ملف الأسبوع | الاتحاد المغاربي بين القذافي والحسن الثاني ومعضلة البوليساريو
الاتحاد على الطريقة المغربية
بقراءة سريعة لتاريخ المغرب العربي القريب، يبدو أن ما حصل هذه الأيام في الساحة الإقليمية، ونقصد إعلان تأسيس اتحاد مغاربي يضم ثلاثة دول وهي الجزائر وتونس وليبيا، لا يعد سابقة تاريخية، بل كانت هناك مبادرة قبلها، قادها الزعيمان المغاربيان الراحلان قائد الثورة الليبي معمر القذافي والملك الحسن الثاني، وذلك سنة 1984، عندما تم تأسيس الاتحاد العربي الإفريقي، لكن شتان ما بين المبادرتين، فالأولى التي قادها ملك المغرب والرئيس الليبي كان هدفها الأول والأساس هو أن تكون المنطلق والنواة لتأسيس صرح المغرب العربي، أما الثانية، فهدفها واضح، وهو إخراج دولتين من صرح المغرب العربي لأهداف ضيقة، ويستعرض هذا الملف حيثيات معاهدة الوحدة الليبية المغربية سنة 1984، وكيف رآها الملك الحسن الثاني أول الغيث لبناء صرح المغرب العربي.
أعد الملف: سعد الحمري
هكذا حاصر الحسن الثاني معمر القذافي بعائلات زعماء جبهة البوليساريو
كانت العلاقات المغربية الليبية على عهد معمر القذافي قائمة على العداوة والصراع، منذ أن أطاح هذا الأخير بالنظام الملكي في ليبيا سنة 1969، ومن يومها كان القذافي يتحين كل الفرص من أجل الإطاحة بالملك الحسن الثاني، بل إنه تورط في المحاولة الانقلابية الثانية بقيادة الجنرال محمد أوفقير سنة 1972. ومباشرة بعد ذلك، احتضن القذافي “الشباب الوحدوي الصحراوي” بقيادة الوالي مصطفى السيد، الذي كان يسعى إلى تحرير الصحراء المغربية من الحكم الإسباني، لكن تحت الراية المغربية، غير أن معمر القذافي خلال احتضانه للشباب الصحراوي، وتقديمه الدعم المادي والمعنوي لهذا التنظيم، أقنعهم بأن تتحول حركتهم من حركة وحدوية إلى انفصالية، وبذلك أصبح اسمها حركة البوليساريو.
ولما ضم المغرب الصحراء المغربية بعد المسيرة الخضراء في نونبر 1975، كانت ليبيا من أهم الداعمين لجبهة البوليساريو إلى جانب الجزائر، واستمر الأمر إلى حدود سنة 1983، عندها بدأ نظام معمر القذافي يدخل في عزلة إقليمية، بسبب دعمه للصراع بين النيجر والتشاد، الأمر الذي جعل الباب يقفل على الجماهيرية فيما يتعلق بحدودها الجنوبية، ثم دعم معمر القذافي ثورة في تونس إلى جانب الجزائر سنة 1980، ما جعلها تدخل في قطيعة مع تونس منذ ذلك التاريخ، ثم دخلت في قطيعة مع الجزائر انطلاقا من سنة 1982، لتجد الجماهيرية الليبية نفسها محاصرة.
ومن أجل فك العزلة، بدأ معمر القذافي يبحث عن فتح علاقات جديدة، وترميم علاقات مع بعض الدول من أجل فك الحصار عليه ولو نسبيا، وعلى هذا الأساس حاول إعادة العلاقات مع المغرب، وبعد عدة محاولات تمكن الزعيم الليبي من زيارة المملكة المغربية يوم 2 يوليوز 1983، ولم تكن زيارته بالهينة، بل حاول الحسن الثاني أن يجعل معمر القذافي يحس بالذنب الذي ارتكبه عندما احتضن ودعم جبهة البوليساريو في نشأتها، فخلال زيارته للمغرب اجتمع الرئيس الليبي بوفود تمثل الأحزاب السياسية المغربية التالية: حزب الاستقلال، والاتحاد الدستوري، والتجمع الوطني للأحرار، والحركة الشعبية، والحزب الوطني الديمقراطي، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وجرى حوار مطول وصريح بين معمر القذافي وبين هذه الوفود دام حوالي الساعتين، تناولوا فيها مختلف قضايا العالم العربي والقضية الفلسطينية وقضية الصحراء المغربية، واتسم الحديث في هذا الموضوع بالذات بالشدة، حيث آخذ زعماء الأحزاب على الزعيم الليبي دعمه لجبهة البوليساريو في مهدها.
وبعد لقائه مع زعماء الأحزاب، التقى بعض آباء وأقارب أعضاء جبهة البوليساريو، ويتعلق الأمر بكل من: خليلي الرقيبي متقاعد من القوات المسلحة الملكية والد محمد عبد العزيز رئيس جبهة البوليساريو، ومحمد الدويهي تاجر والد علي بيبا الوزير الأول المزعوم المكلف بالإعلام والثقافة، والقبطان بطل البلال متقاعد من القوات المسلحة الملكية والد أحمد بطل من مسؤولي مرتزقة البوليساريو، ومحمد سالم الليلي موظف، عم أحمد محمد المدعو محمد الأمين وزير أول سابق في حكومة الجمهورية المزعومة، أما أفراد عائلة الوالي الرقيبي مؤسس جبهة البوليساريو الانفصالية، والذي توفي في هجوم على نواكشوط في يونيو 1976 وضمنهم خاله مبارك الحيدري، فقد استقبلهم الرئيس الليبي كل على حدة، وقد أكد مبارك الحيدري للعقيد القذافي أنه يعرف الوالي شخصيا، مواطنا مغربيا غرر به لاستخدامه ضد بلده.
وقد تضمن الوفد أيضا عدة أقارب لأعضاء في جبهة البوليساريو ولمحتجزين في مخيمات تندوف، الذين اغتنموا هذه المناسبة ليعبروا للرئيس الليبي عن تشبثهم بمغربيتهم وبالعرش العلوي المجيد، وبشخص صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني، كما أعربوا عن رفضهم القاطع للأعمال التخريبية والانفصالية التي يقوم بها أعضاء البوليساريو، مؤكدين أن هؤلاء هم مجرد ضالين، وطلبوا من العقيد القذافي إيقاف كل دعم ومساندة لهؤلاء المرتزقة، فوعد الرئيس الليبي، الذي أصغى بإمعان وتفهم لأقوال الوفد، ببذل كل الجهود الممكنة في إيجاد حل لهذه القضية.
التقارب المغربي الليبي سنة 1983 بهدف بناء صرح المغرب العربي
وعقب انتهاء الزيارة، صدر بلاغ مشترك مغربي-ليبي، كان أهم ما جاء فيه: ((بحث الطرفان الوضع في منطقة المغرب العربي، فجددا إيمانهما بأن وحدة المغرب العربي تشكل لبنة في صرح الوحدة العربية الشاملة، وأعربا عن رغبتهما في إزالة كل ما من شأنه الإضرار بالعلاقات بين بلديهما وإقامة علاقات أخوية مستمرة في إطار العمل من أجل التضامن الإسلامي والوحدة العربية التي تفرضها وحدة المصير، كما اتفقا على ضرورة تفادي جميع أسباب التوتر في منطقة المغرب العربي، وعلى ضرورة إبعاد المنطقة عن الصراعات الدولية التي تستهدف الهيمنة وبسط النفوذ، وجددا تمسكهما بسياسة عدم الانحياز والمحافظة على السيادة القومية والوحدة الترابية)).
وبخصوص قضية الصحراء المغربية، التي كان القذافي ما يزال يدعم جبهة البوليساريو، فقد جاء في البلاغ المشترك، أن الطرفين يدعمان الجهود الإفريقية الهادفة إلى إيجاد تسوية سلمية عادلة لهذه القضية بإجراء استفتاء تتوفر فيه ضمانات الحرية والسلامة يؤدي إلى إنهاء هذا المشكل في حظيرة الأسرة الإفريقية والدولية.

عندما رأى الحسن الثاني أن وحدة المغرب العربي يجب أن تمر بمراحل..
كانت زيارة الزعيم الليبي معمر القذافي للمغرب مقدمة لبداية علاقات جديدة بين البلدين، فبعد ستة أشهر على هذه الزيارة، انعقدت الدورة الأولى للجنة العليا المغربية الليبية للتعاون، وبالضبط يوم الخميس 16 يناير 1984، وخلالها ألقى الملك الحسن الثاني كلمة جاء فيها: ((إننا مسرورون غاية السرور بلقائكم والتعرف عليكم، ومما لا شك فيه أننا كنا أنتم ونحن طامعين في هذا اللقاء، ربما منذ مدة طويلة، ولكن الأمور بمواقيتها، وأراد الله أن نجتمع اليوم، فعلينا أن نربح الوقت الذي ضيعناه، ولي اليقين أنكم ستجدون في مخاطبيكم المغاربة الصدى اللازم والمستوى الذي نريد أن نعطيه لعلاقاتنا، أما من جهتنا، فقد أبلغنا وزیرنا ووزراؤنا الحماس العربي المغربي الكبير الذي يحدوكم ويحدو جماعتكم، وما هذا إلا انعكاس لإيمان صديقنا معالي العقيد معمر القذافي الذي نعرف حرصه على وحدة الصف العربي، وبالأخص الصف المغربي الكبير)).
وتابع الملك كلامه قائلا: ((نعم، المرحلة الجماعية للمغرب الكبير يجب أن تمر بمراحل، ولكن الشيء الذي نعمله الآن ونقوم به نحن، سيكون لبنة مهمة وذات فعالية وحيوية حينما نريد أن نبني الدار الكبرى، المقر الكبير للشعب المغربي الكبير، ومن جهة أخرى، فإننا علمنا وسمعنا أن بين الجماهيرية وتونس علاقات، ونسمع كذلك أن الجماهيرية والجزائر بينهما علاقات، ونسمع كذلك أن تونس والجزائر بينهما علاقات، وهذه العلاقات في نظرنا ليست متناقضة مع المستقبل ومع الهدف الكبير، بل هي ظروف ومحطات ضرورية ستسهل العمل على الأجيال المقبلة، وأريد أخيرا أن أقول لكم: كم أنا مسرور بتوقيعكم اليوم مع زملائكم المغاربة بعض الاتفاقيات، وهذا يدل – ولله الحمد – على أن المحبة والصداقة موجودة، ويدل على أن قوة إرادة الإنجاز وإرادة العمل البناء موجودة كذلك.
ومرة أخرى، مرحبا بكم في بلدكم، ونرجو منكم جميعا وعلى رأسكم السيد الأمين العام، أن يحمل إلى الشعب الليبي وإلى صديقنا معالي العقيد القذافي، عواطف التقدير والمحبة والدعاء للجميع، للمغرب وليبيا، ولشعبيهما، أن يبقيا تحت رعاية الله، وأن يسدد الله خطاهما حتى يصل الشعبان إلى ما يريدان)).
بعد اتفاقية وجدة بين المغرب وليبيا.. أخبر الحسن الثاني الرئيسين الجزائري والليبي بمضامينها
واضح إذن، أن الملك الراحل الحسن الثاني اعتبر أن التقارب المغربي الليبي يشكل اللبنة الأولى من أجل بناء صرح المغرب العربي الكبير، وقد تعزز هذا التقارب باتفاقية وجدة بتاريخ 13 غشت 1984، وهي معاهدة ينشأ بمقتضاها اتحاد يضم المملكة المغربية والجماهيرية الليبية الشعبية الاشتراكية، وبعد التوقيع على المعاهدة، صدر بيان مشترك كان أهم ما جاء فيه هو التأكيد على أن اتحاد المغرب وليبيا ما هو إلا مقدمة لبناء صرح المغرب العربي، حيث جاء في البيان المشترك ما يلي: ((يهدف جلالة الملك الحسن الثاني وفخامة العقيد معمر القذافي من وراء إقامة هذا الاتحاد، إلى توثيق الروابط المتينة التي تجمع بين بلديهما، وإلى القيام بمبادرة تكون أساسية لوحدة المغرب العربي، وبالتالي، فهو خطوة تاريخية في سبيل تحقيق وحدة الأمة العربية والعالم الإسلامي، وفي مقدمتها فلسطين والقدس الشريف)).
وقد تم بالفعل التوقيع على المعاهدة المحدث بمقتضاها اتحاد بين دولتيهما على ألا تصبح نافذة المفعول إلا بعد الموافقة عليها من قبل شعبي البلدين طبقا للإجراءات المعمول بها في كل من الدولتين.
وبعد نهاية زيارة القذافي إلى المغرب وتوقيع الاتفاقية مع الملك الحسن الثاني، زار الزعيم الليبي الجزائر وتونس صحبة المستشار أحمد رضى اكديرة، بهدف إعطاء المزيد من الإيضاحات إلى رئيسيهما، وفي ذات اليوم، اتصل الحسن الثاني بالرئيس الجزائري الشاذلي بنجديد والوزير الأول التونسي محمد المزالي، من أجل إبلاغهما بالمعاهدة المغربية الليبية.
استفتاء شعبي بالمغرب على الاتفاقية المغربية الليبية
وبعد توقيع هذه المعاهدة، استغل الملك خطاب ذكرى 20 غشت 1984، ليخصصه كاملا للحديث عن هذه الاتفاقية، وأثرها على بناء صرح المغرب العربي، وأكد في خطابه على أنه ((في الشهور الماضية، علمنا بمعاهدة حسن الجوار والأخوة بين الشقيقات الجزائر وتونس وموريتانيا، وكان ارتياحنا وفرحنا عظيما، ورأينا في هذه الخطوة الجريئة تعبيرا يؤكد إرادة قادة المغرب العربي، إرادتهم في بناء هذا المغرب العربي، وباركنا هذه الخطة وهذه الخطوة، وطلبنا الله أن تأتي الفرصة لاستكمال وحدة المغرب العربي، وحتى لا يؤاخذنا التاريخ أو يسجل أننا لم نقم بما يجب القيام به من مجهود في التفكير والابتكار في العمل، جاءت فرصة تاريخية من دول المغرب العربي التي هي في إطار الجناح الأيمن والأيسر، أعني ليبيا والمغرب، جاءتهما الفرصة أيضا لكي يضيفا اتحادهما إلى الاتحاد الذي سبقهما في المجموعة الثلاثية بين الجزائر وتونس وموريتانيا، فالمهم عندي ليس أن يتم الأمر بين الجناحين أو أن يبتدئ من الصدر، المهم هو أن يقف هيكل المغرب العربي على رجليه)).
وبعد ذلك، استعرض الملك حيثيات اتفاقية وجدة مع ليبيا، وطلب من محمد باحنيني تلاوة الاتفاقية على الشعب، كما أعلن أنه سيوزع نسخا منها على الشعب من أجل الاستفتاء، وخاطب الملك الشعب بما يلي: ((أعتقد شعبي العزيز، أنه في الظروف الراهنة، وطبقا لما جاء في الديباجة حتى لا نقع في النكسات وفي الخيبات التي وقعت فيها الدول العربية الأخرى سابقا، عندما أرادوا إقامة اتحادات أو وحدة، أعتقد شعبي العزيز أن هذا النص الذي أعرضه عليك للاستفتاء صالح لك حالا واستقبالا، صالح حالا لأنه أحسن ما يمكن أن يكون الآن، واستقبالا لأنه ليس في بنوده ومواده أي شيء يمنع أن يحسن ويوسع أو تدخل عليه إصلاحات أجدر وأنفع.
أقول لك، شعبي العزيز، أن هذا النص صالح للأسباب الآتية: في الديباجة – والديباجة هي كما يقول الفقهاء حينما يريدون تفسير القرآن أو الحديث، هي أسباب النزول، أو بلغة القانون دافع المشروع – فالديباجة هي التي تقول بالضبط ماذا نرمي إليه من وراء هذا الاتحاد، الديباجة من جملة ما تقوله أن هذا الشيء وضع أساسا وأولا وأخيرا للمحافظة على حقوق العرب والأمة الإسلامية ومشروعيتها، وهذا مهم جدا)).
وفي نهاية الخطاب، شجع الحسن الثاني الشعب على التصويت بـ”نعم”، حيث قال: ((شعبي العزيز، في يوم 31 غشت ستدعى إلى الاستفتاء لكي تقول “نعم” أولا، بكل إنصاف وبكل إخلاص، وبكل ما في لبي من وطنية، ووطنيتي لا يفوقها إلا إيماني بالله، وتعرف أن وطنيتي كما قلت لك وطنية هادفة.. لا آمرك أبدا، بل أقول لك من مصلحتك أن تقول “نعم”.. إنه دائما أنت وأنا على ذبذبة واحدة علما مني أنك تعرف والتجربة أعطتك هذا، أن نبضك أحس به وأنت تحس بنبضي، فإذن، إلى اللقاء معك للاستفتاء يوم 31 من هذا الشهر، وأطلب من الله أن لا يخيب اختياركم أملي فيكم)).
وفعلا، فقد صوت في الاستفتاء بـ”نعم” على المعاهدة ما مجموعه 7490515 صوتا مقابل 2130 بـ”لا”.
ويوم 8 شتنبر، أي بعد مرور أسبوع على موافقة المغرب وليبيا على اتفاقية اتحاد الدولتين، أصدرت وزارة الخارجية المغربية البلاغ التالي: ((حسما لبعض التأويلات حول مستوى العلاقات المغربية الجزائرية من اتحاد الدولتين بين المملكة المغربية والجماهيرية العربية الليبية الاشتراكية، قررت حكومة صاحب الجلالة حذف تأشيرات الدخول إلى المغرب بالنسبة للمواطنين الجزائريين.. وهكذا، فإن اجتياز الحدود بين الدولتين الجارتين الشقيقتين سيصبح غير خاضع لأي إجراء إداري من جهة المغرب ابتداء من يوم الإثنين 10 شتنبر 1984)).
وبذلك اعتبرت معاهدة الوحدة المغربية الليبية أول انطلاقة لبناء صرح المغرب العربي، والتي توجت ببناء هذا الصرح سنة 1989.



