الحقيقة الضائعة | رسالة “جوليان” إلى المحكمة في قضية بنبركة
الأسئلة الموجهة للمهدي "الحلقة 36"
تنشر لأول مرة
قضية المهدي بنبركة بقيت سرّاً غامضاً رغم انقراض ما يقارب ستة عقود على اختفاء هذا السياسي الكبير، ولكن اختطاف بعض المسؤولين المباشرين، أسهم في إرسال بعض الأضواء على جوانب مظلمة، مما كشف عن نوعية أجواء(…) القضية التي بقيت ماثلة كالطود، من جيل الستينات إلى اليوم.
والسلسلة التي تنشرها لكم “الأسبوع” اليوم وبشكل حصري، مُستخرجة من أوراق تركها مؤسس جريدتنا مصطفى العلوي، في خزانته الغنية، وهو الذي عاش ما قبل الاختطاف، وعايش ظروفه، وتعايش مع الأحداث التي أحاطت به، وجمع على مدى 60 سنة، ما يكفي من البيانات والصور، والوثائق والمراجع، وهي الأوراق نفسها التي نقدمها لكم وللتاريخ، ضمن حلقات “الحقيقة الضائعة”.
تتمة المقال تحت الإعلان

لا يقل الإرهابي الآخر “جوليان لوني”، نقاوة ولا طهارة يد عن سابقيه، وخصوصا رفيقيه في اختطاف بنبركة، “بوشسيش” و”باليس”، إضافة إلى “لوبيز”.. فقد كان “لوني” أحد أقطاب عمليات تهريب المخدرات، خصوصا تلك التي أوجزت – وباختصار- في فيلم “فرينش كونيكشون”، كما أنه واحد من أبطال عملية تهريب الدينار الجزائري في أعقاب استقلال الجزائر، تلك العملية التي دبرها “جواتيا” باتفاق مع المحامي “لومارشان” لإنقاذ الثروات الفرنسية من الجزائر، وفي هذه النقطة يلتقي “لوني” هو أيضا مع “لومارشان”، ومع عصابة “جواتيا” و”لوبيز”.
لقد كان “جوليان لوني” من بين مختطفي المهدي بنبركة، حيث كان راكبا في السيارة، حسب جميع القرائن، وحسب شهادة “لوبيز” أمام المحكمة، كما أن “فيكون” الذي تربطه بـ”لوني” علاقات وطيدة، صرح لأصدقائه أن “لوني” اتفق معه على قلب الموقف لفائدتهم الخاصة، ولكن أهم ما في وضع “لوني” تجاه قضية بنبركة، هو أنه لم يهرب في الأيام الأولى كما فعل شريكاه “بوشسيش” و”دوباي”، وإنما بقي في باريس مختفيا إلى تاريخ 3 فبراير 1966، بل ربما أبعد، حيث إنه أسهم في إرسال أضواء جديدة على قضية الاختطاف قبل نهاية المحاكمة الأولى، حين وجه إلى المحكمة رسالة قرئت في جلسة 8 أكتوبر 1966، تعتبر عنصرا جديدا في القضية، خصوصا وأنها صادرة عن مجرم هارب، لا ينتظر شفقة من المجتمع، وإنما اختفى بعد قراءة رسالته وإلى الأبد.
تقول رسالة “جوليان لوني” إلى المحكمة، وقد قرئت قصد تنوير هيأة المحكمة: ((في بداية شتنبر 1965، أخبرني “فيكون” بأنه بصدد تحضير عملية هامة خارقة للعادة.. فقد تعرف أخيرا على المهدي بنبركة في القاهرة حيث اتفق معه على مشروع فيلم سينمائي بشأن التحرر من الاستعمار، وسيكون لهذا الفيلم صدى هام في العالم، حيث إن بنبركة هو رئيس منظمة القارات الثلاث، وفي نفس الوقت، مشاغب عالمي معروف، صديق لعبد الناصر وفيديل كاسترو.
إضافة إلى هذا، فإن “فيكون” يعتبر الفيلم فرصة لتنظيم مقابلة على مستوى هام، وعن طريق “لوبيز”، بين المهدي وشخصيات هامة من بلد المهدي، ولقد بدا لي أن هذا الموضوع معقد، إلى أن حصل يوم 8 شتنبر 1965، حيث رافقت “فيكون” عند المحامي “لومارشان”، الذي كان في بيته البدوي، وطلب مني “فيكون” أن أرافقه بعد أن وافقت على مشاركته في المشروع بقولة “نعم” إذا كانت هناك ضمانات من طرف الأستاذ “لومارشان” بعد أن أكد لي “فيكون” أن المحامي يشمل المشروع بعنايته، ولم يكن من شأن “فيكون” أن يحرج من تقديمي لـ”لومارشان”، الذي كنت أعرفه وشاركته في مهام مماثلة ومهنية، وقد دخل “فيكون” وحده عند الأستاذ “لومارشان” وعاد لاستدعائي للدخول نصف ساعة من بعد، كانت في البيت تجري أشغال الإصلاح، وأتذكر أن الشتاء كان يهطل باستمرار، لدرجة أنه كانت هناك أخشاب موضوعة بين الأرض ومدخل البيت، واستقبلنا “لومارشان” في الصالون الذي تطل نوافذه على الطريق العام، وبادر “لومارشان” بأن أكد لي ما قاله لي “فيكون” مسبقا بخصوص الرغبة المشفوعة برضى المصالح الفرنسية على تنظيم اللقاء، وأن ذلك سيكون ذا مردودية بالنسبة لي، وما دام “فيكون” يرغب في ذلك، فإن مشاركتي ستكون متواضعة.
ودائما حسب المحامي “لومارشان”، فإن هذه المقابلة التي تستهدف التغلب على عدة مشاكل بين الطرفين، المهدي بنبركة والحكومة المغربية، ستكون لها نتائج جد هامة، كما أن الطرف الفرنسي الذي أسهم في تنظيم هذا اللقاء، سيحصل على كسب كبير.
عندها، صرحت بأني سأكون رهن إشارة “فيكون” عندما يرى الوقت مناسبا، وهذا القبول من طرفي إنما كان نتيجة مساهمة المحامي “لومارشان” في هذه القضية.. فقد كنت أعرف أنه عنصر عامل في أوساط الجهاز الخاص، إضافة إلى أن “فيكون” قدمه لي على أنه رئيس عصابات “الباربوز” المحاربة للحركة الوطنية في الجزائر، فلم أكن مستغربا مشاركته في هذه القضية (قضية المهدي بنبركة)، بل بالعكس، زدت اطمئنانا حينما أخبرني “فيكون” بأن الشخص الثاني المكلف بالعملية هو “لوبيز”، الذي أعرفه معرفة ضرورية، لكونه عنصرا هاما في جهاز المخابرات الفرنسية “سديك” متخصصا في شؤون المغرب.
ثم غادرنا بيت “لومارشان” فيما بعد، بعد أن اتفق “فيكون” على لقاء “لومارشان” في اليوم التالي، حيث وعده بالرجوع ليقدم له بيانات إضافية، وهو ما عاد “فيكون” لتأكيده لي، مضيفا أن هناك شخصية رسمية أخرى كلفت بالقضية، وهي شخصية “بوتي جان” من مصالح الاستعلامات الفرنسية – “بوتي جان” تصغير لاسم الكوميسير “جان كاي”، الصديق الحميم والمساعد الأيمن لوزير الداخلية روجي فري – والذي قدم لي “فيكون” اسمه على أساس أنه الرجل الأساسي في القضية.
ولقد توصلت من المحامي “لومارشان” بتأكيدات حول هذا العنصر الجديد في مقابلة معه يوم الخميس 23 شتنبر في المسكن المعروف باسم “ريزيدانس نييل”، حيث التحق بي “لومارشان” مع “فيكون”، ولم يظهر لي أي أثر للغموض في هذا المشروع، خصوصا وأن “فيكون” كان يتحرك في واضحة النهار مستعملا اسمه الحقيقي مع المجموعة الأخرى المكلفة بإنجاز الفيلم، إضافة إلى مشاركة المحامي “لومارشان”، عضو البرلمان وممثل حزب “الاتحاد الوطني الجمهوري” والاختصاصي في شؤون المخابرات، والذي كان يقدم الكوميسير “بوتي جان” على أنه يمثل الدعم الملموس للدوائر العليا الحاكمة، أما “لوبيز”، فقد كان بالنسبة لي رجلا هاما وعميلا للمخابرات، وقد أخبرني “فيكون” أنه عندما سافر إلى جنيف رفقة “لومارشان” في 20 شتنبر، بلغ المحامي العميل “أنطوان لوبيز”، بأن هناك سندا كبيرا للمشروع، كما أن “لوبيز” أكد لي شخصيا هذه الضمانات.
وبعد تنفيذ العملية، جاء “فيكون” في سيارة “جاكوار”، ربما هي سيارة صديقه جان “فينيو”، واختطف المهدي بنبركة من بيت “بوشسيش” في “فونتي لوفيكونت”)).
معلومات من الأهمية بمكان، ولكن الرئيس بيريز، رئيس محكمة الجنايات الفرنسية، وقد كان طوال المحاكمتين اللتين ترأسهما، جافا غامضا، علق بعد قراءة هاته الرسالة بقوله: ((إن المحكمة لا تولي هذه الرسالة أي أهمية، وإذا كان “لوني جوليان” يريد قول شيء للمحكمة، فليحضر بشخصه))، كما أن الرئيس أمر بالتأكد من خط “لوني” وأصدر في جلسة عاشر أكتوبر 1966، أمرا لخبراء مختصين للتحقق فيما إذا كان الخط الذي كتبت به الرسالة هو خط “لوني”، فجاءت الاحتمالات الأولى متشككة، فأمر ثانية بإعادة التحقيق، ولكن الجواب النهائي لم يأت إلا خلال المحاكمة الثانية (19 أبريل 1967)، وكانت نتيجة التحقيق: لا يوجد أي شك في أن الرسالة مكتوبة بخط “جوليان لوني”.
وثالث الأربعة، “بيير دوباي”، سليل الإجرام والإرهاب، خبير في القتل مباشرة وعن طريق الاغتيال، يده سريعة إلى الضغط على الزناد قبل عقله، لذلك اختاره كبير الإرهابيين “جواتيا” ليكون حارسه الخاص، تكمن براعته في أنه رغم مرافقته لمعلمه “جواتيا”، سواء في مغامراته بالمغرب أو في إفريقيا السوداء، خصوصا في الكاتانغا، أو اختطاف باتريس لومومبا، أو اختطاف الكولونيل آركو بألمانيا، فإنه بقي متمتعا بملف لا تشوبه شائبة.
دخل قضية بنبركة من لحظة وقوفه بباب بيت “بوشسيش”، في انتظار وصول سيارة الشرطة الفرنسية التي نقل فيها السياسي المغربي، فقد حرص على أن يحضر لحظة الوصول رغم أنه حضر لحظة الاختطاف في شارع “سان جيرمان”، حيث كان من بعيد في سيارة من نوع “سيتروين ذ. س” يشهد الاختطاف، وسريعا ما انطلقت سيارته ومعه “باليس” للوصول إلى “فونتي لوفيكونت” قبل وصول سيارة المختطفين، ولا أحد يدري ماذا كان دوره أثناء استنطاق المهدي بنبركة، ولولا اعترافات “لوبيز” أمام المحكمة لما ورد إطلاقا اسم “دوباي” في المحاكمة، بينما يستبعد أن يعود اسمه ليدرج على سجلات الأحداث.. فقد اختفى هو أيضا إلى الأبد، ولا أحد يعرف أين.



