متابعات | البرامج الانتخابية للأحزاب بين رهانات الإصلاح وتحديات التنزيل

دخلت الأحزاب السياسية المرحلة الأخيرة من الاستعداد للانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر الجاري، مع بداية الحملة الانتخابية، فيما استكملت غالبية الأحزاب الرئيسية تقديم برامجها الانتخابية، بينما لا تزال أحزاب أخرى تستعد للكشف عن عروضها الانتخابية خلال الأيام القليلة المقبلة.
إعداد: خالد الغازي
طرحت مختلف الأحزاب برامجها السياسية التي تركز على المجالات الأساسية التي تلقى اهتماما كبيرا من قبل المواطنين قصد استقطاب أصواتهم، خاصة القطاعات التي عرفت اختلالات والتي في حاجة ماسة إلى إصلاحات من أجل تحسين الخدمات وتطويرها بشكل يتلاءم مع انتظارات الناخبين، لكن العديد من برامج الأحزاب متقاربة، خاصة الأحزاب الكبرى، التي تتعهد بتقديم التزامات كثيرة، تتعلق بالصحة والتعليم والتشغيل والسكن والقدرة الشرائية والحماية الاجتماعية، إلى جانب التركيز على الشباب باعتباره الفئة الأكثر نشاطا وحضورا في المجتمع، ليبقى السؤال: هل تنجح الأحزاب في إقناع الناخبين بوعودها الانتخابية بعد وصولها إلى قيادة الحكومة المقبلة ؟
تقارب بين “البام” وحزب الأحرار
يوجد تقارب بين حزب الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار في برنامجهما الانتخابي، فكل حزب يحاول تقديم التزامات بخصوص القطاعات الأساسية من أجل إقناع واستقطاب المواطنين، في التعليم والصحة والتشغيل والقدرة الشرائية والسكن؛ ففي التعليم، يلتزم حزب الأصالة والمعاصرة باسترجاع الدور الأساسي للمدرسة العمومية: مدرسة عمومية تربي وتكون وتهيء للمستقبل، وتعميم التعليم الأولي والنقل المدرسي، ومحاربة الانقطاع الدراسي، أما حزب التجمع الوطني للأحرار، فيقترح تعميم مدارس وإعداديات الريادة بحلول سنة 2028، وثانويات الريادة في أفق 2031، مع خفض الهدر المدرسي إلى النصف، وجعل المدرسة رافعة حقيقية للارتقاء الاجتماعي، وتوفير النقل المدرسي في جميع المناطق القروية بشراكة مع المجالس الإقليمية.
وفي الصحة، يلتزم “البام” بإنجاز أربع مستشفيات جامعية جهوية جديدة بكل من بني ملال وكلميم والراشيدية والدار البيضاء قبل نهاية 2028، وتحسين مستوى 90 مستشفى جهويا وإقليميا ومراكز صحية، خطة استدامة للتأمين الإجباري عن المرض (AMO) ابتداء من قانون المالية 2027، ضبط النفقات الطبية، وتأطير معدل الولادات القيصرية ليتراجع إلى 25 %، بينما يلتزم الأحرار باستكمال جميع المراكز الاستشفائية الجامعية في أفق 2029، تأهيل 1600 مؤسسة للرعاية الصحية الأولية، وإحداث 200 مؤسسة إضافية في المناطق التي تعاني من خصاص طبي ونشر 100 وحدة طبية متنقلة، وخدمة المساعدة الطبية الاستعجالية 141 رقم موحد، و12 خدمة جهوية، ضمان ولوج منصف إلى خدمات صحية، وتعميم المجموعات الصحية الترابية بحلول سنة 2027، بمعدل مجموعة صحية لكل جهة.
في قطاع الشغل، يتعهد الأصالة والمعاصرة بخلق مليون منصب شغل بصفة مباشرة وغير مباشرة خلال الولاية الخماسية 2027-2031، في العديد من المجالات، بالإضافة إلى وضع منصة وطنية للتسجيل ومسار موحد لفائدة الشباب يستهدف حوالي 300.000 شاب سنويا، ما بين 18 و29 سنة، ويلتزم بتخفيض مستوى البطالة من 10.8 % إلى 7.0 % سنة 2031، وخلق 200.000 منصب صافي سنويا على الأقل، ومجموعة من البرامج بهدف تكوين الشباب لإدماجهم في سوق الشغل، أما حزب الأحرار، فبدوره يتعهد بإحداث مليون منصب شغل في أفق كأس العام 2030، ودينامية جديدة للتشغيل في جميع المجالات الترابية، عبر وضع أربع إجراءات لتفعيل الحق في الإدماج الاقتصادي، ومنحة العودة إلى الشغل، وخلق صندوق قروض إنتاجية مجانية، ثم خفض معدل البطالة من 10.8 إلى 9 في المائة.
وبالنسبة للقدرة الشرائية، يلتزم “البام” بإحداث ست شركات جهوية للتوزيع الفلاحي بالمناطق الفلاحية الكبرى، عصرنة أسواق الجملة عبر منصات متعددة الوسائط، إحداث آلية لمحاربة الوساطة الطفيلية بتعاون مع مجلس المنافسة، تعميم التتبع الرقمي للمعاملات، بينما يقترح حزب الأحرار أربع إجراءات لحماية القدرة الشرائية، درع اجتماعي ودرع الادخار، وتحسين الأجور ومعاشات التقاعد، ودعم تعليمي للأسر، ثم مأسسة مؤشر الدعم الاجتماعي المباشر وربطه بمعدات التضخم.
فوارق بين الاستقلال والعدالة والتنمية
يوجد اختلاف بين البرنامج الانتخابي لحزبي الاستقلال والعدالة والتنمية، على مستوى العديد من المجالات، فكل حزب يرى من منظوره الإصلاحات التي يجب اتخاذها، والإجراءات التي يجب تنزيلها من أجل تحسين جودة القطاعات الأساسية ومعالجة الاختلالات الماضية..
ففي قطاع التعليم، يقترح حزب “الميزان” تأهيل المؤسسات التعليمية بالعالم القروي والمناطق الجبلية والواحات، عبر تحسين البنيات التحتية، وتعزيز السكن الوظيفي، وخلق تحفيزات لفائدة الأساتذة، ورصد مبكر للهدر المدرسي، ومراقبة وضبط رسوم التعليم الخصوصي، فيما يدعو “البيجيدي” إلى إلغاء التمييز بين مدارس الريادة وباقي المدارس، بهدف ضمان مدرسة عمومية موحدة، إلغاء قرار تسقيف السن المحدد في 35 سنة للمشاركة في مباريات التوظيف، حماية الاستقرار المهني والاجتماعي، ومحاربة الهدر المدرسي، ثم إحداث صندوق خاص لتمويل منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي.
وفي المجال الصحي، يؤكد حزب الاستقلال على ضرورة النهوض بالمستشفى العمومي عبر الإصلاح الهيكلي المزود بمؤسسات قوية ودائمة، وتمويل مهيكل ومؤمن وحكامة قائمة على النجاعة والفعالية في الأداء، من خلال إحداث وكالة وطنية للمستعجلات كأولوية مؤسساتية أولى لإصلاح المستشفى العمومي، تعزيز الدراسات الطبية للمستعجلات والنهوض بالصحة النفسية، ثم إرساء منظومة الرقمنة والتدبير المعلوماتي، بينما يرى حزب العدالة والتنمية أن إصلاح قطاع الصحة ينطلق عبر إدماج الأنظمة الصحية المتفرقة والاستثنائية داخل منظومة صحية أساسية، بما يشمل توحيد الحقوق والتعريفات ومسارات العلاج، إنشاء جهاز تفتيش لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي لمراقبة الخدمات الصحية المقدمة للمؤمنين، ويقترح تخصيص الاستفادة من التغطية والخدمات الصحية المجانية في إطار برنامج “أمو-تضامن” حصريا لدى المستشفيات العمومية لقطع الطريق على المصحات، إرجاع التغطية الصحية للطلبة وإقرار التغطية الصحية للوالدين، ومراجعة شاملة لسياسة التسعير، خصوصا بالنسبة للأدوية المكلفة.
وفي التشغيل، يقترح حزب الاستقلال عدة برامج متنوعة، منها تشغيل الشباب، منها برنامج “آفاق” لضمان الفرصة للشباب، يشمل فرصة التدريب والتكوين والعمل، برنامج “بداية” لدعم التنقل والبحث عن العمل، برنامج “100 ألف موهبة رقمية”، عبر تكوين وتأهيل آلاف الشباب للاندماج في الاقتصاد الرقمي العالمي، وإحداث آلية وطنية موحدة لإدماج حملة الشهادات في سوق الشغل، أما “البيجيدي” فيقترح سياسة خاصة لفئة الشباب تجمع التكوين والمواكبة الاجتماعية وفرص التدرج والمقاولة، كما يقترح إعادة تصميم برامج تحسين قابلية التشغيل لربطها أكثر بحاجيات سوق الشغل.
وفيما يخص القدرة الشرائية، يتعهد حزب الاستقلال بإحداث شركات جهوية لاقتناء وتخزين وتوزيع المنتجات الفلاحية والغذائية، اعتماد آلية وطنية شفافة لتتبع هوامش الربح، الرفع التدريجي من الحد الأدنى للأجور وفي المعاشات، تقوية الطبقة الوسطى، وفي السكن، يلتزم الحزب بإطلاق آلية وطنية لتيسير تمويل السكن الأول للشباب والطبقة المتوسطة، وتعزيز برنامج الدعم المباشر للسكن، وإطلاق عرض وطني جديد للسكن موجه للطبقة المتوسطة، أما حزب العدالة والتنمية، فيقترح جملة من الإجراءات التي تركز أساسا على مراقبة الأسواق ومسالك التوزيع ومحاربة المضاربة والاحتكار، عبر إصلاح أسواق الجملة وتقليص عدد الوسطاء غير المنتجين في أسواق المواد الأساسية، وإحداث لجان إقليمية دائمة لمراقبة الأسعار والجودة مع تشديد العقوبات، وإحداث نظام دائم لمراقبة وتتبع وضبط وتسقيف هوامش الربح لدى شركات المحروقات مع نشر نتائج هذا التتبع للعموم، وفيما يتعلق بالدعم الاجتماعي المباشر، يدعو البرنامج إلى تصحيح المؤشر الاجتماعي عبر استبعاد الاستهلاك الأساسي للماء والكهرباء والغاز والهاتف من المعايير التي تؤدي إلى إقصاء الأسر من الدعم المباشر ومن “أمو-تضامن”.
اختلاف الرؤى بين التقدم والاشتراكية والاتحاد الاشتراكي
في برنامجه الانتخابي، يركز حزب التقدم والاشتراكية على القطاعات الأساسية، كالصحة والتعليم والشغل والسيادة الغذائية، حيث يولي أهمية للنهوض بالمستشفى العمومي عبر رفع حصة الإنفاق الصحي إلى أكثر من 50 في المائة، وضمان توزيع عادل للعرض الصحي على مجموع التراب الوطني، والرفع من عدد الأطباء بـ 15 ألف طبيب وعدد الممرضين بـ 33500 ممرض، وإحداث 9 آلاف سرير استشفائي إضافي، كما يلتزم الحزب بتعميم التأمين الإجباري الأساسي عن المرض ابتداء من نهاية سنة 2028، ليشمل 8.5 ملايين مغربي الذين لا يزالون خارج التغطية الصحية، بينما يتعهد حزب الاتحاد الاشتراكي بتأهيل المستشفيات وتحفيز الأطر وزيادة عدد العاملين في القطاع، تخفيض كلفة العلاج الى أقل من 20 بالمائة، ومراقبة الصارمة للمصحات الخاصة والحد من اللجوء للقطاع الخاص، واستكمال بناء كافة المستشفيات الجامعية وتوسيع العرض الصحي العمومي في مختلف الجهات.
وفي التعليم، يقترح حزب “الكتاب” التصدي للتفاوتات المدرسية، عبر الاهتمام بالمدرسة العمومية من خلال تجهيز 30 ألف حجرة دراسية إضافية، مع إعطاء الأولوية للمناطق القروية والجبلية، وخفض معدل الهدر المدرسي إلى النصف، وتحديث المناهج الدراسية وتحسين تصنيف المغرب في التقييمات الدولية، وتقديم منحة ألف درهم للأسر لمساعدتها في الدخول المدرسي، ومن جهته، يقترح حزب “الوردة” تقليص الاكتظاظ وتعميم التعليم الأولي وتحسين جودة التعلم، وتخفيض الهدر المدرسي إلى النصف، وتعميم التعليم الأولي 100 في المائة.
في قطاع الشغل، يعد حزب التقدم والاشتراكية بإحداث مليون فرصة عمل لفائدة الشباب، وإقرار زيادة بنسبة 15 في المائة في الحد الأدنى للأجور على مرحلتين، إلى جانب منح تعويض مالي يبلغ 1000 درهم عن كل طفل متمدرس، والرفع من قيمة الدعم المباشر للأسر إلى 1000 درهم، فضلا عن خلق 100 ألف منصب عمل في القطاع الرقمي، وخفض معد البطالة من 13 إلى 10 في المائة عبر سياسة نشيطة للتشغيل، بدوره يقترح الاتحاد ربط التشغيل بأي دعم عمومي أو إعفاء ضريبي بخلق فرص للشغل، وإدماج 200 ألف شاب سنويا في سوق الشغل أو المقاولة، وإحداث 200 ألف منصب شغل قروي، وخفض بطالة الشباب إلى أقل من 10 في المائة.
أما في المجال الفلاحي، فيدعو حزب التقدم والاشتراكية إلى إعادة توجيه السياسة الفلاحية نحو الزراعات الاستراتيجية كالحبوب والزيوت النباتية والسكر، وتحقيق الاكتفاء الذاتي الوطني من الفواكه والخضر والبروتينات الحيوانية، والرفع من مداخيل صغار الفلاحين بنسبة 50 في المائة، وخفض استهلاك المياه في القطاع الفلاحي بنسبة 25 في المائة، وإحداث 100 سوق للقرب وأسواق أسبوعية، بينما يقترح الاتحاد توجيه الدعم مباشرة للفلاح الصغير وتوسيط بدل الوسطاء، وتثمين سلاسل الإنتاج الفلاحي وربطها بالتحويل والتسويق المحلي، وتعميم الولوج للماء، ثم الرفع من دخل الفلاحين الصغار بـ 30 في المائة.
تباين بين الحركة الشعبية والاتحاد الدستوري
من جهته، يقدم حزب الحركة الشعبية مجموعة من المقترحات والتعهدات في برنامجه الانتخابي؛ ففي التعليم يلتزم باسترجاع بوصلة الإصلاح الاستراتيجي لمنظومة التربية والتكوين، عبر إطلاق إصلاح متكامل للمدرسة العمومية يعيد إليها مكانتها، ويلتزم بإعادة تنظيم الزمن المدرسي باعتماد يوم السبت عطلة أسبوعية، ومراجعة شاملة للمناهج والمقررات، وإلغاء تسقيف سن الولوج إلى مهنة التدريس المحدد في 30 سنة، إلى جانب الدفاع عن مجانية التعليم العالي العمومي، بينما يقترح حزب الاتحاد الدستوري إصلاح التعليم وتحسين جودة المدرسة العمومية، وتعميم التعليم الأولي، وتقليص الفوارق بين المجالين الحضري والقروي، وإعادة الاعتبار للمدرسة العمومية، ثم تحسين ظروف هيئة التدريس، وتأهيل البنيات التحتية وتعزيز الحكامة داخل المؤسسات التعليمية، وفي الجانب الصحي، يقترح الحزب إرساء منظومة صحية رقمية متكاملة، تجعل المواطن في صلب الخدمات الصحية، وتضمن استمرارية العلاج عبر إحداث بطاقة صحية رقمية موحدة لكل شخص، تتضمن ملفه الطبي الإلكتروني، وتمكنه من الاستفادة من العلاج في مختلف المؤسسات الصحية دون الحاجة إلى إعادة الإجراءات الإدارية أو نقل الملفات الطبية، مع التوسع التدريجي في آليات الإعفاء من الأداء المسبق لتكاليف العلاج لفائدة المؤمَّن لهم، ويلتزم الحزب بمراجعة شاملة لنظام المؤشر الاجتماعي الرقمي، عبر تمكين ثلاث فئات من الولوج المباشر والمجانية دون مؤشر رقمي (الأرامل، والأشخاص في وضعية إعاقة، والمسنون)، بينما يلتزم الاتحاد الدستوري بتعزيز تمويل المنظومة الصحية، وضمان الاستفادة الفعلية من التغطية الصحية، وتقليص نفقات العلاج، وتحسين توزيع الموارد البشرية، والحد من هجرة الكفاءات، كما يقترح تعزيز الرعاية الصحية الأولية وطبيب الأسرة، وتطوير نظام موحد للمواعيد وتقليص آجال الانتظار، مع تقوية الوقاية والكشف المبكر عن الأمراض.
وفي ملف التشغيل، تعهد حزب ” السنبلة” بصرف تعويض شهري بقيمة 1000 درهم، ولمدة سنة، لفائدة العاطلين من حاملي الشهادات العليا الذين يتعذر عليهم التنقل للبحث عن فرص العمل، كما أعلن عن تصور لإعادة هيكلة “أنابيك” وتحويلها إلى منصة رقمية تستفيد من تقنيات الذكاء الاصطناعي لمواءمة فرص الشغل المتاحة مع الكفاءات الباحثة عن العمل، بينما يرى الاتحاد الدستوري أن التشغيل يجب أن يكون في قلب السياسات العمومية، ويلتزم بربط التحفيزات الاستثمارية بخلق فرص الشغل، توجيه جزء أكبر من الاستثمار نحو القطاعات والمشاريع ذات القدرة العالية على إحداث مناصب الشغل، تطوير التكوين المستمر وإعادة التأهيل المهني، وبناء نموذج اقتصادي يقوم على توازن واضح بين دور المبادرة الخاصة كمحرك أساسي للنمو وخلق فرص الشغل، وتسهيل ولوج الشباب إلى أول فرصة شغل.



