تحقيقات أسبوعية

تقرير يسلط الضوء على الفجوة بين الدولة والجهات في تنفيذ العقود والبرامج والإطار التشريعي

     تعرف العلاقة بين الدولة والجهات تبايناً بسبب غياب منهجية واضحة أو رؤية بعيدة المدى تؤطر العلاقة وتبرز الآفاق المنتظرة منها، لاسيما في ظل ضعف الأساس القانوني ومحدودية التدابير المواكبة، رغم ما يُروّج حول الجهوية المتقدمة وضرورة تفعيل المسار اللامركزي ومنح الجهات صلاحيات واختصاصات بعيدة عن المركز ووصاية السلطة التنفيذية.

يكشف تقرير لمعهد تحليل السياسات العمومية عن العلاقة بين الدولة والجهات، من خلال ما منحه دستور 2011 من ضمانات نوعية لتقوية مجالس الجهات، والقانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات -الصادر سنة 2015- ضمن مساعي الانتقال من جهات ذات صلاحيات إدارية “محدودة” إلى جهات “قيادية” تحظى بمهام متقدمة في تنفيذ وتنسيق برامج التنمية الجهوية.

تتمة المقال تحت الإعلان

وترتبط الجهات مع الدولة بعقود وبرامج تُعتبر آلية لتحقيق الرهانات التنموية الجهوية، لكن السؤال يكمن: إلى أي مدى يمكن أن تساعد عقود البرامج بين الدولة والجهات في تنزيل ورش الجهوية المتقدمة في المغرب؟ وهل هناك ثغرات تجعل هذه الجهات مقيدة أمام وصاية المركزية، أم أن المجالس ما زالت خاضعة لسيطرة سلطة الوصاية؟

تتمة المقال تحت الإعلان

ويؤكد التقرير أن بعض الجهات افتقدت إلى المرجعيات اللازمة لأجرأتها، مثل عدم التوقيع على اتفاقيات الشراكة بينها وبين القطاعات الوزارية، كما هو الحال بالنسبة لجهات الشرق وسوس-ماسة وطنجة-تطوان-الحسيمة، فيما لم تبذل الجهات الخمس المتبقية أي مجهود لتجسيد آلية التعاقد بينها وبين الدولة، رغم معاناتها من قصور هيكلي في تمويل مخططاتها التنموية. وهو ما يكرّس حالة من الازدواجية في المسار الجهوي الجديد، بين جهات تُحاول استنفاد الحلول المتاحة لتدارك التأخر التنموي وجهات أخرى لا تزال تُدبَّر بعقلية ما قبل الجهوية المتقدمة.

تتمة المقال تحت الإعلان

كما أبرز أن المجالس الجهوية المنبثقة عن انتخابات أكتوبر 2021 بدورها تأخرت أكثر من اللازم في سيرورة اعتماد عقود البرامج؛ فإلى حدود منتصف أكتوبر 2024 لم تُصادق مجالس الجهات على عقود البرامج الخاصة بتنفيذ مشاريع التنمية ذات الطابع الاستعجالي المضمنة ببرامج التنمية الجهوية للفترة 2022-2027، وذلك لأسباب عديدة، كالتأخر الحاصل في إعداد هذه البرامج والتأشير عليها، وعدم احترام المساطر الخاصة بتحديد مشمولات عقود البرامج. إذ يُنتظر أن تتمكن بعض المجالس في الأفق القريب من اعتماد عقود برامج واعدة من حيث الغلاف المالي، كمشروع العقد البرنامج بين الدولة وجهة الرباط-سلا-القنيطرة الذي يناهز 21 مليار درهم، ومشروع عقد جهة طنجة-تطوان-الحسيمة الذي تقارب قيمته 6 مليارات درهم.

وبحسب التقرير، فإن حصيلة الجيل الأول تُبرز وجود استخدام محدود لعقود البرامج بين الدولة والجهة لتنفيذ المشاريع ذات الأولوية في برامج التنمية الجهوية، حيث اقتصر الجيل الأول لعقود البرامج على أربع جهات فقط. كما يلاحظ الأفق الواعد لعقود البرامج المصادق عليها، حيث بلغ غلافها المالي 23.5 مليار درهم لتنفيذ 197 مشروعاً، بنسبة تمثل 22% من التكلفة المالية لمشاريع التنمية الجهوية للجهات الأربع. ويمكن أن تشكل التحويلات المالية للقطاعات الوزارية والمؤسسات العمومية عاملاً مهماً لتغذية التمويل الجهوي للتنمية، إذ إن العديد من المشاريع الكبرى المهيكلة الواردة في برامج التنمية الجهوية لم يكن من الممكن أن ترى النور لولا إدراجها كمشاريع ذات طابع استعجالي ضمن عقود برامج تُنفذ بموجب اتفاقيات شراكة بين المجالس الجهوية ومختلف تعبيرات السلطة المركزية. ومن شأن ذلك أن يُجسّد بالملموس الدور الريادي للجهات في قيادة التنمية الترابية.

وأوضح التقرير أن من شأن تدعيم هذا التوزيع المتوازن للمشاريع بين مختلف المكونات الترابية للجهات أن يساعد على التخفيف من حدة الفقر والإقصاء والبطالة بمختلف المناطق، بدل الاقتصار على مراكز الجهات، في ضوء التجربة الفرنسية حيث أصبحت عقود المشاريع بين الدولة والجهات (CPER) تساهم بشكل فعال في تحسين المؤشرات التنموية الجهوية في المجالات ذات الأولوية كالسكن الاجتماعي والتنمية الحضرية والتكوين المهني والتنمية القروية. كما يُنتظر أن تمكن آلية التعاقد الترابي من تجسيد التدبير التعاضدي للتنمية الترابية، إذ تتيح مرونة عقود البرامج وطابعها التقاطعي التوظيف التشاركي للموارد والوسائل المتاحة لدى القطاعات الوزارية والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية من أجل تسريع وتيرة إنجاز المشاريع التنموية وتعظيم آثارها.

ويكشف التقرير عن وجود بعض الصعوبات في تنفيذ العقود؛ إذ إن معدل إبرام هذه الاتفاقيات لم يفِ بالمواعيد التعاقدية المحددة. ففي الواقع، يتعلق 26% منها ببرامج ومشاريع تم التعاقد بشأنها قبل توقيع العقود بين الدولة والجهات. ونتيجة لذلك، يظل الجدول الزمني لمساهمات الشركاء غير متسق مع الجدول الزمني المؤقت المنصوص عليه في عقود الدولة-الجهات؛ حيث لم يتم إبرام 50% من هذه الاتفاقيات إلا في السنة الثانية بعد دخول عقود البرامج حيز التنفيذ، رغم أن هذه الأخيرة تنص على إبرامها خلال أجل لا يتعدى ثلاثة أشهر. الأمر الذي أثر سلباً على احترام الجدول الزمني لتنفيذ البرامج والمشاريع ذات الأولوية؛ إذ يظهر تقييم التنفيذ الفعلي للمشاريع المنصوص عليها في العقود المبرمة بين الدولة والجهة (2020-2022) أن نسبة المشاريع المنجزة بالكاد انتقلت من 7% في 2022 إلى 9% في 2024، وهو ما يتنافى مع الطابع الاستعجالي والمحدود زمنياً لعقود البرامج التي من المفروض أن يتم تنفيذها داخل الأجندة المحددة تماشياً مع رهانها كآلية لتسريع ديناميات التنمية الجهوية.

ويضيف أن هذا الوضع يرتبط بالتأخر الحاصل في تقنين ومأسسة التعاقدات بين الدولة والجماعات الترابية، وما لذلك من تداعيات على محتوى عقود البرامج ورهاناتها وضمانات تنفيذها، كما يُطرح الأثر السلبي لثقل الرقابة الإدارية أمام تعقّد وطول مسطرة التأشير، إضافة إلى ضعف الوعي بأهمية التعاقد لدى القطاعات الوزارية. كما لم يساعد تأخر تعيين رؤساء التمثيليات الإدارية القطاعية والمشتركة على مستوى الجهات وتفويض الاختصاصات التقريرية إليهم على تيسير مسطرة التشاور حول مضمون هذه العقود بين الجهات والقطاعات الوزارية المعنية. وتُثار أيضاً مسؤولية المجالس الجهوية التي لا يلجأ معظمها إلى تصنيف المشاريع المزمع إنجازها في إطار تعاقدي خلال مرحلة إعداد برامج التنمية الجهوية.

وسلّط التقرير الضوء على التداعيات السلبية التي قد تؤثر على الرهانات المعقودة عليها في ظل العديد من التحديات التي تحد من أثرها التنموي والديمقراطي، منها تعميق التفاوتات المجالية، بحيث تم التعويل على عقود البرامج من أجل التخفيف من حدة التفاوتات المهولة بين مختلف جهات المملكة، لتوحيد سرعة التنمية الجهوية. لكن محدودية التدابير المصاحبة يبدو أنها لن تُغيّر بالمستوى المطلوب من وتيرة التفاوتات في إيقاع التنمية الاقتصادية والاجتماعية بين جهات “نافعة” تسير بسرعة صاروخية (Régions utiles)، وجهات “غير نافعة” لا تزال تُسجّل مؤشرات تنموية دنيا (Régions inutiles). الأمر الذي سينعكس سلباً ليس فقط على الوضع الاقتصادي والاجتماعي للجهات الضعيفة، بل أيضاً على دورها القيادي في تنشيط التنمية بإطارها الترابي؛ إذ كيف يُمكن الرهان عليها في دعم الجماعات التي تتواجد في مجالها الترابي وهي عاجزة عن تنفيذ برامجها الخاصة وتجسيد ما تتوفر عليه من صلاحيات رحبة لا توازيها الإمكانات المرصودة؟

وأفاد التقرير أنه في غياب إطار مرجعي يضبط حكامة تدبير التعاقدات، فإن عقود البرامج قد تشكل منفذاً للسلطة المركزية للتحكم في القرار الجهوي، على نحو قد يحد من استقلالية القرار ويخلق تدبيراً ترابياً موازياً تكتفي فيه المجالس الجهوية بضخ التمويلات والمصادقة على قرارات صيغت برهانات وحسابات مركزية، الأمر الذي من شأنه تبخيس التوجه الديمقراطي لمشروع الجهوية المتقدمة. ونذكر في هذا الصدد الحالة الفرنسية حيث أدخلت آلية التعاقد الحكامة الترابية في حالة من عدم اليقين، خاصة فيما يتعلق بإعادة تموقع الدولة كفاعل مهيمن يسعى باستمرار لتوجيه عقود البرامج لخدمة رهانات “المركز” على حساب الأولويات التنموية للجهات.

ووفق التقرير، فإن الملامح السلبية لعقود البرامج تُبرز وجود قصور هيكلي في تصميمها وتنفيذها، لكن ذلك لا يعني الاستغناء عن هذه الآلية المهمة؛ فمن الطبيعي أن تُسفر المرحلة التجريبية عن بعض التحديات. كما أن ضعف الإطار المرجعي للتعاقد الترابي بين السلطة المركزية والجماعات الترابية قد ولّد فراغات تشريعية ومؤسسية أثرت على رهانها التنموي. لذلك، يتعين إعادة توجيه عقود البرامج لجعلها تخدم الرهانات الاستراتيجية المتوخاة منها، مع تصحيح الإشكالات التي تعيق تنفيذها في ضوء مآلات عقود المشاريع بين الدولة والجهات في فرنسا.

وأوصى التقرير بتقوية الاستقلال الإداري والمالي الجهوي، من خلال حكامة الفعل العمومي، ومنح الجهات كتل اختصاصات حصرية (blocs de compétences) تؤهلها لقيادة مسار التنمية ضمن نطاقها الترابي، وهو ما يفرض التجسيد الأمثل لمبدأ التفريع في توسيع وتدقيق الاختصاصات الذاتية للجهات للحد من تداخلها مع مهام باقي الفاعلين المركزيين والترابيين. كما يتعين تسريع عملية نقل الاختصاصات المشتركة على أساس شبكة تنقيط (scoring) لتقييم القدرات التدبيرية للجهات، بالموازاة مع تدعيم الوعاء المالي لجعل المجالس الجهوية قادرة على تفعيل الاختصاصات المسندة إليها في ضوء مقتضيات مبدأ التناسب، بما يفضي في نهاية المطاف إلى تحصين الاستقلالية المالية للجهات التي تُعد الضمانة الأساسية لإنجاح كل مسار تعاقدي.

وشدد على ضرورة التأطير التشريعي لمسار تصميم وتنفيذ عقود البرامج بما يحفظ الحرية التعاقدية للجهات، التي تُعد المرتكز الأساسي للتعاقد الترابي، بدل الاستمرار في ضبط منهجية التعاقد الترابي بموجب دوريات. ويتعين التسريع بإخراج النص التنظيمي الخاص بتحديد شكليات وشروط إبرام وتنفيذ العقود بين الدولة والجماعات الترابية، من خلال التحديد الواضح لأدوار كل من ممثلي السلطة المركزية والمجالس الجهوية، مع التنصيص على الطابع الملزم لاتفاقيات الشراكة بين الجهات والقطاعات الوزارية والمؤسسات العمومية المعنية، للحيلولة دون تملص الأطراف المتعاقدة من التزاماتها المالية، على نحو يؤدي في الكثير من الحالات إلى توقف مشاريع تنموية مشتركة كان بإمكانها أن تغيّر جذرياً من واقع الجهات. كما يتعين أن تشتمل عقود البرامج على التوضيح الدقيق للالتزامات المشتركة بين الامتدادات الترابية للسلطة المركزية والمجالس الجهوية، مع تحديد المسؤوليات والأهداف وصيغ تمويل المشاريع التنموية.

ودعا التقرير إلى إيجاد استراتيجيات وبرامج تستند إلى تشخيص موثوق وخطط تنفيذ واقعية، مصحوبة بمؤشرات قابلة للقياس، ضماناً لتحقيق الأثر المتوقع. لذلك، يتعين تعظيم الأثر الاستراتيجي لعقود البرامج في تدعيم أسس الجهوية المتقدمة، ليس فقط عبر تعضيد الجهد التنموي الجهوي، وتمكين المجالس الجهوية من الارتقاء بالوظيفة الريادية التي بوّأها الدستور، بل أيضاً من الناحية الديمقراطية، إذ ينبغي إحاطة التعاقد الترابي بالضمانات اللازمة لتدعيم الاستقلال المالي والإداري للجهات بدل إلحاقها بالتدبير المركزي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى