاهدة الإخاء والوفاق” مع تونس والتي انضمت إليها موريتانيا في 13 دجنبر من نفس السنة، ورغم تأكيدهما على أن هذه المعاهدة ركيزة لبناء المغرب العربي الكبير، فإن المغرب وليبيا اعتبراها حلفا ضدهما ومحاولة جزائرية لعزلهما إقليميا، وكرد فعل على ذلك، قررت طرابلس والرباط تشكيل حلف بينهما لمواجهة المعاهدة الجزائرية التونسية، فوقع الطرفان يوم 13 غشت 1984 اتفاقا في وجدة أسسا بموجبه “اتحاد الدول العربي الإفريقي”، وكانت استراتيجية المغرب من خلال ذلك الحلف واضحة الهدف، وهو الرد على التحرك الجزائري ووقف الدعم الليبي لجبهة البوليساريو بتحييد طرابلس في هذا النزاع، علما أن ليبيا كانت أكبر داعم للبوليساريو ماديا.
وبعد التوقيع على المعاهدة المغربية الليبية، صدر تقرير أمريكي في أبريل 1985، أكد أن التطورات التي شهدها المغرب الكبير، بداية من “معاهدة الإخاء والوفاق” بين تونس والجزائر والتي انضمت إليها موريتانيا، وصولا إلى المعاهدة المغربية الليبية، تطرح تحديات كبيرة أمام الولايات المتحدة الأمريكية، لعل أبرزها استقرار المنطقة، وعلى هذا الأساس، رأى التقرير أنه يجب على الولايات المتحدة الأمريكية أن تولي اهتماما خاصا للتطورات التي عرفها المغرب العربي، إلى جانب ضرورة وضع السياسات المُحْكَمَة والمناسبة لحماية وتعزيز المصالح الأمريكية.
وجاء في التقرير أيضا، أنه نتيجة لاتفاق وجدة بين المغرب وليبيا في غشت 1984، فإن توازن القوى الإقليمية قد يختل، كما أكدت نفس الوثيقة أن معمر القذافي نجح بعد هذه المعاهدة في تخفيف عزلته الدولية، حيث يقول التقرير أنه “نتيجة لذلك، فإننا سنواصل جهودنا لإقناع الحكومة المغربية بعدم الموافقة على اتحادها مع ليبيا، على أساس مصالحنا في المغرب ومواصلة التعاون الوثيق مع الرباط في العديد من المجالات الهامة”.
كما نبهت الوثيقة إلى أن الملك الحسن الثاني أكد بنفسه وطمأن محاوريه الأمريكان، على أن “الاتفاقية المغربية الليبية ليس من شأنها أن ينتج عنها القيام بأنشطة وأعمال تشكل خطرا على المصالح الأمريكية”، ويقول التقرير أنه “من هذا المنطلق، على أمريكا أن تحافظ على العلاقات الودية مع الرباط”، أما بخصوص الجزائر، فإن أصحاب التقرير رأوا أنه على طول السنوات الممتدة من أواسط السبعينات إلى منتصف الثمانينات، عملت الجزائر على تعزيز العلاقات الثنائية مع الولايات المتحدة الأمريكية، ويعود الأمر إلى سببين: يتمثل الأول في التغيرات الإقليمية التي فرضت على الجزائر تغيير سياستها وربط علاقات مع أمريكا، أما السبب الثاني، فيرجع إلى عدم رضى الجزائر على الاتحاد السوفياتي.
ويرى الأمريكيون أنه عليهم أن يسعوا إلى تحسين علاقاتهم مع الجزائر على الرغم من أنهم لا يتوقعون أن تتخلى الجزائر عن علاقتها مع الاتحاد السوفياتي، لأن تخلي الجزائر عن موسكو سوف يجعلها تتصرف بطريقة تقلل من مكانتها غير المنحازة دوليا.

الوثيقة الأمريكية: رغم أن الحل في الصحراء بعيد المنال.. إلا أنه علينا إيجاد حل سلمي للقضية ولو تطلب الأمر “فيتو” في قضية الصحراء
وبعد ذلك، انتقل التقرير إلى مسألة الحرب في الصحراء المغربية، حيث اعتبر أنها تمثل العامل الأهم الذي يسهم في تغيير توازن القوى، وكذلك التوتر بين المغرب والجزائر، ومما جاء في الوثيقة الأمريكية أن “الحل يبقى بعيد المنال، ويبقى المغرب هو المسيطر عسكريا في الصحراء المغربية ويستمر في ذلك”، غير أن التقرير نبه إلى أنه بعد اتفاق وجدة بين المغرب وليبيا، زادت الجزائر دعمها المباشر لجبهة البوليساريو، وكذلك استعدادها وحشد قواتها على طول الحدود المغربية الجزائرية، ويرى التقرير أنه رغم كل ما تفعله الجزائر، فإن إمكانية الدخول في حرب مباشرة مع المغرب يبقى أمرا مستبعدا، وعلى الرغم من سوء تقدير قد يؤدي إلى تصعيد سريع، فإنه على أمريكا أن تسعى وتستمر في العمل مع المغرب والجزائر وغيرهما من الأطراف المعنية، على التشجيع على تسوية تفاوضية للحرب في الصحراء، ولإيجاد حل لذلك، ستعمل أمريكا على وضع خارطة طريق على مستوى هذه القضية تقتضي الخطوات التالية: أولا الاستمرار في تأييد وبصفة علنية تسوية سياسية لقضية الصحراء المغربية. ثانيا، إذا لزم الأمر استعمال “فيتو” أمريكي في مجلس الأمن من أجل دعم تسوية تفاوضية لقضية الصحراء فستفعله أمريكا. ثالثا، إعداد ورقة أو خطة داخلية تمكن أمريكا من تحركات دبلوماسية، يكون هدفها الحد من التوتر المغربي الجزائري، والتركيز بشكل خاص على خيارات تسوية نزاع الصحراء.
عودة أمريكا إلى إمساك الملف من جديد.. هل تفرض حلا للنزاع ؟
مرت على هذا التقرير أربعون سنة بالضبط، حيث أنه صدر في أبريل 1984، واليوم نلاحظ تشابها واضحا بين الأمس واليوم، حيث تسعى الجزائر إلى إقامة اتحاد مغاربي عربي يستثني المغرب، مما قد يؤدي إلى عزل المغرب إقليميا. وقبل ذلك، قررت الجارة الشرقية قطع علاقاتها مع المملكة منذ سنة 2021، الأمر الذي جعل الولايات المتحدة الأمريكية التي كانت قد اعترفت بمغربية الصحراء، تقوم بخطوات من أجل الإمساك بزمام هذا الملف، حيث كلفت مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط، بمهمة القيام بجولات إلى كل من المغرب والجزائر بالموازاة مع زيارات المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة لقضية الصحراء، إلى الدول المعنية بالقضية.
وكانت أول مرة قام بها مساعد وزير الخارجية الأمريكي بزيارة إلى الجزائر والمغرب تلك التي جرت خلال شهر يوليوز من سنة 2021، يومها كشفت الخارجية الأمريكية أن مساعد وزير الخارجية الأمريكي سيزور الجزائر أولا، حيث قالت إنه سيلتقي هناك بالمسؤولين الجزائريين لـ”مناقشة القضايا التي تهم العلاقات الثنائية بين البلدين”، كما أكدت أن “المسؤول الأمريكي سيبحث مع المسؤولين الجزائريين هناك القضايا الإقليمية”، إلا أن الإشارة في الإعلان عن هذه الجولة بأن “المسؤول الأمريكي سيبحث مع المسؤولين الجزائريين الأوضاع الإقليمية” ترك الأمور فضفاضة، وأوعز بأن الولايات المتحدة الأمريكية ما زالت لا تريد أن تكون وسيطا مباشرا في ملف الصحراء.
وقد اتضح ذلك انطلاقا من شهر مارس من العام الماضي، بالتزامن مع التغيير الذي حدث على مستوى الخارجية الجزائرية، فقد قامت نائبة وزير الخارجية الأمريكي، ويندي شيرمان، باتصال هاتفي مع وزير الخارجية الجديد أحمد عطاف، وكشفت وزارة الخارجية الأمريكية أن “نائبة وزير الخارجية ويندي شيرمان، ناقشت مع وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف، نزاع الصحراء المغربية، وذلك خلال اتصال هاتفي بمناسبة تسلمه منصبه”، وجاء في بيان الخارجية الأمريكية، أن “شيرمان ووزير الخارجية عطاف ناقشا الجهود المبذولة لتعزيز الاستقرار في المنطقة، بما في ذلك دعم المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دي ميستورا، في الدفع نحو حل سياسي دائم لنزاع الصحراء”.
ومباشرة بعد ذلك، جددت واشنطن دعمها لمخطط الحكم الذاتي المغربي، إذ اعتبرت نائبة وزير الخارجية الأمريكي، خلال زيارتها إلى الرباط خلال نفس الفترة، أن الولايات المتحدة ما زالت تنظر إلى خطة الحكم الذاتي المغربية على أنها جادة وذات مصداقية وواقعية.

وبعد مدة، عينت أمريكا الدبلوماسي جوشوا هاريس، نائب مساعد وزير الخارجية الأمريكي، للقيام بجولة إلى المنطقة، يومها تطرقت “الأسبوع” لهذا الموضوع في ملف بعنوان “مؤشرات تحرك أمريكا نحو طي نهائي لملف الصحراء المغربية” وتساءلت: “هل يصبح جوشوا هاريس مهندسا للحل النهائي لملف الصحراء؟”، حيث كتبت تعقيبا على زيارته في دجنبر الماضي إلى الجزائر، ما يلي: ((لا يمكن القول أن ما جرى خلال شهر مارس قد وقع التراجع عنه (المقصود هنا اتصال نائبة وزير الخارجية الأمريكي بوزير الخارجية الجديد للجزائر، والتي أكدت من خلاله دعم جهود ستيفان دي ميستورا)، أو غيرت أمريكا من لهجتها بخصوص اعتبار الجزائر طرفا رئيسيا في قضية الصحراء، بل تم البناء عليه بقوة، وهذه المرة عندما عينت أمريكا الدبلوماسي جوشوا هاريس، نائب مساعد وزير الخارجية الأمريكي، للقيام بجولة إلى كل من الجزائر ومخيمات تندوف والرباط، من أجل مناقشة نزاع الصحراء المغربية.. وقد أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية عبر منصة “إيكس”، أن “جوش هاريس سيتباحث مع مسؤولي البلدين في شأن الأمن الإقليمي وإعادة تأكيد دعم الولايات المتحدة الأمريكية الكامل للعملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة بشأن الصحراء”، وجاءت هذه الزيارة قبل زيارة المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء، ستيفان دي ميستورا، إلى المنطقة، والتي شملت مدينة العيون أيضا، وبعد أيام على هذا الإعلان، قام مساعد نائب وزير الخارجية الأمريكي بزيارة إلى المنطقة، بدأها بالجزائر ثم مخيمات تندوف، حيث التقى بزعيم جبهة البوليساريو، إبراهيم غالي، وبعد اللقاء، أصدرت الجبهة بيانا صحفيا عبرت فيه عن “غضبها” من تجديد الولايات المتحدة الأمريكية موقفها الذى لخصته في “عدم واقعية مطالب الانفصال”، وقال بيان البوليساريو: ((إن الدخول في متاهة المصطلحات الفضفاضة، من قبيل الواقعية، وغيرها، لن يقود إلا إلى تعميق حالة الجمود، وبالتالي، تقليص فرص التوصل للحل السلمي الدائم، وزيادة حدة التوتر وعدم الاستقرار في المنطقة))، ومعنى هذا أن أمريكا أصبحت تمسك بملف الصحراء، وأن ما عبر عنه المسؤول الأمريكي أغضب جبهة البوليساريو.
ولم تكد تمر ثلاثة أشهر على هذه الجولة، حتى عاد نفس الرجل ليقوم بنفس الجولة، حيث يبدو أنه أصبح على إلمام بالملف، وقد رافق زيارته إصدار وزارة الخارجية الأمريكية بيانا جاء فيه، أن ((مساعد وزير الخارجية المكلف بمنطقة شمال إفريقيا، جوش هاريس، وصل إلى الجزائر للشروع في جولة مشاورات معها، ثم مع المغرب، حول “تعزيز السلم الإقليمي”، و”تكثيف المسار السياسي للأمم المتحدة بشأن ملف الصحراء المغربية، بهدف الوصول إلى حل دائم وكريم دون مزيد من التأخير”))، مع العلم أن الزيارة السابقة شملت أيضا مخيمات تندوف، وهذه المرة، اكتفى المسؤول الأمريكي بزيارة العاصمة الجزائرية فقط، غير أن أهم ما جاء في البيان الجديد، الإشارة بصريح العبارة إلى أن زيارة المسؤول الأمريكي إلى الجزائر من أجل تكثيف المسار السياسي للأمم المتحدة بشأن ملف الصحراء المغربية، كانت بهدف “الوصول إلى حل دائم وكريم دون مزيد من التأخير”، ومعنى هذا أن “الولايات المتحدة الأمريكية فرضت نفسها كوسيط في هذا الملف، وسعيها إلى التعجيل بإيجاد حل لقضية الصحراء المغربية في أسرع وقت ممكن”.
واليوم، وبالتزامن مع جلسة مجلس الأمن حول قضية الصحراء المغربية، كشف الموقع الإلكتروني “هسبريس”، أنه ((بناء على مصدر أممي، فإن زيارة دي ميستورا الأخيرة إلى المنطقة والتي اقتصرت على الرباط ونواكشوط، قام خلالها هذا الأخير بتقديم دعوة رسمية إلى نواكشوط والرباط لإطلاق مسلسل المفاوضات المتوقف منذ شهر مارس 2019، وحول استثناء المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة لقضية الصحراء الجزائر وجبهة البوليساريو، قال نفس المصدر، أن الطرفين تمت دعوتهما إلى المشاركة في المحادثات المستقبلية من طرف مساعد وزير الخارجية الأمريكي، جوشوا هاريس، خلال زيارته الأخيرة إلى الجزائر، لافتا إلى أن ستيفان دي ميستورا سيعقد أيضا لقاءات منفصلة بنيويورك مع كل من السفير عمار بن جامع، الممثل الدائم للجزائر لدى الأمم المتحدة بنيويورك، ومحمد عمار، مسؤول جبهة البوليساريو بنيويورك، والمنسق مع بعثة “المينورسو”، وأوضح المصدر ذاته، أن المبعوث الأممي مطالب بأخذ تصورات الأطراف المعنية وموافقتهم المبدئية على المشاركة في المفاوضات المباشرة قبل تقديم إحاطته أمام أنظار أعضاء مجلس الأمن الدولي)).
ومعنى هذا أن جوشوا هاريس يسعى بصفة فعلية إلى جانب المبعوث الأممي، إلى العودة إلى صيغة الموائد المستديرة التي تطالب بها الرباط، والتي تعتبر الجزائر طرفا رئيسا في قضية الصحراء.. فهل يصبح جوشوا هاريس مهندس الحل النهائي لقضية الصحراء المغربية؟ وهل تستعمل أمريكا “الفيتو” كما لوحت بذلك سنة 1984 من أجل إيجاد حل لهذه القضية ؟



