الحقيقة الضائعة | الصراع على السلطة بين “بلارج” والزعيم موحى نفورتي
المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 176"

تلبية لطلب قراء “الأسبوع” الأوفياء، المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” الذين يطالبوننا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا.. يستمر طاقم الجريدة في تقديم جزء مما تركه الراحل من مؤلفات تاريخية.
كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، والذي نشرنا الأجزاء الثلاثة منه المتضمنة لأهم الأحداث التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، ثم مراحل الاحتلال.. نواصل تقديم الجزء الرابع: “الحرب المغربية- الفرنسية- الإسبانية (1906-1936)” الذي يحمل تفاصيل المقاومة المغربية ضد الاحتلال، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

تدخل المقيم العام الجنرال ليوطي لإرسال قوات تفوق الحصر، لمحاولة استرجاع المراكز، وعاد الجنرال بويميرو على رأس تلك القوات لمحاولة استرجاع قصر السوق، حيث جرح في معركة مسكي – كما سبقت الإشارة إليه – وهكذا نرى المجاهدين يقفلون الحلقة على الفرنسيين، ونجد أنفسنا ونحن نتحدث عن معارك أرفود، نلتقي مع أحداث قصر السوق في يناير 1919.
وبعد جرح الجنرال بويميرو، جاء الجنرال ليوطي شخصيا من الرباط يوم 25 يناير 1919، لقيادة العمليات. إنها الكارثة التي جعلت إقليم تافيلالت يهدد الوجود الفرنسي في المغرب.
لم يأت الجنرال ليوطي وحده، وإنما جاء معه الحاج التهامي الكلاوي على رأس عشرة آلاف مقاتل مدعومين بالجيش الفرنسي.
وجاء الجنرال هوري على رأس قوة مماثلة من السينغاليين، واستطاعت المناورات السياسية أن تستقطب عدة عناصر من المجاهدين، مما اضطر الزعيم موحى نفورتي إلى التراجع نحو الجنوب لدراسة طريقة أخرى لمواجهة المحتلين.
ورغم ذلك، أصدر الجنرال ليوطي أوامره بالامتناع عن إخراج القوات واحتمائها من جديد بمراكز أرفود وقصر السوق.
لكن الزعيم موحى فتح للعدو أربع جبهات جديدة في الجرف وفزنا وتودغا وفركلا، وابتدأت المعارك على هذه المحاور في 20 فبراير 1919، وهكذا نرى أن فترة تفكير الزعيم موحى لم تدم طويلا، وحاول احتلال مركز مولاي إبراهيم ومركز السيفا ومركز العشورية، متحديا طائرات العدو ومدافعه، علما أنه في ذلك الوقت لم يكن المجاهدون يتوفرون على صواريخ “سام” ولا المدافع، وإنما كان سلاحهم الإيمان والسيوف والبنادق.
وكان الفرنسيون في أزمة كبرى.. إلى أن مهدت لهم الظروف بحادثة مؤلمة، لم تكن في حسبانهم، فواتتهم بفرصة لم يكونوا يحلمون بها.
ففي شهر جوان 1919، حصل نزاع بين البطل الزعيم موحى نفورتي وخليفته بلقاسم النكادي، المعروف باسم “بلارج”، والصراع على السلطة كان هو الباب الذي يدخل منه الأعداء، وقد أخرج بلقاسم النكادي مسدسه وأطلق النار على الزعيم موحى، الذي لم يقتله الفرنسيون رغم عشرات المعارك، وإنما قتله نائبه وأمين سره.
وكانت كارثة فتّت في عضد المجاهدين، الذين انقسموا.. فاستطاع الفرنسيون الاستفادة من العملية، وعرفت المنطقة هدوءً دام عشر سنوات، ولكنه هدوء لم يعلن مطلقا نهاية المقاومة.
ففي 14 أكتوبر 1926، وبينما كان الفرنسيون يبحثون عن تجمعات المقاومين في نواحي تافيلالت، لمحت إحدى طائرات الاستطلاع الفرنسية في التراب الجزائري، فيالق من المجاهدين تتحرك انطلاقا من منطقة الجيهاني في اتجاه بشار بالجزائر، فتحركت قوات بقيادة الليوتنان فيوري لتعقبهم، وحصل اشتباك بين مجاهدي أيت حمو المغاربة، والقوات الفرنسية على التراب الذي ألحقته فرنسا بالجزائر، واستعملت الوثائق تعبيرا جديدا في تعداد القتلى في هذه المعركة التي خاضتها فرقة الليوتنان فيوري، وقالت حسب هذا التعبير الجديد: ((لم يبق من الفرقة إلا سبعة جنود فرنسيين أحياء..)).
وجاءت فرقة أخرى لنجدة فرقة الأموات من ناحية زيز، وحصلت معركة أخرى قتل فيها خمسون عسكريا فرنسيا وجرح واحد وعشرون.
وجاءت قوات ثالثة بقيادة ليفيك لإنقاذ الفرقة الثانية، ولكنهم لم يجدوا أحدا، وأخبرتهم طائرات الاستطلاع أن قوات المجاهدين دخلت من منطقة بشار واتجهت داخل تافيلالت.
سنة 1932.. المعارك تتوسع إلى الساورة وتوات
ولا بد من التوقف بعض الوقت عند سرد هذه الحادثة التي أوقفت مصاعب الفرنسيين من سنة 1919 إلى سنة 1920؛ هذه الحادثة التي اغتال فيها المسمى بلقاسم النكادي رئيسه الزعيم حمو نفورتي، وأعقبها هدوء في منطقة أرفود وقصر السوق.. فهل كان بلقاسم النكادي عميلا للجيش الفرنسي، اغتال الزعيم الذي أقض مضاجع الجنرال ليوطي ؟
فالأحداث التي عرفتها منطقة الريصاني، جنوب أرفود، تعطي الجواب العكسي.
إن الحقيقة هي أن بلقاسم النكادي أخذ الزعامة لنفسه، وصفى قائده الذي كان يختلف معه في طريقة الجهاد، وربما قام بانقلاب تصحيحي، فلم يكن بلقاسم النكادي بأقل عداوة للمستعمر المحتل من زعيمه حمو، بل إنه أصبح زعيم الجهاد الحقيقي.. وهكذا أصبحت قوات الجهاد جنوب أرفود خاضعة لنفوذ الزعيم الجديد النكادي.
لقد فتح النكادي الحدود مع مناطق النفوذ الفرنسي في الجزائر، وعاد بالسكان إلى سابق عهدهم عندما كانوا يضربون الفرنسيين في القنادسة وتوات وتدكلت.. وخاض معارك ضارية سجلها الفرنسيون في سجلات الجيش الفرنسي بالجزائر.
وكانت أهم المعارك التي خاضها في بشار في دجنبر 1928 داخل التراب، الذي أدمجه الفرنسيون في الجزائر، قتل فيها الكولونيل كلافييري مع حشد من الجيوش الفرنسية في الجزائر، وهنا تغيرت خريطة الوضع، وأصبح الفرنسيون أمام خطر الفيلاليين بزعامة بلقاسم النكادي، إذ أصبحوا يُضرَبون في عمق نفوذهم في الجزائر، وفي بشار بالذات.
وتعززت القوات الفرنسية القادمة من الجزائر، ومن المغرب، في مناطق الطاوس وزرزور، حيث أصبحت المنطقة منطقة حرب كبرى في فبراير 1930، فانضافت قبائل أيت خباش إلى قوات النكادي بعدما دفنوا خصام الماضي، وهبّوا لمواجهة الانتشار الفرنسي قصد حماية الحدود على اتساع الحمادة جنوب الطاوس.
وتركز المجاهدون في مركز القمقيمية، ومن هناك نظموا هجوما على التجمعات الفرنسية في معركة ليلة 12 يوليوز 1930، قتل فيها أربعة فرنسيين وجرح ستة، ((.. وانسحبت قواتنا في اتجاه ارفود)) حسب ما تقوله الوثائق الفرنسية.
نفس الوثائق تعترف بأن ((المجاهدين لو يتوقفوا عن توجيه الضربات الموجعة إلى الجيوش الفرنسية المشتتة في الحمادة)).
وفي فبراير 1931، تحركت قوات فرنسية إضافية من الحدود الجزائرية بقيادة الجنرال جيرو، الذي عين قائدا للمنطقة الحدودية، ووضعت الحكومة الفرنسية رهن إشارته إمكانيات مالية وعسكرية، وخبراء في اتصالات مع السكان لشراء الضمائر وخلق المشاكل بين فرق المجاهدين، ولكن هذا لم يمنع المجاهدين من الاستمرار في توجيه الضربات؛ ففي 3 مارس 1931 هاجموا قوات الجنرال جيرو في الطاوس وقتلوا له ضابطا لم يذكر اسمه، وكان الجنرال جيرو منهمكا في توزيع الأموال، وبذلك استطاع كسب قبيلة أولاد هارون، الذين كان لهم دور كبير في الجهاد.
واستمرت قبيلة أيت حمو بزعامة النكادي وحدها في تلك المنطقة، واعترضت يوم 4 أبريل 1931 فرقة متحركة بالسيارات المصفحة في مركز درقاوة، حيث قتل ثلاثة فرنسيين وقتل الليوتنان بلان، وهاجموا يوم 15 أبريل التجمع الفرنسي في مرزوڭة، وأفنوا الفرقة عن آخرها، وتقول الوثائق الفرنسية: ((لقد اضطرت فرقتنا للهروب دون التمكن من جمع الجثث التي بقيت مشتة)).
وأحاطت القوات الفرنسية بإقليم تافيلالت بأجمعه، حتى يبقى المجاهدون محاصرين وسط الإقليم، واضطر الفرنسيون لإدماج منطقة الساورة في الحصار، وهو عنصر هام جدا؛ فقد كانت الساورة قد تم احتلالها وإدماجها في النفوذ الفرنسي سنة 1900، ولكن دخولها في الجهاد سنة 1931 غير واقعها، حيث أسندت قيادة الجيش المراقب لها إلى الكولونيل دوني، التابع لقيادة تافيلالت، وحصلت معارك قوات الكولونيل دوني مسنودا بقوات الكولونيل ترانكي في مناطق كانت محسوبة على الساورة، كمعركة الصفا، التي حصلت في 15 يناير 1931، وتحركت الدبابات لخوض معركة ضد قوات النكادي من ساقية السيفيا، وفي الفردا، وفي الزريا..
في نفس اليوم، اعترضت قوات النكادي فرقة متحركة بقيادة الليوتنان دورياش، فقتل الضابط الفرنسي وقتل معه ستة جنود فرنسيين وجرح أربعة.
واستمرت المعركة تحت جنح الظلام، وتوسعت إلى مركز تاكرومت.. وأشرق صباح 16 يناير والمعركة مستمرة.. فاضطر الفرنسيون للجلاء نحو تيزي نوشان.
ولقد استمرت الحرب رغم الوجود الكبير للقوات الفرنسية وفي معارك كان الفرنسيون يدفنونها في غياهب السر تفاديا للضجة في البرلمان الفرنسي.
وهكذا نجد الوثائق الفرنسية تتحدث عن معاركها مع قوات النكادي في 12 أكتوبر 1932 في زاوية المعطي، واستمرت المعركة يومين، وبعد تلك المعركة اضطر الفرنسيون إلى استقدام قوات من تابلبالا في الأقاليم التي احتلها الفرنسيون سنة 1900. وهكذا نجد أثار الجهاد وقد أدركت المناطق التي اغتصبها الفرنسيون منذ اثنين وثلاثين سنة وأدمجوها في التراب الجزائري، وتوسعت المعارك من تابلبالا إلى حاسي شامبا، وإلى زكدو، ذلك أن الحرب لم تتوقف سنة 1932، وتقول الوثائق الفرنسية: ((إن محاربينا كانوا يضيعون في جنبات تافيلالت)).
وجنبات تافيلالت شاسعة واسعة.. فضياع الفرنسيين، إذن، كان في أهميته وضخامته يضاهي شساعة تافيلالت، وإنما نجد الفرنسيين يبحثون عن التعابير الجديدة في كل تقرير ليدفنوا في تركيباتها حقيقة ما كانوا يعانونه بعد واحد وعشرين سنة على إمضاء الحماية.



