تحت الأضواء | المال و”مشاهد الحرب” والترحال الحزبي.. الصراع الخفي الذي يقتل السياسة
الخبير أحمد بوز يكشف أعطاب المرحلة

الرباط. الأسبوع
في ظل السباق الانتخابي وتهافت الأحزاب على المرشحين البارزين واستقطاب الأسماء الوازنة من برلمانيين ورجال أعمال وأعيان.. قال الخبير الإعلامي والمحلل السياسي، وأحد أقطاب جامعة محمد الخامس في الرباط أحمد بوز، أن الجزء الأكبر من الحراك الحزبي ينصرف إلى معارك أخرى: التزكيات، صراع المواقع، استقطاب المرشحين، الانتقالات من حزب إلى آخر، تصفية الحسابات الداخلية، التنافس على الدوائر التي يعتقد أنها قابلة للفوز، وتنازع الشرعيات.
ويضيف بوز أن عبارة “حرب التزكيات” لم تعد كافية لوصف المشهد، لأن ما يجري، يتجاوز الصراع العادي حول اختيار المرشحين ليقترب من “مشهد حربي” تتعدد فيه الجبهات، وتتداخل فيه الحسابات الشخصية والحزبية والانتخابية، مؤكدا أنه، في الأصل، يفترض أن تكون الانتخابات لحظة سياسية بامتياز، تتواجه خلالها الأحزاب حول تصوراتها الاقتصادية والاجتماعية، ومواقفها من القضايا التي تشكل جوهر التنافس الديمقراطي، غير أن المشهد الحالي يوحي بأن المعركة بدأت في كثير من الأحيان قبل أن يصل المرشح إلى الناخب، أي داخل الحزب نفسه، حول من يحصل على التزكية، ومن يتصدر اللائحة، ومن يضمن دائرة انتخابية مناسبة، ومن يمتلك القدرة على تعبئة الأصوات والموارد والشبكات المحلية..
ويوضح أحمد بوز، الذي وقف شخصيا وراء عدة مبادرات كبرى للنقاش العمومي، بمواصفات عالية.. أن الصراع لم يعد يجري فقط بين الأحزاب، وإنما أصبح يجري داخلها وبحدة قد تفوق أحيانا الصراع بينها؛ فالمرشح الذي يسعى إلى الحصول على التزكية يجد نفسه في مواجهة مرشحين آخرين من التنظيم نفسه، وقد تتحول عملية الاختيار إلى معركة حقيقية حول النفوذ والموقع والقدرة على التأثير في القرار الحزبي، وفي هذه الحالة، يصبح السؤال: “من سيمثل الحزب؟” سابقا على السؤال “ماذا سيمثل الحزب؟”، وهذا التحول ليس تفصيلا تنظيميا بسيطا، وإنما يعكس تغيرا في وظيفة الحزب السياسي ذاته.
فالحزب في التصور الديمقراطي، حسب نفس المصدر، ليس مجرد أداة لخوض الانتخابات، وإنما مؤسسة لإنتاج الأفكار وتجميع المصالح الاجتماعية وتأطير المواطنين وتكوين النخب واختيار المرشحين القادرين على تجسيد مشروعه السياسي، مبرزا أنه على ما يبدو في كثير من جوانب المشهد الحالي، هو انتقال تدريجي من نموذج كان يفترض أن يكون فيه الحزب هو الذي يصنع المرشح، إلى نموذج يصبح فيه المرشح القوي انتخابيا قادرا على التفاوض مع الحزب حول شروط ترشحه وموقعه، وحتى موقع أفراد عائلته، وبعبارة أخرى، لم يعد المرشح يبحث دائما عن الحزب بقدر ما أصبحت بعض الأحزاب تبحث عن المرشح الذي يمكنه أن يضمن لها مقعدا أو مجموعة من المقاعد.

ويرى بوز أن ظاهرة الترحال السياسي تكتسب دلالة تتجاوز مجرد انتقال أفراد من تنظيم إلى آخر؛ فالانتقال قبيل الانتخابات بحثا عن تزكية أفضل أو دائرة أكثر ملاءمة، أو فرص أكبر للتموقع، يكشف عن تراجع قيمة الانتماء الحزبي أمام قيمة الموقع الانتخابي، وفي هذه الحالة تصبح الهوية الحزبية أقل ارتباطا بالقناعة السياسية وأكثر ارتباطا بالحساب الانتخابي، فإذا كان المرشح قادرا على الانتقال من حزب إلى آخر، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: ما الذي أصبح يمثل جوهر الانتماء الحزبي؟ وهل الحزب لا يزال فضاء لإنتاج النخب السياسية، أم أنه يتحول تدريجيا إلى مجرد وعاء انتخابي ؟
فعندما يصبح المعيار الأساسي لاختيار المرشح هو قدرته على الفوز، فإن الحزب يجد نفسه مدفوعا إلى البحث عن الشخص الذي يمتلك الموارد والعلاقات والحضور المحلي والقدرة على التعبئة، حتى ولو لم يكن نتاجا لمسار حزبي طويل، وبذلك يتحول المعيار السياسي إلى معيار انتخابي، ويتراجع الاعتبار المرتبط بالتكوين والنضال الحزبي والكفاءة والقدرة على تمثيل مشروع سياسي متكامل، والخطر هنا لا يتمثل فقط في قوة الأعيان، وإنما في أن الأحزاب أصبحت مضطرة لاستيراد النخب الانتخابية بدلا من إنتاج النخب السياسية، يقول أحمد بوز، مؤكدا أن الأمر يزداد خطورة عندما يصبح المال سيد هذه المعادلة، وهنا يجب التمييز بدقة بين تمويل الحملات الانتخابية المشروع، وبين شراء التزكيات وإخضاعها للمقابل المالي؛ فرغم أن هذه الأخيرة لا يفترض التعامل معها كوقائع ثابتة في جميع الحالات، فإن مجرد بروز مثل هذه الاتهامات، وما يرافقها من صراعات واحتجاجات داخل بعض الأحزاب، يكشف عن سؤال سياسي شديد الخطورة: ماذا يحدث عندما يصبح المال عاملا مؤثرا في الوصول إلى الترشح قبل الوصول إلى الناخب ؟
واعتبر نفس المصدر، أن قضية اللوائح الجهوية الخاصة بالنساء، تكتسب أهمية خاصة في هذا السياق؛ فهذه الآلية يفترض أن تساهم في تصحيح اختلال تاريخي في تمثيلية النساء وتجديد النخبة السياسية وإدخال كفاءات وقيادات نسائية جديدة إلى المؤسسة التشريعية، ولذلك، فإن تحولها إلى مجال للصراع حول التزكيات والنفوذ، أو فضاء تثار فيه اتهامات بشأن المال والمقابل، فإن ذلك من شأنه أن يمس فلسفة التمثيلية ذاتها، وإذا كانت هذه الآلية قد تعرضت سابقا لانتقادات باعتبارها شكلا من أشكال الريع السياسي، فإن تحويل التنافس عليها إلى مجال للمتاجرة بالتزكيات وتحقيق مكاسب مالية لفائدة بعض زعماء الأحزاب أو المتنفذين فيها، سيعني الانتقال من ريع المقاعد إلى ريع التزكيات، وهي نتيجة لا تثير فقط إشكالية أخلاقية وسياسية، وإنما تطرح، في العمق، سؤالا حول مدى حفاظ هذه الآلية على الغاية التي أحدثت من أجلها، أي هل ما تزال تشكل آلية للتمييز الإيجابي الرامية إلى تصحيح اختلال تمثيلية النساء، أم أنها بدأت تتحول، بفعل طريقة تدبيرها وممارسات التزكية المرتبطة بها، إلى شكل من أشكال التمييز السلبي الذي يعيد إنتاج منطق الإقصاء والزبونية داخل مسار يفترض أن يكون مدخلا إلى تعزيز التمثيلية السياسية للنساء ؟
وخلص المحلل السياسي أحمد بوز، إلى أن النتيجة المؤكدة هي تشكيل برلمان منتخب وفق القواعد القانونية، ولكنه أقل حزبية مما توحي به الخريطة الرسمية للأحزاب، لأن الانتماء الحزبي للنائب لا يعني بالضرورة أنه نتاج للمشروع السياسي للحزب، أو أنه صعد من خلال مسار تنظيمي داخله، وقد يكون أكثر ارتباطا بشبكته الانتخابية المحلية وبحساباته الخاصة؛ فعندئذ تصبح الأحزاب، رغم استمرار حضورها القانوني والمؤسساتي، أقل قدرة على التحكم في عملية إنتاج النخب البرلمانية، وأضعف تأثيرا في تشكيل سلوكها السياسي وتوجيه مواقفها داخل البرلمان.



