تقرير | كيف تعذر البت في دستورية مشروع قانون مهنة المحاماة..


محامي بهيئة وجدة
إن قرار المحكمة الدستورية القاضي بـ”تعذر البت” في قانون تنظيم مهنة المحاماة بسبب خلل شكلي أو إجرائي، الذي يتمثل في “عدم إرفاق طلب الإحالة بالوثائق المطلوبة” حسب منطوق القرار، لا يمكن التعليق عليه بمعزل عن البعد السياسي والاقتصادي والاجتماعي للدولة، فالمحكمة الدستورية التي تتكون من قضاة يتم اختيارهم بناءً على شروط الكفاءة العلمية والمهنية الصارمة، هم أشد حرصا على تطبيق القانون، لهذا لا يمكنهم البت في مدى دستورية قانون معين دون إرفاق رسالة الإحالة بالنسخة النهائية المطابقة لأصل النص المصادق عليه نهائيا، لأن غياب النص التشريعي الأصلي يشكل مانعا قانونيا يحول دون ممارسة رقابتها السابقة، والسؤال المطروح هو: من المسؤول عن هذا الخطأ الشكلي في الإحالة ؟
تختص المحكمة الدستورية في المغرب طبقا لدستور 2011 والقانون التنظيمي المتعلق بها، بمراقبة دستورية القوانين والقوانين التنظيمية والأنظمة الداخلية لمجلسي البرلمان، والاتفاقيات الدولية، والبت في صحة الانتخابات البرلمانية وعمليات الاستفتاء، إضافة إلى النظر في الدفع بعدم الدستورية، وتعرض القوانين المراد مراقبتها على المحكمة الدستورية وجوبا مثل القوانين التنظيمية، واختياريا مثل القوانين العادية، قبل إصدار الأمر بتنفيذها من طرف الجهات المخولة قانونا، مثل رئيس الحكومة أو رؤساء المجالس البرلمانية، فتقضي بعدم مطابقتها للدستور إذا تضمنت خرقا لقواعده.
إن أثار الحكم بعدم الدستورية هو الإلغاء والنسخ، فيتم نسخ المقتضى أو النص المصرح بعدم دستوريته، ولا يمكن إصداره أو تطبيقه، وذلك ابتداءً من التاريخ الذي تحدده المحكمة الدستورية في قرارها، وتتميز قرارات المحكمة الدستورية بأنها نهائية وإلزامية لا تقبل الطعن بأي طريقة، وتلتزم بها جميع السلطات العامة والجهات الإدارية والقضائية في البلاد، وعندما تلاحظ المحكمة الدستورية وجود نقص أو خلل شكلي في الوثيقة موضوع الإحالة، كأن يكون هناك غياب التوقيع أو نقص في عدد النسخ، أو وجود خطأ في الأسماء أو التواريخ، فإنها قد تنذر الطرف المعني لتصحيح المسطرة في أجل محدد قانونا، وذلك تفاديا لرفض الطلب أو الحكم بعدم قبوله شكلا، فإجراءات الإنذار والتصحيح تستوجب توجيه الإنذار، فتقوم كتابة الضبط أو الرئيس بإنذار صاحب الطلب لإصلاح الخلل أو الإدلاء بالوثائق الناقصة (مثل نسخ الوثيقة أو المستندات) داخل أجل محدد، ويكون الجزاء عند الإهمال إذا انصرم الأجل وبقي الإنذار بدون مفعول، وترجئ المحكمة القضية أو تصدر قرارها بعدم قبول الطلب شكلا فيما يتعلق بالأخطاء المادية إذا تعلق الأمر بخطأ مادي بحت (كتابي أو حسابي)، وتقوم المحكمة بتصحيحه من تلقاء نفسها أو بناءً على طلب الأطراف دون مساس بجوهر الموضوع.
هذا من الناحية القانونية، لكن من الناحية السياسية، فإن أغلب الناس يجهلون حقيقة علاقة الدولة بالمؤسسات ودورها في وضع القوانين أو تعديلها أو إلغاؤها، وهذا الموضوع كان محل اهتمام وبحث من طرف المدارس القانونية والعديد من العلماء ورجال القانون في كتاباتهم وتحليلاتهم، كما درسنا ذلك ونحن طلبة العلوم السياسية بالجامعة، وفي هذا الصدد، تقول المدرسة الشيوعية: “القانون ما هو إلا تعبير عن إرادة السلطة الحاكمة”، بمعنى أن الدولة هي التي تصنع القانون حسب إرادتها وتوجهاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فهي صاحبة السيادة، والحاكم السيد هو الذي يصنع القانون حسب إرادته والمحكوم التابع هو الذي يجب عليه احترام وتنفيذ هذا القانون، إما طواعية أو عن طريق الإكراه.
وفي هذا الصدد، يقول فقيه القانون الدستوري والعلوم السياسية الفرنسي موريس دوفرجيه: ” كلمة دستوري تهدف إلى إعطاء المؤسسات السياسية شكلا ومضمونا تآلفيا، بحيث يأخذ مفهوم الحرية نصيبا وافرا”، ويهتم القانون الدستوري بصفة عامة بدراسة القواعد التي تنظم السلطة وتوزعها وتحدد صلاحيات الهيئات السياسية والدستورية، ويرى دوفرجيه أن “القانون الدستوري هو قسم من القانون ينظم المؤسسات السياسية للدولة”، وهو يربط بين القانون والسلطة عبر دراسة الواقع المؤسسي والسياسي، حيث لا يفصل القواعد القانونية الدستورية عن صراع القوى وحركة الأحزاب السياسية والمجتمع داخل الدولة، إذ تسعى الأحزاب داخل البرلمان إلى صياغة القوانين حسب فلسفتها السياسية.
وبالرجوع إلى إشكالية عدم البت في قانون مهنة المحاماة، فإن القانون يرفض بصفة عامة امتناع القاضي عن البت في الدعاوى المعروضة عليه بحجة غياب النص أو غموضه، لكنه في المقابل يقر بمفهوم “تعذر البت” المؤقت أو الإجرائي إذا وجد مانع قانوني أو نقص شكلي جوهري يستحيل معه البحث في الموضوع، كغياب الوثائق الأساسية في الإحالات الدستورية، فلا يحق للقاضي الامتناع عن الحكم أو تأجيله بدون سبب قانوني مشروع وإلا فإن ذلك يعتبر إنكارا للعدالة، وفي حالة وجود غموض أو نقص تشريعي يلزم القاضي بالاجتهاد وإصدار الحكم مستعينا بمبادئ القانون والعدل، وبالنسبة للآجال المعقولة، يُفرض على الهيئات القضائية الفصل في القضايا داخل أجل معقول لضمان حقوق المتقاضين، وفي حالة استحالة أو تعذر البت القانوني لخلل مسطري أو الإحالات الناقصة كما يقع أحيانا عندما تقضي المحاكم (مثل المحاكم الدستورية) بـ”تعذر البت” لعدم إرفاق الملف بالوثائق أو النسخ النهائية المطابقة للأصل، مما يمنعها واقعيا وقانونيا من مراقبة النص دون أن يعني ذلك فصلا في جوهر النزاع، فمن المسؤول عن هذا النقص في الإحالة ؟
إن المسألة أعمق من هذه الإشكالية المسطرية.
فالمواطن العادي الذي ليست له معرفة بالسياسة والقانون، يجهل أهداف تعديل قانون مهنة المحاماة في المغرب معتقدا أن المسألة هي مجرد مراجعة قانونية، لكن في الحقيقة، أن الدولة الليبرالية تتبنى في برامجها العامة ومخططاتها الاقتصادية والاجتماعية، التوجهات التي ترتكز على حرية السوق وعلى الملكية الخاصة وتقليص دور الدولة، حيث يترك المجال للقطاع الخاص والمنافسة الحرة لتحديد الإنتاج والأسعار (آلية اليد الخفية)، وتهدف هذه السياسات إلى تحقيق النمو من خلال مبدأ “دعه يعمل دعه يمر”، والتركيز على التبادل الحر والمبادرة الفردية.
وعندما تسعى دولة نامية إلى توفيق قوانينها مع النظام الرأسمالي العالمي، فإنها تنخرط في عملية نيوليبرالية شاملة تهدف إلى دمج اقتصادها في السوق العالمية، حيث تتضمن هذه الإجراءات خصخصة القطاعات العامة، تحرير التجارة، تفكيك القيود التنظيمية، وحماية الملكية الفردية، ثم الأهم هو تعديل القوانين بما ينسجم مع النظام الليبرالي تحت مراقبة الدولة لمنع الفوضى، ومن بين القوانين التي تستدعي المراجعة والتعديل، ومنها قانون مهنة المحاماة، الذي جاء بمقتضيات تواكب مفهوم الحكامة الجيدة أو الحوكمة الرشيدة، وهي أسلوب عقلاني وسليم لإدارة الشأن العام والموارد الاقتصادية والاجتماعية، وتهدف إلى تحقيق التنمية الشاملة من خلال الالتزام بمبادئ رئيسية تشمل الشفافية، والمراقبة والمحاسبة والمشاركة الفعالة، واحترام سيادة القانون والانتقال نحو شركات مهنية، وتزايد التنافسية، والاحترافية، مما يفرض ضرورة التوفيق بين أدبيات المهنة (القضاء الواقف) ومتطلبات العرض والطلب، والتحول الرقمي، وضبط الأتعاب.. فهذه التوجهات هي التي أدخلت على قانون مهنة المحاماة الجديد، ومنها على الخصوص مسألة التوكيل والالتزام بإبرام عقد قانوني (وكالة) يفوض بموجبه طرف (الموكل) طرفا آخر (الوكيل) للقيام بتصرفات قانونية، إدارية، أو تجارية، باسمه ولحسابه، أو التوسع في السوق أو تسهيل المعاملات، وتشمل عدة أنواع، كالوكالة التجارية والوكالة العامة، أو الوكالة الخاصة لإدارة الاستثمارات.
ومن أبرز مستجدات مشروع قانون مهنة المحاماة الموجهة للشفافية والرقابة المالية وإخضاع حسابات الودائع للمراقبة والمحاسبة للتحقق من سلامة العمليات المالية الغامضة ومحاسبة عمليات الإيداع والسحب والتحويل الخاصة بالموكلين التي أصبحت غير واضحة ودون مراقبة حسابية صارمة، حظر الاقتطاع العشوائي، ومنع مجالس هيئات المحامين من اقتطاع أي مبلغ من الأموال المصفاة المودعة بحسابات الودائع والأداءات، لضمان حقوق المتقاضين، وإعداد حساب سنوي خاص، والتزام مجلس كل هيئة بإعداد حصيلة سنوية تفصيلية لوضعية ودائع وأداءات المحامين التي تحوم حولها كثير من الشكوك والشبهات، كما أن قانون المهنة الجديد حدد انتخاب منصب النقيب لفترة واحدة غير قابلة للتجديد، لقطع الطريق على الانتهازيين والطامعين في الجلوس على كراسي المسؤولية مدى الحياة وعلى من يملك النفوذ المالي.. هذه تعديلات عادلة وشفافة تحمي المحامي وموكله وليس فيها أي مساس بمكتسبات مهنة المحاماة التي وجدت أصلا من أجل الدفاع عن الحقوق والحريات، وليس من أجل الاسترزاق وجمع الثروة.



