تحقيقات أسبوعية

للنقاش | فصل المقال في ما بين الخزينة والتقاعد من اتصال

بمناسبة التصريحات التي تصدر عن عدد من الفاعلين الحزبيين بشأن إصلاح نظام التقاعد، في إطار التنافس الجاري تحضيرا للانتخابات التشريعية المقررة يوم 23 شتنبر الجاري، وفي إطار التفاعل مع الخطاب الرسمي حول “المغرب الصاعد” باعتباره مفهوما يعبر عن رؤية استراتيجية متكاملة أطلقها الملك محمد السادس في خطابه بمناسبة افتتاح الدورة التشريعية للبرلمان أكتوبر 2025، لدفع عجلة التنمية وتجاوز مرحلة البناء القاعدي نحو التموقع الدولي والتكامل الاقتصادي والاجتماعي.. ولأجل استفادة “مقطورة التنمية الاجتماعية” من سرعة “قاطرة الاستثمارات الكبرى”، وحيث تعتبر منظومة التقاعد “مقطورة مهترئة”، فيما يعتبر صندوق محمد السادس للاستثمار قاطرة من الجيل الأخير.. سنحاول تبيان أوجه الاعتماد المتبادل بين الخزينة وصناديق التقاعد، وكذا ممكنات فك هذه المعادلة، وتقديم رؤية مختلفة لإصلاح منظومة التقاعد.

ركزنا على الصندوق المغربي للتقاعد كنموذج، باعتباره يعني أطر وموظفي وأعوان الدولة، وقد استثمرنا المعطيات والمعلومات التي يوفرها الذكاء الاصطناعي.. نرجو أن نكون قد اجتهدنا وأصبنا، ونرجو أكثر أن يفكر المعنيون بالأمر من خارج الصندوق، والتطلع إلى الأفق الرحب الذي يوفره مناخ الاستثمار بالبلاد.

تتمة المقال تحت الإعلان

1) زووم

تتمة المقال تحت الإعلان

بكل تأكيد، كان الصندوق المغربي للتقاعد والدولة المغربية على علم تام بحدوث الاختلال الديمغرافي الحاد (المعامل الديمغرافي)، وتوقعوا هذا الانقلاب في المنحنى البياني قبل حدوثه بعقود (عدد النشيطين الذين يمولون معاش متقاعد واحد)؛ فالدراسات الإكتوارية، التي تتوقع المسارات المالية بناءً على المعطيات الديمغرافية، كانت تُنذر بوضوح، منذ تسعينيات القرن الماضي، بأن النظام المدني للمعاشات سينتقل إلى العجز التقني في منتصف العقد الثاني من الألفية الثالثة (وهو ما حدث بالفعل عام 2014). ترى ما الأسباب الحقيقية أو “المسكوت عنها” التي جعلت الدولة تعجز عن تفادي هذا السيناريو حتى اليوم، رغم علمها به؟ ولماذا تبحث عن حلول بعيدا عن أصل المشكلة ؟

تتمة المقال تحت الإعلان

أ) الطبيعة القانونية والتقنية للصندوق:

يعتبر الصندوق المغربي للتقاعد (CMR) مجرد هيئة تنفيذية، وليس مؤسسة استثمارية مستقلة تملك سلطة اتخاذ القرار، بل هو مؤسسة عمومية تدير نظاما وضعت الدولة قوانينه وشروطه، وهو بذلك يفتقر لسلطة التعديل، حيث لا يملك الصندوق الصلاحية القانونية لرفع سن التقاعد، أو زيادة نسبة الاقتطاعات، أو تغيير طريقة احتساب المعاشات تلقائيا عند استشعار الخطر. كل هذه التغييرات تتطلب قوانين وتشريعات يمررها البرلمان بقرار سياسي من الحكومة.

ب) الكلفة السياسية والاجتماعية الباهظة للإصلاح:

علمت الحكومات المتعاقبة بالخطر، لكنها ظلت تؤجل الإصلاح (القرار السياسي) لتفادي الصدام مع النقابات وعموم الموظفين، كما أن أي مساس بمكتسبات الموظفين (صعوبة التعديلات البارامترية)، مثل رفع سن التقاعد أو زيادة الاقتطاع من الأجور، قد يؤدي إلى احتقان اجتماعي وإضرابات من شأنها أن تشل قطاعات حيوية، مما جعل الحكومات تفضل ترحيل الأزمة للحكومات التي تليها، حتى تم فرض “الإصلاح المقياسي الجزئي” سنة 2016 في عهد حكومة بن كيران، كخطوة اضطرارية لإنقاذ الصندوق من الانهيار الفوري.

ت) تعارض الاستراتيجيات القطاعية للدولة مع توازن الصندوق:

عرفت المساحة الزمنية للتوظيف تغيرات حاسمة فرضتها التوازنات الماكرواقتصادية للدولة، وضغط المؤسسات المالية الدولية (مثل البنك الدولي). ولمواجهة تضخم كتلة الأجور، أطلقت الدولة برنامج المغادرة الطوعية سنة 2005، والذي أدى إلى خروج مفاجئ لآلاف الموظفين ذوي الأجور المرتفعة، فتحولوا فجأة من “ممولين” يضخون اشتراكات كبيرة إلى “متقاعدين” يستنزفون سيولة الصندوق.

وزاد الطين بلة باعتماد سياسة التقشف في التوظيف لسنوات طويلة، حيث حددت حصيصا (كوطا) منخفضا جدا للمناصب المالية السنوية في الوظيفة العمومية لضبط عجز الميزانية، مما أوقف تدفق “الدماء الجديدة” من الانخراطات التي كان الصندوق يحتاجها للحفاظ على توازنه.

باختصار؛ الأزمة لم تكن أزمة “جهل بالمعطيات”، بل كانت أزمة حكامة وتأخر في اتخاذ القرار السياسي الشجاع في الوقت المناسب، خشية التبعات الاجتماعية.

2) الشجرة (صندوق التقاعد) التي تخفي الغابة

لم تبادر الدولة لتغيير الوضع القانوني للصندوق المغربي للتقاعد لجعله مؤسسة مستقلة تماما تمتلك مرونة برمجية وتلقائية لتفادي العجز، لأن نمط اشتغال أنظمة التقاعد “الأساسية” في الأنظمة الاجتماعية عالميا ومحليا، يصطدم بضوابط سيادية وسياسية وقانونية معقدة، وتتلخص الأسباب الظاهرة وراء عدم تغيير هذا الوضع القانوني، في النقاط التالية:

طبيعة النظام القائم على التضامن الجيلي (Répartition): وهو نظام إلزامي سيادي يعتمد مبدأ “التوزيع”، حيث يمول الموظفون الحاليون معاشات المتقاعدين بضمانة من الدولة.

الحفاظ على السلم الاجتماعي والاحتكار التشريعي للبرلمان: ذلك أن أي تعديل في الاقتطاعات من الأجور أو في سن الإحالة على التقاعد، يمس مباشرة بالنظام الأساسي للوظيفة العمومية، وبموجب الدستور المغربي، تقع هذه القرارات المصيرية حصريا ضمن اختصاصات البرلمان والتشريع الحكومي.

الارتباط البنيوي بميزانية الدولة وكتلة الأجور: تعتبر الدولة هي المشغّل الذي يؤدي نصف الاشتراكات لفائدة الصندوق (حصة المشغّل)، ولو كان الصندوق يمتلك الاستقلالية القانونية لِرَفع نسب الاشتراكات تلقائيا كلما اقترب العجز، لَفَرض ذلك على ميزانية الدولة (وزارة الاقتصاد والمالية) لضخ مليارات الدراهم الإضافية كحصة مشغّل خارج جدولة وتوازنات قانون المالية السنوي، وهو ما يضرب التوازن الماكرو-اقتصادي العام للبلاد، وهنا مربط الفرس، وأصل أزمة هذه الصناديق.

3) الغابة التي تظلل الشجرة

تعتمد الخزينة العامة للمملكة المغربية في تمويل ميزانية الدولة وتغطية احتياجاتها المالية، على أربعة مصادر رئيسية، يتم تفصيلها دوريا عبر التقارير الرسمية الصادرة عن وزارة الاقتصاد والمالية وقوانين المالية السنوية:

1) الإيرادات العادية (الضريبية وغير الضريبية): وتُمثل المورد الأساسي والمستدام لتمويل الميزانية؛

2) تدبير ودائع الخزينة (Dépôts au Trésor): يُعد هذا المصدر آلية هيكلية تنفرد بها الخزينة لضخ السيولة الفورية؛

3) الاقتراض وإصدار سندات الدين: عند وجود عجز بين الإيرادات والنفقات (حاجيات التمويل الإجمالي)، تلجأ الخزينة إلى سوق الدين، وينقسم التمويل هنا إلى سهمين بارزين وفقا لمؤشرات قانون المالية، من خلال:

• التمويل الداخلي (السوق المحلية): المصدر الأكبر لتغطية العجز، ويتم عبر إصدار سندات الخزينة (Bons du Trésor) من خلال مناقصات دورية يكتتب فيها الفاعلون الاقتصاديون المحليون، لا سيما الأبناك المغربية، شركات التأمين، وصناديق التقاعد.

• التمويل الخارجي (السوق الدولية): يتم عبر سحب القروض الممنوحة من المؤسسات المالية الدولية الثنائية ومتعددة الأطراف (مثل البنك الدولي، الاتحاد الأوروبي، وصندوق النقد الدولي)، أو عبر طرح سندات سيادية (Eurobonds) في الأسواق المالية العالمية لتعبئة العملات الصعبة.

4) آليات “التمويل المبتكر”: اعتمد المغرب رسميا منذ سنة 2019 على ميكانيزمات التمويل المبتكر لدعم الميزانية العامة دون الرفع من مديونية الخزينة المباشرة، وتقوم هذه الآلية على تسييل الأصول العقارية العامة، حيث تفوّت الدولة ملكية بعض عقاراتها ومؤسساتها (كالمركبات الاستشفائية الجامعية) إلى مؤسسات استثمارية وطنية كبرى، مثل صندوق الإيداع والتدبير أو الصندوق المغربي للتقاعد.. لتقوم الدولة بعد ذلك بـ”إعادة استئجار هذه الأصول بعقود طويلة الأمد، وقد مكنت هذه الآلية المبتكرة من تعبئة مليارات الدراهم وضخها في الخزينة لتمويل الاستثمارات العمومية.

5) أموال التقاعد.. القلب النابض للخزينة: تكتسي العلاقة بين الخزينة العامة وصناديق التقاعد (CMR وRCAR وCNSS) طابعا حيويا ومتبادلا.. إلى درجة لا يمكن فيها للخزينة الاستغناء عن خدمات وأموال هذه الصناديق بجرة قلم؛ فالاستغناء عنها أمر غير ممكن عمليا واقتصاديا بالنظر إلى حجم المديونية الداخلية، وحاجيات تمويل الميزانية. وتتجلى أسباب استحالة هذا الاستغناء في النقاط التالية:

• الصناديق هي أكبر مشترٍ لديون الخزينة (Bons du Trésor): تمثل المديونية الداخلية الجزء الأكبر من حجم الدين الإجمالي للخزينة، حيث أفاد مركز الأبحاث التجاري “غلوبال ريسيرتش” في تقريره “Budget Focus” لشهر يونيو 2026، بأن الدين الإجمالي الفعلي للخزينة بلغ 1179 مليار درهم حتى نهاية يونيو 2026، ويشكل الدين الداخلي منه 850 مليار درهم، كما توقع المركز أن يرتفع إجمالي دين الخزينة ليبلغ 1211 مليار درهم بنهاية سنة 2026.

وتعتبر صناديق التقاعد، إلى جانب الأبناك وشركات التأمين، المستثمر المؤسساتي الرئيسي والتقليدي الذي يشتري هذه السندات لتأمين احتياطياته بعائد مستدام.

وإذا توقفت الصناديق عن الاكتتاب في هذه السندات، فإن الخزينة ستواجه عجزا هائلا في تعبئة السيولة المحلية لتغطية نفقات الميزانية، وقد يبلغ تمويل هذا العجز حوالي 20 إلى 24 مليار درهم، وهو ما يمثل حصة الصناديق التي تغطي عادة ما بين 25 إلى 30 % من إجمالي طلبات الاقتراض الداخلي للحكومة، وذلك حسب التقديرات التحليلية لسوق السندات الصادرة عن بنك المغرب، والتقارير الدورية لهيئة مراقبة التأمينات والاحتياط الاجتماعي (ACAPS).

• التمويلات المبتكرة وتدوير الأزمة: في إطار الآليات المالية الحديثة، باتت الصناديق (وعلى رأسها الصندوق المغربي للتقاعد) شريكا استراتيجيا للخزينة، عبر شراء أصول عقارية تابعة للدولة وضخ مليارات الدراهم كسيولة نقدية مباشرة في ميزانية الدولة دون الرفع من مؤشر المديونية المباشر. وتحويل الصناديق إلى “ممول رئيسي” للخزينة (سواء عبر السندات أو العقارات) يجعل ديمومة معاشات المتقاعدين مرتبطة بمدى قدرة مالية الدولة على السداد، ويحرمها من فرص استثمارية ذات مردودية أعلى في السوق الحرة.

• صمام الأمان لاستقرار السيولة الوطنية: تمثل تدفقات الأموال والمدخرات الهائلة التي تديرها هذه الصناديق (بشكل مباشر أو عبر صندوق الإيداع والتدبير) الركيزة الأساسية للادخار الوطني، على أن بقاء هذه الأموال داخل المنظومة المالية يضمن استقرار أسعار الفائدة ويحمي الخزينة من الاضطرار المفرط للجوء إلى الأسواق الدولية والاقتراض بالعملة الصعبة (الذي تصاحبه مخاطر تقلبات الصرف وشروط صندوق النقد الدولي).

5) الاعتماد متبادل وليس من طرف واحد: مثلما تحتاج الخزينة إلى هذه الصناديق لتمويل مشاريعها وعجزها، تحتاج الصناديق أيضا إلى الخزينة؛ لأن السندات الحكومية هي الاستثمار “الآمن تماما” الذي يحمي أموال المتقاعدين من تقلبات البورصة الحادة والمخاطر التجارية.

4) من أجل فِطام سلس بقرار جريء

لتحرير احتياطيات صناديق التقاعد وفك ارتباطها بالخزينة العامة دون التسبب في أزمة سيولة للدولة، يتعين على وزارة الاقتصاد والمالية والخزينة العامة للمملكة، تفعيل خطة بديلة لتعويض تلك الأموال عبر قنوات تمويلية جديدة وهيكلية ومستقلة بالكامل عن مدخرات المتقاعدين. وهذه بعض آليات التعويض العملية القابلة للتطبيق في المشهد المالي الحالي:

1) الاستقطاب المكثف للادخار طويل الأمد للأشخاص (Épargne الموجهة للأفراد):

تعتمد الخزينة حاليا على المؤسسات (الأبناك والتأمينات وصناديق التقاعد) في مبيعات سنداتها، بينما يبقى ادخار المواطنين (الأفراد) موجها نحو الحسابات البنكية العادية أو الذهب والعقار، ويعتبر إطلاق سندات خزينة شعبية (Bons التجزئة) مخصصة حصرا للمواطنين المغاربة (سواء المقيمين أو مغاربة العالم) بأسعار فائدة جاذبة ومحفزة ضريبيا، جزءً من الحل لهذه المعادلة.

ومن المتوقع أن تساهم هذه الآلية في تعبئة مئات المليارات من الدراهم مباشرة من جيوب المواطنين والمدخرين الصغار لتعويض الفراغ الذي سيتركه انسحاب صناديق التقاعد، وهو نموذج ناجح جدا في دول كإيطاليا واليابان.

2) التوسيع الفعلي لقاعدة “التمويلات المبتكرة الشاملة” (خارج المنظومة العمومية):

كما ناقشنا سابقا، يجب نقل التمويل المبتكر من صيغته الحالية (البيع لمؤسسات عمومية كـ CMR) إلى صيغة تجارية منفتحة على الرأسمال الخاص، من خلال صناديق الاستثمار العقاري (OPCI)، حيث يمكن للخزينة توريق وعرض عقارات ومستشفيات الدولة للبيع في البورصة عبر صناديق الاستثمار الجماعي العقاري المفتوحة أمام جميع المستثمرين الخواص (شركات وطنية، صناديق استثمار دولية، وأفراد)، وكذا عبر تسييل أصول البنية التحتية المربحة من خلال تفويت حصص أقلية من المؤسسات الوطنية الاحتكارية والمدرة للأرباح (مثل منصات الموانئ، الطاقات المتجددة، شركات توزيع الماء والكهرباء) إلى القطاع الخاص عبر بورصة الدار البيضاء، مما يضخ سيولة فورية هائلة في الخزينة.

3) تدشين سوق السندات السيادية الدولية الخضراء والمستدامة (ESG):

بدلا من الاقتراض الخارجي التقليدي عالي التكلفة، يمكن للمغرب استغلال سمعته الدولية المتميزة في مجال البيئة والمشاريع المستدامة، لإصدار سندات دولية تسمى “سندات الأثار الاجتماعية والبيئية”، وتمنح هذه السنداتُ للخزينة القدرة على جذب سيولة ضخمة بالعملة الصعبة من صناديق استثمار عالمية عملاقة (تتجنب السندات العادية وتبحث فقط عن المشاريع التنموية والبيئية)، بأسعار فائدة منخفضة جدا ولفترات سداد مريحة تزيد عن 20 سنة.

4) الإدماج الصارم والقسري للقطاع غير المهيكل (Informel):

يشكل الاقتصاد غير المهيكل في المغرب ما يقارب 30 % من الناتج الداخلي الخام (بنك المغرب)، وهو ما يمثل عجزا ضريبيا سنويا يفوق 40 مليار درهم. ويمكن تحقيق هذا الإدماج عبر تسريع الرقمنة الشاملة للمعاملات المالية، وفرض الأداء الإلكتروني، وتقييد المعاملات النقدية (Cash)، مع ربط الاستفادة من التغطية الصحية والدعم الاجتماعي بضرورة التصريف الضريبي المبسط.

ومن المتوقع أن يرفع هذا الإدماج تلقائيا وبشكل بنيوي من المداخيل الضريبية العادية للدولة؛ ومستنتج ذلك، أن الخزينة لن تحتاج أصلا للاقتراض بنفس الحجم الحالي لتغطية عجزها، مما يغنيها تماما عن أموال الصناديق.

5) تفعيل كامل لإصلاح المؤسسات والمقاولات العمومية: يمكن عبر الوكالة الوطنية للتدبير الاستراتيجي لمساهمات الدولة، تجميع وتطهير مالية المقاولات العمومية الكبرى لرفع مردوديتها المالية وتنافسيتها، وبذلك يمكن لزيادة أرباح ومساهمات هذه الشركات (كالفوسفاط، الأبناك العمومية، والوكالات السيادية) وضخها في ميزانية الدولة، أن يُشكل مصدرا تمويليا ذاتيا وتصاعديا يقلص حاجة الخزينة لطلب القروض الداخلية.

وطبعا، تنفيذ هذه الآليات وغيرها ليس بالأمر السهل أبدا، فالخزينة اعتادت لستة عقود على تمويل مريح ومضمون من الداخل، وفك هذا الارتباط يشبه “عملية جراحية دقيقة في قلب الاقتصاد”، تتطلب وقتا وتدرجا طويلا لتفادي حدوث نزيف في السيولة.

كما أن فك هذا الارتباط يعتبر عملية هندسية تقتضي توجيه الصناديق نحو الاستثمار الحر (بورصة، طاقة، مشاريع كبرى)، وفي المقابل توجيه الخزينة العامة نحو تنويع مصادر السيولة (ادخار الأفراد، الرأسمال الخاص، الأسواق الدولية للاستدامة، والنجاعة الجبائية)، وفي هذا الأمر فليتنافس المتنافسون، وتكشف الحكومة، أي حكومة كانت، عن “كفاءاتها” ومهاراتها في التدبير، وأكثر من ذلك؛ وطنيتها.

في الأخير، نشير إلى أن صندوق محمد السادس للاستثمار يمكن له أن يشكل رافعة قانونية ومالية لإنقاذ أموال التقاعد من تدني عوائد سندات الخزينة، عبر الانتقال من منطق “إقراض الدولة بكلفة منخفضة” إلى منطق “الشراكة الاستثمارية ذات العوائد المرتفعة”.

وكل إصلاح وأنتم على بينة..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى