الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | المناورات الداخلية لتغطية الاحتلال ونهاية باحماد

المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 68"

تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.

وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.

كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

تتمة المقال تحت الإعلان
بقلم: مصطفى العلوي

    يحكي لنا آباؤنا الذين كانوا يتتبعون أحداث الحرب العالمية الثانية، أن الحركة الوطنية المغربية كانت ترى في هذه الحرب مناسبة للمطالبة بالاستقلال.

تتمة المقال تحت الإعلان

ويحكون أيضا أن الطريقة الوحيدة للتعبير عن الغضب الجماهيري ضد الاحتلال، كانت هي قراءة اللطيف في المساجد.

ويحكى أن الحاكم العسكري لمدينة فاس سنة 1940، سمع أصوات المؤمنين تردد اللطيف في المساجد فقال بأعلى صوته ساخرا: ((هذه ولا شك هي قنابل المسلمين وصواريخهم.. إنها لا تذهب بعيدا)).

وبعد أيام قليلة، كانت القنابل الألمانية تسقط في شوارع المدن الفرنسية بغزارة والعلم الألماني يرفرف فوق عمارات باريس، فبعث أحد المغاربة المجهولين رسالة إلى الحاكم الفرنسي لمدينة فاس يقول له فيها: ((إنها القنابل الموجهة من مساجد فاس تقسط على بنايات باريس)).

والحقيقة، أن غضبة الشعوب وصرخات المظلومين ما كانت لتضيع سدى، ولا لتذهب مع الريح.

ولم تكن الأرواح التي حصدها الفرنسيون أثناء احتلالهم للمناطق الصحراوية الشرقية، ولا الإرادة الجماهيرية والجهاد الصادق الذي خاضه سكان الصحراء، مواطنونا في توات وكورارة وتيدكلت.. ما كان لها أن تقبر في رمال الصحراء ولا أن تضيع تلك الدماء في جداول الأنهار هباء منثورا، بل إن التحركات التي عرفتها المناطق الداخلية بالمغرب لم تكن إلا صدى للاحتلال الفرنسي لأطراف المملكة.

لقد كان السلطان عبد العزيز سنة 1900 يبلغ من العمر عشرين عاما، وكان رغم بلوغه سن الرشد مكتوف الأيدي أمام باحماد، هذا الجبار الداهية الذي نصبه سلطانا على المغرب ضد إرادة العلماء – كما سبق أن شرحنا ذلك – والذي لم تكن القرائن وحدها تدين تعامله مع الفرنسيين واستغلاله لنفوذه وطموحه الكبير، وإنما اضطر السلطان عبد العزيز نفسه إلى اتهامه بأنه هو الذي خان المغاربة في الصحراء، وعندما يقول شاب في سن العشرين اتهاما كهذا في حق صاحب الأمر والنهي في مملكته، فهذا إنما يفسر شعور السلطان الشاب بحقيقة ما كانت تحجبه عنه عوائق متعددة، من بينها صغر سنه.

لعل السلطان لم يكن على علم بما يجري في الصحراء البعيدة، ولكنه كان يرى ما يجري حوله من مناورات، ومؤامرات.

إن شابا في سن العشرين لا بد وأن يعرف الحق من الباطل، ويفرق بين من يضمر له السوء ومن يرغب له في الخير، وخصوصا عندما أصبحت المناورات مكشوفة ومتكررة في الفترة التي كان الفرنسيون يمارسون فيها المجازر في الصحراء، وهي مصادفة غريبة.. غريبة بشكل أوضح عندما يتعلق الأمر بالإقدام على اغتيالات عملية لإعطاء تلك المناورات طابع الجدية وإغراق المسؤولين فيها.

فبينما كان الألمانيون يبعثون مسؤوليهم إلى البلاط الملكي عارضين مساعدتهم للمغرب – كبديل لفرنسا – يتم إعدام ضابط ألماني في الدار البيضاء يسمى نيومان، ويكون إعدامه مثارا لغضبة ألمانيا، أكبر القوات الدولية في ذلك الوقت، لولا أن عامل الدار البيضاء، عبد الرحمان بركاش، تدارك الموقف واعتقل القاتل وأعدمه رميا بالرصاص في شوارع الدار البيضاء.

لكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، بل إن السكان نظموا مظاهرة في شوارع الدار البيضاء يحتجون على إعدام القاتل، ويطالبون بإطلاق سراح المعتقلين وإلغاء المحاكمات، وإلغاء الديون التي لهم على اليهود والنصارى.

ويتدخل أحد الإنجليز، ويسمى فيرنو، للتوسط بين السلطة والسكان، حيث أعطى لنفسه لقب “رفاد”، وكانت مهمته صعبة، إذ كان سكان زناتة يسطون على شواطئ الدار البيضاء ويخطفون النصارى الذين كانوا يستحمون بها، مما أعجز العامل عن فرض الأمن، حيث اقترح “الرفاد” الإنجليزي فيرنو على السلطان، تعيين عامل آخر اقترحه هو بنفسه، حيث اختار عامل مديونة أحمد بن العربي واقترحه عاملا على الدار البيضاء.

وبذلك، تم الانتقام من العامل المحافظ على الأمن عبد الرحمان بركاش، الذي طرد، ولكن الحقيقة، أن باحماد لم يقبل طرده إلا إرضاء للإنجليزي فيرنو، الذي كان يضمر العداء لبركاش منذ سنة 1894، حينما منع بركاش إحدى البواخر الإنجليزية من الرسو في ميناء الدار البيضاء.

هذه ثورة كعاصفة في فنجان.. كان من الممكن تفادي كبر حجمها لو لم يكن في تضخيمها شغل للرأي العام وللسلطان عما كان يجري في الصحراء الشرقية في تلك الأثناء.

عاصفة أخرى أثيرت في منطقة أخرى في المغرب، حيث تم جلد القنصل الفرنسي في أسفي من طرف بعض الغوغائيين، واغتيال مواطن ألماني آخر في نفس المدينة.

ولكن باحماد كان قد أخذ السلطان الشاب إلى زيان لتأديب قبائلها، كما زج به في حرب مع الشرفاء الأدارسة القادريين في مولاي بوعزة.

وهي كلها معارك جانبية كان السلطان في غنى عن أن يتم الزج به في أتونها، وإعطاء الأسبقية في انشغالاته للمشكل الحقيقي الذي كان يتمثل في الاحتلال الفرنسي لمساحات شاسعة من أطراف المملكة في الصحراء الشرقية.

ولم يكن باحماد ينبه السلطان الشاب إلى الجرف الكبير، الذي كان يغور بين السلطان ورعاياه.. رعاياه الذين أصبحوا لا يخفون استياءهم، وأصبحوا يختارون زعماءهم بعد أن اتضح لهم أن منصب الزعامة أصبح شاغرا.

وكثر الزعماء، ولم يبق الأقطاب في القبائل يحملون أسماءهم، وإنما أسماء قبائلهم ربطا للزعامة بأشخاصهم.. وهكذا بزغت أسماء الكلاوي عن كلاوة، والمتوكي عن متوكة، والكندافي عن كندافة، وهي ظاهرة لم يعرفها المغرب من قبل أبدا.

بينما تفاحش نفوذ هؤلاء الزعماء، وعوض أن يبقى للوطن زعيم واحد من السلطان، أصبح لكل قبيلة زعيمها.

وفي عهد باحماد، ولدت معارضة سياسية جديدة هي معارضة الزوايا، وقد انبرت لزعامة الزوايا عائلة عريقة لا يتناقش اثنان في شرفها، وهي عائلة شرقاوة، أصحاب زاوية بجعد، الذين يرجع نسبهم إلى الخليفة عمر بن الخطاب ولهم ارتباطات جذرية وعرقية بالزاوية التيجانية والناصرية، ذوات النفوذ الكبير في مناطق درعة والساقية الحمراء، وفي تمبكتو وما بعدها داخل حدود السودان.

كل هذه – كما نرى – معارك جانبية أثيرت، وخلقت من عدم لإلهاء الرأي العام الوطني عما يجري في الصحراء، بينما أصبحت أصابع الاتهام تجتمع في اتجاه شخص واحد: باحماد.

لكن، لم يكن باحماد هو الرداء الوحيد الذي يحجب عن السلطان الشاب عبد العزيز حقيقة الأمور.. فقد كان هناك رداء آخر يلفه بالعناية والحب والخوف على المصير، وهو أمه للا رقية، زوجة الملك الحسن الأول، التي صدمت بتصرفات باحماد وفجعت بجبروته، وشهدت كيف أن هذا الحاجب أصبح السيد المهاب الجانب، المدفوع بطمعه وجشعه إلى التفكير في الإبقاء على الحكم بين يديه رغم بلوغ السلطان سن الرشد.

ولا شك أن المفكرين في موضوع باحماد والملسوعين بسياطه، والعرافين لمخططاته، والخائفين من حُماته، لم يجدوا في إبعاده عن منصبه الحل المأمون، ولا كانت بإمكانهم – ولا شك – القدرة على مطالبته بإخلاء منصبه، لذلك كان الحل الأسهل والأنسب هو الذي وضع حدا لحياة باحماد ذات أمسية من أمسيات ماي 1900، حيث أكل شيئا.. ومات.

وشاءت الصدفة أن لا يأكل وحده، بل أكل معه ذلك الشيء أخواه إدريس وسعيد، وبذلك مات الإخوة الثلاثة.. وارتاحت البلاد.

لعل هناك مبالغة في وصف الحالة التي ترك عليها باحماد البلاد بأنها راحة.. فقد كانت الجيوش الفرنسية يوم موته تمارس استغلال الظروف التي خلقها وصنعها، وتحتل أطراف المملكة في الصحراء الشرقية، دون أن يصدر من داخل البلاد ومن عاصمة المملكة، أي رد فعل.

 

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى