تحقيقات أسبوعية

متابعات | مؤشرات طرد الأبناك الفرنسية من المغرب

الحرب الاقتصادية تنضاف إلى الحرب الدبلوماسية

إعداد: خالد الغازي

    شرعت بعض المجموعات الاقتصادية المغربية في شراء حصص البنوك الفرنسية في الأبناك الوطنية وتعزيز الرأسمال المغربي في السوق المالية، وذلك بهدف تفادي الانعكاسات السلبية للأزمات الدولية على القطاع البنكي الوطني.

تتمة المقال تحت الإعلان

وفي هذا الصدد، كشفت تقارير فرنسية، أن هولدينغ الوزير السابق حفيظ العلمي، توصل إلى اتفاق مع الشركة العامة الفرنسية لإبرام صفقة اقتناء 57.66 في المائة من أسهم الشركة العامة المغربية، أقدم المجموعات البنكية الخاصة بالمغرب، بمبلغ يصل إلى 8 ملايير درهم (حوالي 800 مليار سنتيم)، حيث سيؤدي نصف المبلغ المخصص لشراء حصص المجموعة الفرنسية في البنك التابع لها بالمغرب، سيجري دفعه من قبل المستثمر المغربي بشكل مباشر، ويتعلق الأمر بأربعة ملايير درهم، أي 400 مليار سنتيم، ستؤديها “سهام” من أصل 8 مليارات درهم إجمالي قيمة الصفقة، على أساس سداد الباقي عبر قروض بنكية.

تتمة المقال تحت الإعلان

كما تتحدث تقارير عن وجود مفاوضات بين مجموعة التجاري وفا بنك لشراء أسهم البنك المغربي للتجارة والصناعة، الذي تملكه مجموعة BNP Paribas الفرنسية، حيث تسعى مجموعة “التجاري وفا بنك” لضم فروع BMCI بالمغرب وعلى الصعيد الإفريقي، لاسيما وأن مؤشرات ورقم معاملات هذا البنك تراجع خلال السنوات الأخيرة بسبب هجرة الزبناء وعدم تطوير خدماته، وإغلاق بعض فروعه في عدد من المدن، مما يؤكد توجه بنك “باريس” لتفويت حصصه إلى مؤسسة التجاري وفا بنك.

وتأتي عملية شراء مجموعات اقتصادية وطنية لرأسمال البنوك الفرنسية في إطار سياسة اقتصادية جديدة تهدف ربما إلى إنهاء الوجود الفرنسي في القطاع البنكي الوطني، لاسيما بعدما نجحت مجموعة “هولماركوم” المغربية المملوكة لعائلة بنصالح سنة 2022، في اقتناء 78.7 في المائة من بنك مصرف المغرب من بنك مجموعة القرض الفلاحي الفرنسي، في صفقة مالية قدرت بـ 6.05 ملايير درهم، أي حوالي 650 مليار سنتيم.

لهذا يبدو أن السياسة الاقتصادية التي نهجها المغرب خلال السنوات الماضية على المستوى الإفريقي، من خلال فتح فروع للأبناك المغربية في بلدان غرب القارة (السنغال، ساحل العاج، غامبيا، موريتانيا، الغابون، بوركينافاسو…)، ومنافسة البنوك الفرنسية في السوق الإفريقية، جعلته ينهج سياسة داخلية للتخلص من بقايا المؤسسات المالية الفرنسية في القطاع البنكي المغربي، قصد ضمان استقلاليته، وتشجيع المجموعات الاقتصادية المغربية على الاستثمار في هذا القطاع الهام الذي يحقق رقم معاملات كبير يفوق 12 مليار درهم سنويا.

وتتحدث بعض التقارير عن توجه المغرب نحو “طرد” الشركات الفرنسية من السوق الوطنية، خاصة في القطاع البنكي، والتدبير المفوض للماء والكهرباء، والتأمين، وقطاعات أخرى مثل الصناعات الغذائية، وذلك في إطار سياسة اقتصادية جديدة من أجل تحصين الاقتصاد الوطني من تداعيات الأزمات التي تضرب دول الاتحاد الأوروبي والسوق المالية الفرنسية، رغم أن هناك من يربط هذا التوجه السيادي بسبب القرارات والإجراءات الفرنسية السلبية تجاه المملكة خلال الثلاث سنوات الماضية، وبين من يرى أن المغرب لم يعد بحاجة إلى الاستثمار الفرنسي كما كان من قبل، خاصة وأن هناك انفتاحا جديدا على بلدان أخرى للاستثمار بالمملكة.

ويرى بعض الخبراء، أن هناك توجها من الدولة لفك الارتباط مع الاقتصاد الفرنسي، الذي ظل لسنوات كثيرة يعتبر الغطاء الأجنبي الأول والخارجي للاقتصاد الوطني، خاصة على مستوى قطاع المال والأعمال، سواء القطاع البنكي أو الاتصالات أو التأمين أو الصناعة، إذ شرع المغرب – في العشر سنوات الأخيرة – إلى فتح أبواب الاستثمار في العديد من القطاعات أمام مجموعات اقتصادية من مختلف الجنسيات، من أمريكا، والصين، وألمانيا، وإسبانيا، وبريطانيا، وتركيا، وذلك من أجل توسيع الشراكات الاقتصادية والانفتاح على أسواق متعددة عوض الارتباط فقط بالسوق الفرنسي.

في هذا الإطار، يرى المحلل الاقتصادي عمر الكتاني، أن أحد الفرضيات التي تقف وراء خروج البنوك الفرنسية من السوق المالية المغربية، تعود إلى سنوات عندما قام المغرب بشراء أسهم البنوك الفرنسية في إفريقيا، والتي كانت في وضع سيء وقررت الخروج من بلدان جنوب الصحراء، وبالرغم من أن هذه الواقعة قديمة، إلا أن هناك من يعتبر خروج البنوك الفرنسية يأتي بسبب سوء العلاقات بين البلدين، مضيفا أن هذا الانسحاب في الواقع هو في صالح المغرب ونقطة إيجابية، من خلال استرجاع السيادة المالية في السوق البنكية المغربية في الوقت الذي تشهد فيه هذه الأبناك مردودية عالية أكثر من البنوك الفرنسية في فرنسا.

واعتبر نفس المتحدث، أن إنهاء الوجود الفرنسي في المغرب في القطاع البنكي، سيعطي فرصة للمغاربة وللمؤسسات البنكية الوطنية لكي تشتغل في بلدان أخرى، لاسيما وأن لهذه المبادرة بعدا سياسيا أو استراتيجيا أكثر من بعدها الاقتصادي، وقد تكون لها أهداف تتمثل في تقليص الاستثمار الأجنبي، وهذا يدل على أن فرنسا ترى أن مستقبلها مع المغرب ليس مستقبلا اقتصاديا واعدا كما كان في الماضي، بالإضافة إلى فرضية أخرى، تتعلق بالأزمة الاقتصادية التي تعيشها فرنسا وبلدان أوروبية أخرى، والتي فرضت عليها الانسحاب من بعض مناطق نفوذها، لأن الاعتراف بهذه الأزمة سيؤكد أن العقوبات التي فرضتها بلدان الاتحاد الأوروبي على روسيا انعكست سلبا على الأزمة في القارة العجوز.

ويؤكد ذات المحلل الاقتصادي، أن الشركات الكبرى الوطنية بدأت تهتم بشراء الأسهم الأجنبية من الأبناك، لكونها مؤسسات تحقق الأرباح صعودا ونزولا (طالعين واكلين نازلين واكلين)، لهذا يعتبر هذا القطاع مربحا بالنسبة للمستثمرين المغاربة، لكنه من ناحية أخرى، يكرس المزيد من الاحتكار داخل الاقتصاد بالمغرب، ويسمح باحتكار القطاعات الاقتصادية كالبنوك والتأمين، معتبرا أن هذا الاحتكار مربح للقطاع الخاص، لكنه يعتبر خطيرا بالنسبة للقواعد الاجتماعية، لأن الدولة لها اتفاقية مع المؤسسات البنكية للتعاون وتحصل على 40 في المائة من الأرباح منها، وتستعمل هذه البنوك كاحتياطي نقدي عن طريق سندات الخزينة العامة.

وانتقد الكتاني حماية الدولة للأبناك في سياستها العامة ونفوذها الاقتصادي، لكي تظل نسب القروض عالية بالنسبة للمستهلك، مما يزيد من تكريس قوة المحتكرين في السوق المغربية، ومصالح النظام البنكي على حساب قطاعات اجتماعية وتوظيف الشباب.

فالمغرب مقبل على الكثير من التحديات والاستثمارات المتعلقة بالمشاريع الكبرى واحتضان كأس العام 2030، لذلك فإن المؤسسات البنكية – حسب عمر الكتاني – مطالبة بتوفير سيولة أكبر اعتبارا لحاجيات المغرب خلال السنوات المقبلة، مما سيدفعه إلى اللجوء للقروض الخارجية ولتحقيق الاستباق الذي تعرفه السيولة النقدية، نظرا للاستثمارات التي سيتم القيام بها، سواء بالنسبة لتنظيم المونديال أو البنى التحتية، ومحاربة الجفاف، وإعادة الإعمار بمنطقة الحوز.. كلها مشاريع سوف تمتص من السيولة النقدية التي تلعب فيها البنوك دورا كبيرا، مما سيدفعهم إلى التكيف مع الوضع والتجاوب مع مطالب الدولة التي تعتبر البنوك احتياطيا ماليا لمصلحتها وللاقتصاد الوطني والتوازنات المالية للدولة، مشددا على أن السياسة المالية التي ينهجها بنك المغرب – بفضل مجهودات عبد اللطيف الجواهري – للحفاظ على قيمة الدرهم، تسير في اتجاه سياسة التقشف التي تنهجها الدولة، كجهاز مردوديته ضعيفة مقارنة بكلفة تسييره، وبالتالي، لا يمكن أن تظل السياسة المالية مبنية على “اقتصاد الريع والاقتصاد الفاسد والريع القانوني وغير القانوني”، يقول الكتاني.

من جانبه، اعتبر المحلل الاقتصادي محمد جدري، قيام مجموعات اقتصادية مغربية بشراء أسهم بنوك فرنسية، أمرا إيجابيا، لأنه سيجعل هذا الرأسمال 100 في المائة مغربي، ويعود بالنفع على اقتصاد البلاد، ثم إن هذه المجموعات الاقتصادية قامت بهذا الاستثمار الكبير الذي يقدر بملايين الدراهم، بناء على دراسات حسابية دقيقة قبل دخول هذا القطاع البنكي، مضيفا أن قطاع البنوك في المغرب مجال مربح بدرجة أساسية لكونه مجالا شبه احتكاري والاستثمار فيه ضخم جدا يقدر بملايين أو ملايير الدراهم، لكن مردوديته مضمونة ومربحة، وأكثر من ذلك، فإن هذه المؤسسات البنكية تفرض ذاتها ولديها حصص في السوق المالية، وبالتالي، لا يمكن الانتظار منها سنوات لتحقيق أرباح، بحيث أن الربح يحصل ابتداء من السنة الأولى من الاستثمار.

ويرى نفس المتحدث، أن الأبناك الفرنسية لديها خطة للخروج من إفريقيا ومن مجموعة من البلدان، حيث سبق لها أن خرجت من دول إفريقيا جنوب الصحراء، ومن تم فخروجها من المملكة المغربية يعتبر استراتيجية اقتصادية محضة، لأنها تريد أن تبحث لها عن استثمارات أكثر مردودية، وبالتالي، هذا الأمر ليست له علاقة بالتبعية بقدر ما أن له استراتيجية فرنسية لمجموعة من البنوك الفرنسية للخروج من القارة الإفريقية وهذه الإجراءات تمت منذ 5 سنوات في بلدان القارة وتتواصل مع بلدان شمال إفريقيا من بينها المغرب.

بدوره، قال ياسين عاليا، محلل اقتصادي، أن الاستحواذ على الحصص الفرنسية من قبل المجموعات الاقتصادية المغربية يأتي في إطار تعزيز استثماراتها داخل النسيج الاقتصادي المغربي، وكذلك هناك محاولات من مجموعة التجاري وفا بنك للتوسع في السوق المغربية، بحكم أنها الفاعل البنكي الأول في البلاد، وبالتالي، يمكن أن نفسره ونربطه بالسياسة الاستثمارية للأبناك الفرنسية ومحاولاتها لإعادة زخم عملياتها داخل القطاع البنكي على المستوى الداخلي والاتحاد الأوروبي أكثر مما هو مرتبط بالعلاقات الاقتصادية أو التشنجات التي عرفتها العلاقات بين المغرب وفرنسا، كما أن القطاع البنكي المغربي يمتاز بصلابته وليس من داع للخروج من السوق المغربي الذي يضمن الاستمرارية، مشيرا إلى أن أكبر الفاعلين في القطاع البنكي المغربي هي أبناك مغربية وغير مرتبطة برساميل أجنبية، الشيء الذي ضمن للمغرب أن لا يتأثر بالأزمة الاقتصادية الدولية التي حصلت سنة 2008، وبالتالي، فهذا يعتبر تأكيدا لهذا الواقع بحكم أن رقم معاملات الأبناك التي تستحوذ عليها المجموعات الفرنسية يبقى ضعيفا مقارنة مع الأبناك المغربية، موضحا أن خروج الأبناك الفرنسية من مجموعة من الدول الإفريقية ستسمح للمغرب بإعادة تمركزه في غرب القارة، بحكم التوترات الكبيرة التي عرفتها العلاقات الفرنسية مع شركائها في إفريقيا، إثر التغيرات التي طالت النظام السياسي في بلدان مثل مالي وبوركينافاسو والنيجر وتبعات ذلك على المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (سيداو).

وحسب العديد من المحللين الاقتصاديين والسياسيين، فإن خروج أو “طرد” البنوك الفرنسية من السوق المالية المغربية، ربما مرتبط بالسياسة الاقتصادية للدولة التي تتجه نحو إزاحة الشركات الفرنسية من تدبير قطاعات حيوية على صعيد المملكة، خاصة بعد إنهاء مرحلة التدبير المفوض لقطاع الماء والكهرباء، التي تشرف عليها شركات فرنسية (ليديك، ريضال، وأمانديس)، وقرب تفويت هذا القطاع إلى الشركات الجهوية للتوزيع، التي باشرت وزارة الداخلية مساطر إنجازها في أفق توليها مسؤولية هذا القطاع، في انتظار استرجاع تدبير قطاعات أخرى خلال السنوات المقبلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى