الحقيقة الضائعة | سنة 1919.. سقوط الجنرال بويميرو
المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 174"
تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.
وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.
كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.
تتمة المقال تحت الإعلان

جرتنا المعارك التي اختار فيها المجاهدون في تافيلالت مواجهة العدو وجها لوجه في سفوح الجبال الغربية المشرفة على بطاح تافيلالت، بعد أن أخذ يوجه نيران رشاشات الطائرات إلى تجمعاتهم المكشوفة، جرتنا هذه المعارك بعيدا عن مراكز تافيلالت مثل أرفود والريصاني وقصر السوق.
ولكن الواقع هو أن هذه المراكز لم تفسح المجال للغزو العسكري الفرنسي بتلك السهولة التي قد تخطر بذهن القارئ.
ولقد تتبعنا في ما سبق كيف دخلت القوات الفرنسية من عين الصفراء لاحتلال بوذنيب سنة 1908، ولكننا سنعود مع الوثائق الفرنسية إلى المنطقة الفيلالية التي كانت مسارح لمعارك كبرى جديرة بأن تدرس في الأكاديميات، إذ لا ننسى أنه في هذه المنطقة توسعت إحدى معارك المجاهدين واخترقت صفوف القوات المحاربة، واجتازت صفوف الضباط الصغار والكبار، ودخلت مركز قيادة الجنرال بويميرو وضربته برصاص الجهاد، فسقط مصابا بجروح بليغة على ضفاف واد زيز في يناير 1919.
ولنعد إلى بداية الأحداث لنلتقي مع قوات الجهاد بقيادة الزعيم مولاي أحمد ولد السبع، الذي تعرفنا عليه في معارك بوذنيب. لقد حصلت معارك بكت لها ولقتلاها مئات الأمهات الفرنسيات، اللواتي خسرن أولادهن في معارك رمال تافيلالت، كمعركة بني وزين في مايو 1908، ومعركة بوذنيب في مايو 1908، ومعركة جرف الخلفي في غشت 1908، ومعركة بني حازم في أبريل 1915، ومعركة المسكي التي دامت من يوليوز 1916 إلى يناير 1919، ومعركة تالسينت في دجنبر 1925، ومعركة أيت وزاك في أبريل 1926، ومعركة تيزيكزاوين في أبريل 1926، ومعركة تنية الكبيرة في مايو 1927، ومعركة تنية الرجم في مايو 1928، ومعركة أنوال في 25 جوان 1928 – ولا يتعلق الأمر هنا بأنوال الريف – ومعركة العطشانة في شتنبر 1929، ومعركة بوعروس في أبريل 1930، ومعركة سكنديس في أكتوبر 1931.
ولقد قرأنا عن معارك قبائل أيت عطا سنة 1932، وسنة 1933 وسنة 1934.. فهل دخل الفرنسيون وسط الزغاريد إلى إقليم تافيلالت ؟
لقد كان الفرنسيون يقيمون أنصابا تذكارية في كل موقع معركة لتخليد أسماء الضباط الكبار المقتولين، ولكنهم بالنسبة لمعارك تافيلالت اضطروا لبناء هرم مقبرة الريش حتى يتسع لأسماء قتلاهم.
فعلى من تقع مسؤولية إزالة تلك الأثار من جميع نواحي المغرب وهي التي كانت شاهدة على بطولات المغاربة، وأزيحت حتى تمنع أجيال المغرب من التعرف على تلك البطولات ؟
ألا تقع تلك المسؤولية على بعض السياسيين الديماغوجيين الذين كانوا يريدون تبني الوطنية لهم وحدهم، ويحاولون إقبار ملاحم البطولة والجهاد الحقيقي الذي خاضته قبائل المغرب قبل أن يولد أولئك الديماغوجيين ؟
لقد حول المجاهد مولاي أحمد ولد السبع جبل كدوسة في معركة 10 مارس 1916، إلى معركة مثل معركة بوغافر التي حصلت عشرين سنة من بعد، حيث قتل في اشتباك وصفته الوثائق الفرنسية بأنه “لحظة”، خمسة وسبعون جنديا فرنسيا، وقتل في تلك “اللحظة” قائد فرقة فرنسية الليوتنان شاكان، وقائد فرقة من المرتزقة الجزائريين، الليوتنان صلاح بن حسين.
وكانت قوات المجاهدين المغاربة مركزة في مسكي، وحاولت قوات فرنسية الاستيلاء على المركز نظرا لأهميته، فاعترضهم المجاهدون في يوم 5 يوليوز 1916، وهزموهم، حيث هربت الجيوش الفرنسية هروبا قتل أثناءه القبطان بيرتان وثلاثة جنود وجرح ستة وثلاثون.
واستطاع الفرنسيون دخول قصر السوق في 7 أكتوبر 1916، بعد معارك ضارية مع قبيلة أيت بومريم، التي كانت هي أيضا تحت قيادة مولاي أحمد ولد السبع.
وعلى طول واد زيز.. كانت قوات الجهاد موزعة متركزة رافضة مستعصية، واضطر الجنرال ليوطي للقدوم شخصيا إلى المنطقة لتنظيم الدفاع الفرنسي سنة 1918، فوزع الجنرالات في كل جانب: الجنرال بويميرو في بوذنيب، والجنرال أوبير شمال تافيلالت، والتهامي الكلاوي الذي جاء لتقديم المعونة للفرنسيين، والجنرال هوري الذي سبق أن التقيناه في معارك أخرى مكلفا بالهجوم رفقة الكولونيل ماياد، وبدأت الاشتباكات حول مركز مسكي، الذي كان في قبضة المجاهدين وسقط في قبضة الفرنسيين يوم 15 يناير 1919.
وهنا في هذه المعركة أصيب الجنرال بويميرو بجروح خطيرة، وقال الفرنسيون تصغيرا للحدث، أنه أصيب بشظية قنبلة.. فهل ألقاها عليه جنوده؟ لقد كانت إصابة الجنرال بويميرو كارثة بالنسبة للجيش الفرنسي، وجاءت طائرة خاصة نقلته للعلاج، ومات بعد سنتين. يقول علال الفاسي في كتابه: “الحركات الاستقلالية”: ((إن بويميرو مات إثر إصابته برصاصتين في عموده الفقري)).
وبقي الفرنسيون في مصيدة الاشتباكات إلى سنة 1921.. لدرجة أن المارشال ليوطي أصدر أوامره للقوات الفرنسية بالاستكانة والاحتماء بمراكزها، تقول الوثائق الفرنسية: ((إن المارشال أصدر أوامره بتنويم الجبهة من منطقة الأطلس الكبير إلى الحدود الجزائرية))، واحتمى الفرنسيون بثكناتهم وامتنعوا عن التحرك إلى سنة 1926. لقد كانت لليوطي مهام أخرى في مناطق أخرى، وكان يتوق إلى انشغال المجاهدين عن الجهاد.
لكن المجاهدين لم يتوقفوا.. وهكذا نجد الليوتنان ديسياكس يخرج من ثكنته في تالسينت يوم 16 دجنبر 1925، فيشتبك المجاهدون مع فرقته في معركة لقي فيها حتفه، كما قتل موظف مغربي كان معه في تحركه، وقتل له عشرة جنود، وحاول المجاهدون اختراق الثكنة، فاضطرت القوات الفرنسية للتحرك خلافا لأوامر ليوطي، حيث جاءت قوات من ميدلت لإنقاذ ثكنة تالسينت، واستؤنفت الاشتباكات عنيفة إلى أبريل 1926، حيث قتل الليوتنان دروان في معركة بني تاجيت يوم 26 أبريل.
ولجأ الفرنسيون إلى القيام بحملة دعائية ضد المجاهدين، فكانوا يسمونهم قطاع الطرق، وإطلاق هذه الاتهامات في حق مجاهدين يضربون الجيوش الفرنسية بعنف إنما يفسر الإنهاك الذي أصاب الفرنسيين وانحدار معنوياتهم.
لقد كانوا يتصورون أن دخول هذا الإقليم الجائع العطشان سيكون من السهولة التي تتطابق وأمانيهم، ولكن الفيلاليين وقبائلهم كانوا يقاتلون غاضّين الطرف عن الظروف المادية، بل إن تقشف المجاهدين وانعدام إمكانياتهم كان يجعلهم يعاقبون كل من يطلق رصاصة في غير محلها، وأخيرا شاع بينهم تقليد جديد في قواميس القتال؛ فقد كانوا يربطون أرجل المقاتل الممدود على بندقيته حتى لا يهرب من موقعه، إلى أن ينتصر أو يستشهد، وهو منتهى وأوج الاستماتة، فكيف يوصف هؤلاء بقطاع الطرق ؟
لقد رأينا كيف استولى الفرنسيون على مركز تالسينت، وكيف كان المجاهدون يشنون عليهم الهجمات في سنة 1926، وها نحن نجد المجاهدين في أبريل 1927 لا زالوا محاصرين للمركز المحتل في تالسينت، ونشهد معركة في الطريق بين كورامة وتالسينت، يمنع فيها المجاهدون النجدات من الوصول لتالسينت، يشتبكون يوم 26 أبريل 1927 في واد غزوان ويقتلون رئيس الحامية، الليوتنان دولاط، ويقتلون تسعة جنود فرنسيين.
لقد كان الاستعماريون المدنيون هم أيضا يشاركون العسكريين في حربهم ضد السكان، ونجد قافلة من السيارات يقودها الاستعماري الفرنسي إيتيان روني مخفورا بسيارات حاملة للرشاشات، كما تقول الوثائق الفرنسية، فينصب المجاهدون لموكبه كمينا في منعرج سيدي بلقاسم يوم 18 مايو 1927، وكانت معركة حامية قتل فيها الاستعماري إيتيان، ولعله قريب إيتيان زعيم الحزب الاستعماري الذي نصح الفرنسيين باحتلال “جنة المغرب” (البستان)، وكان مع إيتيان مساعد له قتل مذبوحا.
وهبت فرقة فرنسية لإنقاذ الموقف بقيادة القبطان طوماس، اشتبكت يوم 24 مايو مع المجاهدين في تنية الكبيرة، فقتل القبطان طوماس وأربعة جنود.
استمرت هجمات المجاهدين حول تالسينت بدون توقف؛ ففي 10 أبريل 1928 وقعت معركة في تيكنريست قتل فيها ضابط لم يذكر اسمه، وعسكريان، وقتل حشد من الفرقة الجزائرية في تنية الرجم، اكتفت الوثائق الفرنسية بوصفهم بـ”حشد من القتلى”.
وهاجم مجاهدو أيت حمو فرقة فرنسية في عين العويرة يوم 16 مايو 1928، قتل خلال الاشتباك ستة جنود فرنسيين وجرح سبعة.
واشتبك المجاهدون يوم 25 جوان مع فرقة فرنسية متحركة، من التاسعة صباحا إلى الخامسة مساء، فقتل ثلاثة وعشرون عسكريا فرنسيا، وقتل الليوتنان أوجيي، والليوتنان بولني، قرب تالسينت.
وحاصر المجاهدون في حاسي بوبرنوس يوم 16 يوليوز فرقة قوية من الجيش الفرنسي، انتهت بهروب الجيش الفرنسي بعد أن قتل له أربعة وعشرون جنديا وجرح أكثر من عشرة. “أكثر من عشرة” تعبير جديد في الوثائق الفرنسية يعني ما يعني..
الوثائق الفرنسية أضافت حول هذه المعركة قائلة بالحرف: ((لا المجندون ولا الفرق المتخصصة في حرب الرمال، استطاعوا وقف الهجوم. إنها الساعات الأكثر حسما)).
لقد حاول المجاهدون منع الفرنسيين سنة 1929 من بناء مركزهم في تاردة، فكان دور القصف بالطيران ضد المجاهدين حاسما، فاتجهوا إلى المناطق الغير مكشوفة، واعترضوا فرقة فرنسية في بوعروس، و”تكبدوا خسائر فادحة” والتعبير للوثائق الفرنسية، وتضيف المحاضر الفرنسية عن معركة بوعروس يوم 8 شتنبر 1929: ((لقد سقط من بقي من الفالتين من جنودنا، في كمين لم تنفع فيه الدبابات والسيارات المصفحة حاملة الرشاشات، وقتل لنا ستة وعشرون جنديا وجرح ثلاثة عشر، وأطلقنا وراءها كل قوات المنطقة.. لكن دون جدوى)).
لقد اتسع الرقع على القوات الفرنسية، وسقطت في متاهات الهزيمة، واضطرت القيادة العليا لإسناد مهمة الحرب إلى القيادة العليا في الجزائر. صدر هذا القرار في فبراير 1930.
وأجابت قبائل أيت سغروشن وأيت حمو على القرار الفرنسي، بتصعيد الهجمات، وهكذا هوجم مركز العطشانة يوم 10 أبريل 1930 فقتل به خمسة عشر جنديا، وقتل أربعة عشر يوم 11 أبريل، وحاولت قوات إضافية إنقاذ المركز بتنظيم هجوم ليلي قتل فيه ثلاثة جنود فرنسيين وجرح ثلاثة عشر.
وجاء الكومندان سوفران بقوات لإنقاذ المراكز الفرنسية التي يحاصرها المجاهدون المغاربة، وهي مراكز باخنو، وقرب جبل بوخنوس، فقتل له في معركة 16 أبريل تسعة عشر جنديا وجرح ستة.
لقد توسعت معارك باخنو إلى منطقة أيت فرطومة ومنطقة العطشانة، واستمرت إلى سنة 1931، حيث جرت معركة كبرى يوم 25 جوان، قتل فيها سبعة عشر جنديا فرنسيا وجرح أربعة.
واستمرت المعارك ولم تتوقف إلى أن أوقفتها الوثائق الفرنسية بكتابة هذه العبارة: ((لقد تحسنت الأوضاع بالنسبة لظروف احتلال المغرب)).



