الحقيقة الضائعة | تاحيانت وتيحضارين وتيزي ميجيدير.. المعارك المغربية التي هيجت الرأي العام الفرنسي
المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 173"
تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.
وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.
كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

نظم المجاهدون هجوما كبيرا على المركز الفرنسي في قصر إيكلي يوم 9 مايو 1929، ومن هناك فتحوا الطريق إلى البرج ودخلوه بالقوة يوم 10 ماي، فاستنجد القبطان الفرنسي موراس بالطائرات التي جاءت لتطلق رشاشاتها على المجاهدين، وكان عدد الشهداء المغاربة مرتفعا جدا، ولكن الاستشهاد لم يفت عضد المجاهدين الذين استأنفوا هجماتهم في الشهر الموالي، يوم 8 جوان 1929، جنوب أيت يعقوب، قتل فيها عدد كبير من الجنود اكتفى التقرير الفرنسي بقوله: ((هناك أموات وجرحى، ولكن الجيش الفرنسي انسحب))، وحاول الكومندان إيمانويل التقدم نحو البرج، لكنه اضطر لإصدار أوامره لجيشه بالانسحاب، يعني الهروب. هنا ظهر عنصر جديد تحدثت عنه الوثائق الفرنسية، وهو عنصر الاتصال اللاسلكي، حيث قالت الوثائق الفرنسية: ((لقد استأذن الكومندان إيمانويل رئيسه في الانسحاب بواسطة اتصال بجهاز صغير كان يحمله، فأذن له بالانسحاب، ولكن المجاهدين قطعوا عليه طريق الانسحاب هو وجنوده عند نقطة تاحيانت)).
لقد كانت معركة تاحيانت واحدة من أكبر المعارك التي خاضها الفرنسيون في تافيلالت في جوان 1929، حتى إن التناقض طبع تسجيلهم لوقائع هذه المعركة؛ فبعد أن ذكروا بالحرف: ((هوجم جيشنا من جميع الجهات، وأُفني كل رجالنا..))، عاد ليذكر عدد القتلى وأحصاهم كما يلي: ((أولا: قتل قائد الفرقة الكومندان إيمانويل، الذي استأذن في الانسحاب، وقتل القبطان نوري، وقتل الليوتنان هونيون، وقتل الليوتنان لومارشان، وقتل الليوتنان بيرون، وقتل ثمانون عسكريا)). لا شك أنها صيغة أخرى لما وصفوه بالفناء.
ألم نر كيف انتقم المجاهدون الفيلاليون لأرواح الشهداء الذين اغتالتهم رشاشات الطائرات في 10 مايو، وجاء انتقامهم بعد مرور شهر واحد، وبالضبط في 10 جوان ؟
إن المعركة لم تنته هكذا بفناء هذا العدد الكبير من الضباط والجنود الفرنسيين؛ فقد أصبح المجاهدون أسياد الموقف، فهاجموا مركزا فرنسيا آخر قرب البرج، أحاطوا به من كل جانب، بعدما زاد حماس الفيلاليين بانتصارهم، وكان الهجوم على المركز في ليلة 18 جوان 1929 وصباح 19 جوان، فاحتلوا المركز الفرنسي.
وجاءت الطائرات التي كان قائد أفواجها الكومندان أستيي دو لافيجري، الذي أصبح شخصية سياسية فيما بعد، وكانت طلعات طائراته لا تتوقف عن قصف فلول المجاهدين المحيطين بالمركز الفرنسي، وهدمه عليهم بعد احتلالهم له.
وفي نفس الوقت، وصلت قوات كبرى من مكناس بقيادة جنرال جديد، هو الجنرال نييجر، الذي عبرت قواته الأطلس يوم 19 جوان، وأحاط بالمجاهدين في أيت يعقوب واشتبك معهم في معركة، يعتبرها الفرنسيون من أكبر المعارك في تاريخهم الاستعماري بالمغرب.
ويقول الفرنسيون أن قوات الجنرال نييجر عدت ستمائة قتيل من المجاهدين بعد المعركة، لكن القوات الجديدة لم تجد غير القتلى المغاربة؛ فقد وجدت جثث الفرنسيين الذين كانوا في المركز، بدءً بجثة قائد المركز الكومندان فريكير.. فكم عدد القتلى في صفوف الفرنسيين في معركة أيت يعقوب ؟
لعل وصف المعركة يغني عن ذكر عددهم.. ما دام القائد قد قتل.
وسكتت الوثائق الفرنسية عن عدد القتلى الفرنسيين في معارك تاحيانت، لكن هذا السكوت لم يقبله الرأي العام الفرنسي، الذي كان يتتبع هذه المعارك من باريس، وثارت من أجله ضجة كبرى في فرنسا وصحافتها، و((طالب النواب في البرلمان بمعرفة عدد القتلى وبالانسحاب من هذه المحرقة المغربية، بعد أن اتضح للرأي العام أن هذا المغرب الذي طلب النجدة الفرنسية والذي استسلم سنة 1914، لا زال يذبح الضباط والجنود الفرنسيين في شعاب المغرب وجباله)) (المرجع: محاضر الجريدة الرسمية الفرنسية / غشت 1929).
إن تاحيانت والبرج لم تعرف الراحة بالنسبة للفرنسيين رغم قوات الجنرال نييجر، الذي كان قائدا لجبهة عشرين كيلومترا مربعا، بل استمرت الاشتباكات إلى نونبر 1929، وكانت قبائل أيت مرغاد مستقرة حول إيكلي لا تتزحزح عنها.
وبقي الحال على ما هو عليه إلى شهر فبراير 1930، والمعارك مستمرة لا يذكر الفرنسيون نتائجها خوفا من الضجة في البرلمان الفرنسي.. إلى أن حصل اشتباك لم يستطع العسكريون ستره في شهر يوليوز 1930؛ فقد كان الجيش الفرنسي في تيحضارين حينما هوجم من طرف مجاهدي أيت عيسى وأيت حمو، صباح 13 يوليوز 1930، فأصيب الفرنسيون بذعر شديد وصفه المحضر الفرنسي الذي كتبه فوانو بهذه العباراة: ((لقد تحركت جيوشنا في فوضى، ولم تعرف كيف تنسق دفاعها، وقتل في هذه المعركة تسعة وعشرون جنديا فرنسيا وقتل الليوتنان سيرو، وجرح ثلاثة وعشرون)).
وكان الفرنسيون قد بنوا مركزا قرب إيكلي فهاجمه المجاهدون يوم 26 يوليوز، وقضى الفرنسيون شهورا طويلة في حالة حصار وسط رصاص المجاهدين وخطر الموت، متحصنين في مراكزهم بدليل أن المجاهدين حاولوا احتلال إيكلي مرة أخرى في معارك بدأت ليلة 24 مايو 1931، لتقفل حلقة سنة كاملة من المعارك في 23 يوليوز 1931، حيث جرت معركة مع المجاهدين في ذلك اليوم.
ولم يستطع الفرنسيون دخول مراكز غريس وتاديكوست إلا في 18 نونبر 1932، بعد أن خاضوا معارك في مختلف الجهات كمعركة 19 مايو 1932، وقد قتل فيها ضابط فرنسي لم يذكر اسمه وقعت في إيملوان، ومعركة في 21 مايو حصلت في إميلاغو قتل فيها ضابط فرنسي آخر لم يذكر اسمه وقتل جنديان.
ومعركة أخرى في تيزي ميجيدير قتل فيها يوم 26 مايو الليوتنان كورديي، وقتل واحد وثلاثون جنديا وجرح ثلاثة بينهم القبطان سيكو.
ومرة أخرى تضطر قوات فرنسية أخرى للتحرك في اتجاه منطقة البرج قادمة من مكناس، لتسند قوات الجنرال كودو، وهذه المرة جاءت القوات مكونة من ثلاثة فرق من الجنود الجزائريين، ولكن الجديد هو الدبابات والشاحنات حاملات الرشاشات بعيدة المدى.. إنها الحرب بكل معنى الكلمة.
لقد كان مخطط الجنرال كودو هو القضاء على معاقل قبيلة أيت حديدو العنيدة واحتلال الممرات الصعبة في تازارين وفي أيت حطاب، ولكن مجاهدي أيت حديدو كانوا لهذه القوات بالمرصاد عند تازروالين، حيث خاضوا معركة كبرى ضد القوات الفرنسية يوم 6 يوليوز 1932، مما اضطر الفرنسيين إلى الاستنجاد بقوات تادلة، وقوات إضافية من مكناس، قدرت بخمسة آلاف عسكري إضافي لتنفيذ حصار جبال تازروالين التي لم يستطيعوا دخولها.
إن الفرنسيين كانوا يتذكرون في تلك الساعات الأولى من صباح 22 يوليوز، وهم واقفون في سفوح تازارين يتطلعون إلى قمة إيسوفا، معاركهم في الهري، وفي تاحيانت، مستنجدين في كل معركة بتجارب المعركة التي سبقتها، ومتسائلين عن التكامل بين شموخ جبال المغرب وصمود رجاله.
وكانت المدافع لا تتوقف عن قصفها في كل اتجاه، بينما كان المجندون المغاربة في صفوف جيش الفرنسيين يُرْمَون إلى أتون النار كالحطب ليفتحوا الطريق للقوات الفرنسية.
وقال الفرنسيون أنهم لم يخسروا من جنودهم إلا ثلاثة قتلى.
ولكن المعركة استمرت صاخبة في واد الدمومة، حيث قتل للفرنسيين الليوتنان سان جيرمان وقتل خمسة جنود، وجرح ثلاثة يوم 23 يوليوز.
ونرى من هذه المعارك أنها توسعت غربا نحو جبل ملول، الذي كانت معارك أخرى سبق الحديث عنها، تجري مع مجاهدين آخرين من تادلة والأطلس المتوسط.
واستمرت الاشتباكات، حيث كانت قوات الجنرال كودو مصرة على إفناء قبيلة أيت حديدو، التي دخلوا إلى مراكزها فوجدوها مقفرة من سكانها، وتذكر الوثائق الفرنسية أن الطائرات كانت قد قصفت المنطقة بعنف، فكيف يمكنهم أن يجدوا سكانا في المواقع التي قصفتها الطائرات.. ؟
لكن المجاهدين المغاربة لم يكلُّوا ولم يَهِنوا.. لقد هاجموا بقوة كبيرة في 25 أكتوبر 1932، تجمعا للقوات الفرنسية في مركز عقا تافرسيت، خجل الفرنسيون من ذكر عدد قتلاهم، واكتفوا مرة أخرى بالحديث عن مقتل القبطان كيطو وحده.. وكأنه مات بالتخمة.
كما قتل جنديان فرنسيان في منطقة أيت علي وعسو، والواقع أن الفرنسيين تاهوا في شعاب المنطقة وجبالها ووديانها، التي تحولت إلى ترسانة للمدافع والدبابات والرشاشات المنصوبة على كل مرتفع من الأرض، وفي كل منعرج كانت قوات المجاهدين تضربهم بعنف، وكان الفرنسيون عاجزين عن اختراق معاقلهم في المنطقة، فنرى أن الجنرال جيرو لم يدخل مرتفع أماوس إلا في 11 جوان 1933، ولكنه أراد التقدم نحو منطقة تارجي يوم 12 جوان فاعترضه المجاهدون واشتبكوا مع قواته في معركة قتل فيها ثلاثة جنود فرنسيين وجرح تسعة.
إن الفرنسيين الذين كانوا مصرين على احتلال المناطق الشرقية في سفوح الأطلس الكبير، لم يستطيعوا احتلال كل المناطق واعترفوا بهذا في وثائقهم.
لقد استمر الجهاد، ولم يتوقف.. ألم يقتل الليوتنان فيليبون في نقطة إسل يوم 26 جوان 1934 في معركة قتل فيها عدد من الجنود الفرنسيين، أم أن هذا الضابط قتل وحده في معركة كان فيها وحده !؟



