الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | أيدي المخابرات الأمريكية في قضية المهدي بنبركة ؟ “الحلقة 39”

تنشر لأول مرة

قضية المهدي بنبركة بقيت سرّاً غامضاً رغم انقراض ما يقارب ستة عقود على اختفاء هذا السياسي الكبير، ولكن اختطاف بعض المسؤولين المباشرين، أسهم في إرسال بعض الأضواء على جوانب مظلمة، مما كشف عن نوعية أجواء(…) القضية التي بقيت ماثلة كالطود، من جيل الستينات إلى اليوم.

والسلسلة التي تنشرها لكم “الأسبوع” اليوم وبشكل حصري، مُستخرجة من أوراق تركها مؤسس جريدتنا مصطفى العلوي، في خزانته الغنية، وهو الذي عاش ما قبل الاختطاف، وعايش ظروفه، وتعايش مع الأحداث التي أحاطت به، وجمع على مدى 60 سنة، ما يكفي من البيانات والصور، والوثائق والمراجع، وهي الأوراق نفسها التي نقدمها لكم وللتاريخ، ضمن حلقات “الحقيقة الضائعة”.

بقلم: مصطفى العلوي

    لو كان ضابط الشرطة “سوشون” مبتدئا غبيا، مجرد شرطي لا ينظر أبعد من أنفه، لما تأخر لحظة واحدة عن إخبار شركائه في مهمته، أولئك الأمريكيين الذين يعقد معهم اجتماعات يومية، بأنه سينفذ عملية اعتقال مغربي (مشكوك في انتمائه لأوساط المخدرات)، حسبما أبلغه ذلك “لوبيز”.

وبما أن “سوشون” ضابط شرطة قديم، ذكي، له سابق عهد بالمقاومة وبالشرطة الدولية، مكلف بالاتصال مع المخابرات الأمريكية، فإنه كان ملزما بأن يطلع المخابرات الأمريكية على مشروع “لوبيز”.

وبما أن أجهزة المخابرات العالمية ليست خليقة بهذه التسمية إلا لأنها تبحث في الشاذة والفاذة، وأن منظمة “سي. آي. إي” الأمريكية تحسب أنفاس المتحركين وتسجل أصواتهم في الهواء، فإنها بدون شك، علمت سواء عن طريق رجلها في العملية “سوشون”، أو عن طريق آخر، بتنظيم عملية اختطاف المهدي بنبركة. ومن هو المهدي بنبركة؟ إنه الرجل الذي كان يخطط لنسف الكيان الأمريكي في ثلاث قارات، ويتعامل مع العدو الأكبر للولايات المتحدة، فيديل كاسترو.. فأنفاس المهدي بنبركة إذن، كانت محسوبة وتحركاته مسجلة، ولو كانت الولايات المتحدة الأمريكية تقف مكتوفة الأيدي أمام محاولات نسف كيانها المدبرة على بضعة أميال من حدودها، متفرجة تنتظر تحقيق المعجزات، لأصبحت خليقة بأن تحتل مكانتها بين الدول المتأخرة في العالم، بينما العكس هو الصحيح.. إن الولايات المتحدة الأمريكية تعتبر بواسطة جهاز مخابراتها المركزية “سيا”، أكبر مطلع في العالم، بما فيه الاتحاد السوفياتي، على ما يجري في القارات الخمس، وما فوقها من أجواء، وما تحت محيطاتها من أعماق.

حدث في سنة 1962 أن طلب السفير الأمريكي في باريس، مقابلة الجنرال دوغول ليسلمه رسالة سرية من الرئيس كيندي، ويحكي الجنرال فيرنون والتيرز، خبير المخابرات الذي يجول اليوم ويصول مع الرئيس ريغان، أنه كان رفقة السفير الأمريكي لدى تسليم رسالة كيندي إلى دوغول، وقد فتح الجنرال المظروف، فوجد به صورا مكبرة مأخوذة من الأجواء العليا للصواريخ السوفياتية في أحد موانئ كوبا، وقد استغرب دوغول هذه العناية الكبرى من طرف الرئيس كيندي، وهذا القرار الغريب لإشراكه في الأسرار الكبرى للولايات المتحدة، فسأل السفير عن الطريقة التي سيتصرف بها الرئيس كيندي، فسارع السفير بإعطائه البيانات، لكن دوغول بقي مستغربا.

الجنرال والتيرز فسر في كتابه “مهمات محتشمة”، قرار الرئيس كيندي بإطلاع الجنرال دوغول على أسرار العملية فقال: ((لقد بلغ إلى علمنا أن الجنرال دوغول صرح أثناء اجتماع حضره مستشاروه المقربون قائلا: إذا كانت الولايات المتحدة عاجزة عن درء الخطر السوفياتي الجاثم على بعد مائة وخمسين كيلومترا من أرضها، فكيف نعتمد عليها في أن تعمل شيئا من أجل أوروبا؟)).

لقد كانت المخابرات الأمريكية تعرف حتى ما يدور بين الجنرال دوغول ومساعديه داخل مكتبه.. فكيف لا تعرف ما يدور بين مجموعة من عملاء المخابرات الفرنسية بينما أغلبهم يشتغل بطريقة مزدوجة، مع مخابرات بلاده ومع المخابرات الأمريكية، إن لم يكن علنا – كما هو وضع “سوشون”،الشرطي الذي اختطف بنبركة – فسرّا كما هو حال الأغلبية الساحقة من عملاء المخابرات الفرنسية.

ولنعجل بالخروج من حلقة الاحتمالات، لنتطرق مباشرة إلى الجوانب العملية التي لا تترك للشك ذرة أمل في البقاء.

لقد كشفت التحريات الأخيرة في قضية اغتيال كيندي، والتي لازالت أسرارها تنكشف يوما بعد يوم، أن جهاز الدولة الكوبية، خلال السنوات المتوالية ما بين 1959 و1966، كان خاضعا لنفوذ عملاء المخابرات الأمريكية “سيا”، وأن مدير المخابرات العسكرية الجوية، ورجل الثقة لدى فيديل كاسترو ومستشاره، فرانك ستورجيس، كان ضابط استعلامات أمريكي، تسلل إلى صفوف كاسترو منذ انطلاق الثورة ضد الديكتاتور باتيستا، وحصل على الثقة المطلقة للرئيس كاسترو، كما أن الفتاة الجميلة التي كان الرئيس كاسترو يسلم إليها نفسه ويغدق عليها حبه،ماريتالورانز، هي أيضا ضابطة مخابرات أمريكية مع زميلها ستورجيس، وقد رجعا معا سنة 1977 ليمثلا أمام قاضي بحث في قضية اغتيال كيندي، واعترفا في محضرهما أنهما لم يشاركا في اغتيال الرئيس، بحكم تواجدهما في مهمة بكوبا طالت عدة سنوات. فرانك ستورجيس حصل على التقاعد الآن، ويشتغل في ميامي مديرا لشركة تسمى “مؤسسة محاربة الشيوعية العالمية”، وقد صرح أثناء التحقيق الأخير أنه كان على اتصال دائم برؤسائه في الإدارة الأمريكية للمخابرات، وأنه كان يقول لهم دائما: ((إنه في استطاعتي اغتيال كاسترو في دقيقتين))، فكيف يعقل إذن ألا تكون منظمة “السيا” سنة 1965، على اطلاع واسع بما يدور في كوبا، وبالاستعدادات التي يجريها المهدي بنبركة لتنظيم مؤتمر القارات الثلاث، وبالتالي، تتبعه في تنقلاته عبر دول العالم؟

ومادام الحديث قد سبق عن الجنرال فيرنون والتيرز، الرجل الذي تربع على عرش المخابرات الأمريكية، وهو الآن سفير متنقل للرئيس ريغان، بعد أن قضى حياة طويلة في خدمة الجيش والمخابرات الأمريكية، فإن اسمه ورد وبإلحاح في قضية المهدي بنبركة، نتيجة حتمية لتواجده كملحق عسكري أمريكي في سفارة بلاده بباريس خلال المرحلة التي اختطف فيها المهدي بنبركة، إضافة إلى مهمته الرسميةكمراقب لشؤون المخابرات الأمريكية في أوروبا الغربية.

خلال انعقاد الجلسات الأولى للمحاكمة الأولى لمختطفي المهدي بنبركة، رفعت الصحفية المتخصصة في التصوير، أنيت كورنيي، مذكرة إلى هيأة الدفاع تتضمن شهادة مكتوبة لما شاهدته بعينها يوم الاختطاف وساعة الاختطاف، وقالت بالتفصيل: ((إنها كانت جالسة في مقهى ليب، التي كان المهدي بنبركة في طريقه إليها يوم اختطافه، ولم يكن لها علم لا بالموعد ولا بالاختطاف، وإنما كانت جالسة مع أصدقاء لها في انتظار الكاتب اليميني، دومينيك دورو، مع صديقه الكاتب الأمريكي إيزارا بوند، وبغتة، التفت إليها أحد جلسائها، محتاطا، ليقول لها، لا تتكلمي بصوت مرتفع، إنه يوجد بجانبنا شخص أمريكي هام، من المسؤولين عن منظمة المخابرات الأمريكية “سيا”، فالتفت جليسها الثاني متفحصا وجه الرجل الجالس والمريب، فقال لها إني أعرفه، فقد أسهم في تمويل عدة كتب ضد الشيوعية، وخلق متاعب جمة للكاتب الشيلي بابلو نيرودا، وإن هذا المسؤول الكبير يعرف في أوساط المخابرات باسم “الماجور”)).

وفي 8 يناير 1975، نشرت الجريدة الانتقادية الفرنسية “لوكانارأنشيني”، تفاصيل تؤكد أن الرجل الوارد في محادثة المصورة كورنيي، كان هو الجنرال والتيرز، إلا أن هناك عنصرا يرجح كفة الشك في كون “الماجور” هو الجنرال والتيرز.. فقد كانت فرنسا في تلك الأثناء تعرف شخصا آخر يعمل مع المخابرات الأمريكية ويعنى بالكتابة والنشر، وهو مايلزكوبلاند، مؤلف كتاب “لعبة الأمم”، وهو الذي نشر في مذكراته المجموعة في كتابه “رييل سباي وورلد” المنشور سنة 1974، أنه كان عميلا للمنظمة المركزية للمخابرات “سيا” متخصصا في الشؤون العربية، وكان يعمل تحت اسم “الماجور لينكولن”، وأنه كان يسكن سنة 1965 في لندن، إلا أنه كان يأتي عادة لباريس، حيث كان الكل يعرفه باسم “الماجور”.

كوبلاند أو والتيرز.. المهم أن كل التحريات أكدت وجود خبراء أمريكيين في مقهى “ليب” ساعة اختطاف بنبركة، شهد بذلك حتى رجال المراقبة السرية، ولذلك ورد الحديث عن العناصر الأمريكية المراقبة والملاحظة لساعة الاختطاف، سواء في الكتب المؤلفة عن بنبركة، أو الأفلام السينمائية التي أخرجت بالمناسبة.

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى