الرأي | وقفة تأمل على هامش شهر أيلول


ما إن ينتهي شهر غشت بحرارته وسمره ولياليه النديات كما قال الراحل عبد الهادي بلخياط، وشواطئه ومياهه الزرقاء ومنتجعاته السياحية الباردة، وتبدأ تلك الحركة الدؤوبة في المطارات والموانئ والطرق في الفتور.. حتى يطل علينا شهر أيلول (شتنبر) وفي طياته نكهة انتقالية فريدة؛ فهو الجسر الذي يعبر بنا من خمول الصيف إلى إيقاع الحياة المنتظم وورشات العمل، حيث يمثل هذا الشهر نقطة تحول رمزية وكونية تعيد ضبط بوصلة الأفراد والمجتمعات نحو الإنتاج والتجدد؛ ففلكيا، يحتضن أيلول ظاهرة الاعتدال الخريفي (22-23 شتنبر)، حيث تتساوى ساعات الليل والنهار تماما، وتتعامد الشمس على خط الاستواء إيذانا ببدء الخريف وانحسار حرارة الصيف، فهو يحمل هذا التوازن الكوني الذي هو دعوة ضمنية للإنسان لاستعادة اتزانه الداخلي وتنظيم شؤون حياته بعد فوضى الإجازات الممتدة.
لقد كان ألبير كامو يقول: “الخريف ربيع ثانٍ، حيث كل ورقة شجرة تُعد زهرة”، لذلك ارتبط أيلول في الوجدان الإنساني بذاكرة شعرية حالمة، جسدتها فيروز والأخوان الرحباني بأغنية “ورقو الأصفر شهر أيلول”، حيث تتداخل فيه مشاعر الحنين مع بدايات جديدة تستنهض الهمم وتلقي بظلالها الخفيفة على نفوسنا بتلك النسائم الرومانسية التي تتدحرج داخلنا بين حنين لشهر غشت الذي يحز في نفوسنا توديعه، ومحاولة تأقلم مع أيلول نبحث فيه عن تغيير نكاد نتطلع فيه لجديد، لذلك يتطلب الانتقال من أجواء الاسترخاء إلى الجد، استراتيجية تراعي مختلف الشرائح؛ فأيلول يشكل موعدا سنويا مع شغف المعرفة واللقاءات المتجددة.
ويستحضر هذا المشهد قول أمير الشعراء أحمد شوقي وهو يذكرنا بالمعلم الذي ينتظرنا ويعلم الله كيف قضى إجازته ويستعد للقاء الأجيال في مطلع هذا الشهر بنفس العزيمة ونفس النشاط ليعد صغار الأمة لذلك المستقبل الواعد الذي تنتظره الأمهات والآباء وهم يضعون أمانة التكوين على عاتق هذا “الرسول”:
قُـم للمعـلم وَفِّـهِ التبجيلا
كاد المعلم أن يكون رسـولا
ويجعل من هذا الدخول تهيئة نفسية تدريجية للأطفال والشباب، وتحويل الالتزام الصباحي من عبء إلى فرصة لبناء المستقبل وصقل المهارات.
أما الموظف والإداري، فيُعد استئناف النشاط المهني فرصة لتطبيق عادات إنتاجية جديدة، ويساعد التدرج في رفع وتيرة العمل خلال الأسبوع الأول وتجنب التراكم على تجاوز متلازمة ما بعد العطلة، مع استحضار مقولة جبران خليل جبران: “العمل هو الحب وقد تحوّل إلى حركة مرئية”.
فبالنسبة للأسرة، تمثل هذه المرحلة استعادة لجدول النوم المنتظم والتغذية السليمة، وإعادة تصميم المساحات المنزلية لتلائم التركيز والتحصيل؛ فاستئناف الحياة العامة مع إشراقة أيلول ليس عودة للروتين القاتم، بل هو تدشين لموسم بذرٍ جديد: موسم يستثمر طاقة الراحة الصيفية ليصنع منها نجاحات مهنية ومعرفية ملموسة تعيد للإنسان فاعليته وتمنحه متعة الإنجاز.
وبالنسبة للفلاح، فهو مناسبة لاحتساب ما حققه في الموسم الماضي وتأثير عوامل الطقس وتقلباته التي أصبحت العامل الرئيسي في إنتاجه دون يد له في كل ذلك، ويبدأ من جديد في تقليب الأرض والحرث والاستعداد لموسم جديد همه الوحيد انتظار تساقط أول قطرات المطر في هذا الشهر.
أما بالنسبة للمحامي، فهو مناسبة لنفض غبار الصيف على ملفاته وانتظرت ملامسة يده لإعادة تهيئتها لتقديمها رفقة مذكراته لذلك القاضي الذي يحاول أن يبت فيها بمزاج حاول تجديده بتلك الراحة التي أنسته مواعيد الجلسات وطول المرافعات.
وحتى الطبيب الذي غادر العيادة والمستشفى هربا من شكاوى المرضى، يجد نفسه من جديد أمام من ظل ينتظر دخوله ويستجدي الكاتبات للتعجيل بمواعيد الاستقبال.
أما الصحفي والكاتب الذي يظن أنه في راحة، سرعان ما تستنفره أخبار الصيف فيترك المنتجع والشاطئ، ويلهث وراء السبق الصحفي ويمسك بالقلم أو الكمبيوتر ليرسل مقاله ويحرره ويصححه ويصبر لملامة عائلته التي تذكره بأنه لا عطلة له.
إلا الفنان والكاتب والرسام والشاعر، فهو الوحيد الذي يبقى مبدعا حتى في فترات عطلته.. فكم أوحت الطبيعة التي يقصدها للراحة إلى إبداع سرعان ما يتحول إلى إنتاج جميل كما كان يقع لفريد الأطرش ومحمد عبد الوهاب وبيكاسو وطه حسين وهوغو ولامارتين وغيرهم.
لذلك اعتبرت بداية الخريف مساحة واسعة في الفكر الفلسفي والإنتاج الأدبي، بوصفه فصلا لا يقتصر على مجرد تبدل في المناخ، بل يجسد حالة وجودية مشبعة بالتأمل وإعادة تقييم الزمن والمصير الإنساني.
فقد حلل غاستون باشلار تحولات الفصول من زاوية فينومينولوجية وسيكولوجية، حيث يرى أن الخريف وبدايات شتنبر يوقظان “أحلام يقظة العودة إلى الداخل” ويدفعان الكائن البشري نحو استجماع طاقته الفكرية وبناء عزلته الخصبة بعد تشتت الصيف.
أما ألبير كامو فقد قارب هذا الموسم من منظور وجودي؛ فالخريف بالنسبة له ليس رمزا للأفول والذبول، بل هو “ربيع ثانٍ” تتجلى فيه يقظة الوعي والتمسك بالحياة والتوازن.
ويأبى نجيب محفوظ إلا أن يوظف شهر شتنبر وأجواء الخريف كرمزية عميقة للتحولات الكبرى، حيث تتزامن هجرة طيور السمان مع رحلة البحث عن المعنى والانبعاث الجديد بعد الانكسار، مؤكدا على حتمية التغيير والبدايات المستأنفة.
ويقدم الشاعر الكبير راينر ماريا ريلكه قصيدة “يوم خريفي” هذه القصيدة الفلسفية تأملا عميقا حول نضج الثمار واكتمال الحصاد، مخاطبا الإنسان لترتيب عالمه الداخلي والاستعداد لمواسم العمل والإنتاج في مواجهة تقلبات الزمن.
لكن جون كيتس في “إلى الخريف”، فتعتبر قصيدته من أبرز الكلاسيكيات الرومانسية التي كتبت في أيلول، حيث يتناول فيها وفرة الموسم وجمال النضج والامتلاء، رافضا النظرة السلبية للخريف ومُظهرا إياه كموسم حصاد وإنجاز متكامل.
بذلك تتلاقى هذه الرؤى الفكرية عند اعتبار أيلول عتبة للوعي، تتصالح فيها الذات مع انقضاء زمن الراحة لتستقبل زمنا جديدا من التنظيم، والإبداع، وتجديد النشاط الإنساني.



