الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | مؤتمر شعبي في الصحراء وإعلان قطع العلاقة مع الفرنسيين

المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 54"

تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.

وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.

تتمة المقال تحت الإعلان

كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

تتمة المقال تحت الإعلان
بقلم: مصطفى العلوي

    على ضوء المعارك التي خاضها الجيش المغربي المشترك بين قبائل الداخل وقبائل الصحراء، كان لابد لقبائل سفيان، التي تمثل أغلبية سكان مناطق الصحراء الشرقية، من المبادرة إلى إعطاء الموقف هالة من التضامن وتوحيد الصفوف، وبالتالي، إعلان الحرب على المرتزقة.

تتمة المقال تحت الإعلان

ولأول مرة في تاريخ المنطقة انعقد أول مؤتمر سياسي صدر في أعقابه أول بيان من نوعه، لازالت الوثائق الفرنسية محتفظة به، وهو يقول: ((نحن قبائل سفيان المجتمعون طوال الأيام العشرة الأولى من ربيع الأول 1313 (من 10 إلى 20 شتنبر (1895 بما فينا من علماء وشرفاء بمحضر رجال السلطة وممثلي جلالة السلطان أدام الله نصره، وتم الاتفاق فيما بيننا على أن نبقى يدا واحدة تجاه العدوان ونضرب على أيدي قطاع الطرق، وسيبلغ الحاضرون منا الغائبين)).

وبقدرة قادر، سرت روح المسؤولية في جميع الصفوف، وكان لابد من إفهام الجيش الفرنسي المحتل للجزائر، أن هناك شعبا مؤطرا في جنوب الجزائر موحد الصفوف وراء السلطان الجديد.

وإثباتا لهذه القاعدة، انبرى العامل الجديد لتوات، وهي قلب المنطقة الشرقية، فكتب إلى الحاكم العسكري الفرنسي في قلعة “فورماك ماهون” رسالة مؤرخة بثالث جمادى الأولى 1313 الموافق لأكتوبر 1895، يقول فيها: ((من خديم الأعتاب العالية بالله العبد البخاري الحاج أحمد بن رزوق البخاري، إلى جناب المحترم القبطان حاكم دائرة الأحمر وتوابعها، عليك السلام كما يجب وكما يرام، وبعد، فاعلم أننا مكلفون من طرف مولانا السلطان سيدنا ومولانا عبد العزيز، وأننا وصلنا والحمد لله في صحة وسلامة لنتذاكر معك – إن شاء الله – في الأمور التي تهم حكومتينا، وسنعمل جهدنا لتتم مذاكرتنا في أحسن الظروف الممكنة. وإننا بالمناسبة نبعث لكم أحد المرضى في إقليمنا حتى يتوصل بالإسعافات التي من شأنها أن ترد له صحته على يد أحد الأطباء من عندكم، وسيبقى عندكم إلى أن يتم له الشفاء ثم يعود إلينا، فنرجوكم أن تعتنوا به وتبعثوا لنا لائحة مصاريف دوائه لنؤديها لكم، وسيرافق هذا المريض ضابطان من ضباط جيشنا هما الشريفان مولاي عبد السلام ومولاي رشيد، فأرجوك أيضا أن تدفع لهم مؤونتهم وهي 50 كيلو من السكر، و50 كيلو من الزبدة، وعشرين رطلا من الشمع واثنين كيلو من القهوة وكيلو من الإبزار، وثمن كل هذا معهم سيدفعوه لكم.. وسنبقى على الصداقة المعهودة بين حكومتينا الموقرتين والسلام)).

فما هو مدلول هذه الرسالة؟ وما معنى أن يتحدث عامل السلطان في توات عن التعاون بين الحكومتين المغربية والفرنسية، ثم يدخل مباشرة في هذا التعاون ويعطيه طابعا إنسانيا واقتصاديا مباشرا؟ وهل كان عامل السلطان الحاج أحمد رزوق يعدم السكر والمؤونة حتى لا يعطيها لرجاله حاملي الرسالة، أم أن الرسالة هي مجرد مناورة سياسية من نسج الدهاء المغربي والمكر الدبلوماسي ؟

إن استقبال الضابط الفرنسي للمريض وللضابطين اللذين ربما كانا مجرد جاسوسين، هو محض اعتراف من طرف الفرنسيين بأن الأراضي التي يطمعون في احتلالها هي جزء لا يتجزأ من المملكة المغربية، وربما كان ذلك غلطة من الضابط الفرنسي، وكما أن حكومة المغرب بعثت لهذه المنطقة الصحراوية عاملا كالثعلب في حيله، فلاشك أن الحكومة الفرنسية بعثت هي أيضا إلى حدود المغرب ضابطا يضاهي في ثعلبته دهاء العامل المغربي.

وكانت النتيجة المنتظرة..

فقد رد الضابط الفرنسي الرسالة إلى العامل المغربي وكتب عليها: ((لا علاقات بيننا وبينكم)).

إنه منتهى المجاملة الفرنسية.

لكنه كان على أية حال إعلانا مباشرا للحرب على المغرب في حدوده التاريخية، بل إن الضابط الفرنسي، حاكم قلعة “فورماك ماهون”، لم يستسغ هذه الإهانة، فجمع جيوشه وشن هجوما غادرا على تينركوك ووصل إلى سوق “تاعنطاست” وأمر السكان بأن يتجمعوا تحت تهديد السلاح، لكن السكان الأوفياء لمؤتمر التضامن قابلوه بالرفض، ولم يجد من يكلمه، فعاد من حيث أتى..

وسارع العامل الحاج أحمد رزوق إلى إخبار حكومة السلطان بتفاصيل حادث الرسالة ورد فعل الضابط الفرنسي، واعتبرت الحكومة في جواب الضابط الفرنسي إعلانا للحرب وصفعة لحكومة السلطان الشاب، وكان لابد من رد الفعل، فصدرت الأوامر إلى المسؤولين الحكوميين في جميع أنحاء المملكة بنفس جواب الضابط: ((إنه لا علاقة بيننا وبين الفرنسيين)).

ولم يبق أمام أصحاب النفوذ العسكري في جنوب الجزائر خيار غير استعمال النهب والمرتزقة مما دعا العامل الحاج أحمد رزوق إلى دعوة السكان إلى الحذر، ودعوة الجيوش إلى اليقظة، بينما نظم مرة عملية المتابعة للمرتزقة، حيث طردتهم جيوشه وتعقبتهم حتى إلى أبراج معسكر “ماك ماهون”، واستقر في مركز “العكاية”، حيث أمر جيوشه ببناء الأبراج العالية لمراقبة تحركات المرتزقة وخبراء الجيش الفرنسي والجنود الجزائريين، فكان ذلك بالنسبة للفرنسيين مجرد إعلان للحرب، ولم يستسيغوا المقاطعة الدبلوماسية، ولا ضربات الجيش المغربي، ولا هذا التجمد الملحوظ في مخطط احتلال الصحراء الشرقية التي كانت الأوامر الصادرة من وهران تقضي باحتلالها.

وفعلا، جاءت قوات فرنسية جرارة بقيادة الكولونيل فلاماند، واحتلت تينركوك، وميكيدن، وتادماع، وكانت هذه الضربات المثلثة النتائج، كافية لإقناع العامل بأن الأمر أصبح يكتسي طابع الخطورة، وضرب ناقوس الخطر، وكتبت إلى سكان كورارة وتيدكلت وتوات، رسائل مؤرخة بتاريخ 23 رمضان 1313 الموافق لـ 8 مارس 1896، يخبر فيها عمال وقواد الأقاليم الصحراوية كلها من بوكمة إلى زاوية سيدي عبد الله، بأن ((النصارى يهددون الإسلام ويتقدمون لاحتلال المنطقة بمساعدة بعض الخونة الجزائريين أمثال سيد الدين بن حمزة))، ويطلب العامل من كل من يتوصلون برسالته، أن يتسلحوا بكل ما تقع عليه أيديهم ويهبوا لمواجهة الموقف.

وفوجئ الفرنسيون بعظمة الاستجابة وبالروح الوطنية العالية التي يتحلى بها رعايا السلطان، وربما كانوا يخشون التورط أو الهلاك فعادوا للانسحاب من المناطق التي احتلوها، لكنهم خلفوا بعض العمال العزل يحفرون آبارا للماء على طول كورارة، وعبر “العرق”، أي المناطق الرملية.. وقتها عاد العامل الحاج أحمد رزوق للكتابة إلى القيادة الفرنسية في “كيري فيل”، وفي الكولية، يحتج بصرامة على قيام بعض المهندسين بحفر آبار في أراضي مغربية، وحتى لا يدخل الضباط الفرنسيين شك في وحدة النظر واتفاق رجال السلطة، كانت رسائل العامل تحمل إمضاءات سبعة من العمال والقواد في كل المناطق التي يتم فيها حفر الآبار، لكن الضباط العسكريين الفرنسيين رفضوا رسائل العامل وردوها.

وكان رد العامل المغربي أبلغ، فقد بعث المتطوعين وقاموا بردم كل الآبار التي حفرها المهندسون الفرنسيون.

 

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى