الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | بنبركة بين رجال العصابات والشخصيات المرموقة

الأسئلة الموجهة للمهدي "الحلقة 35"

تنشر لأول مرة

قضية المهدي بنبركة بقيت سرّاً غامضاً رغم انقراض ما يقارب ستة عقود على اختفاء هذا السياسي الكبير، ولكن اختطاف بعض المسؤولين المباشرين، أسهم في إرسال بعض الأضواء على جوانب مظلمة، مما كشف عن نوعية أجواء(…) القضية التي بقيت ماثلة كالطود، من جيل الستينات إلى اليوم.

تتمة المقال تحت الإعلان

والسلسلة التي تنشرها لكم “الأسبوع” اليوم وبشكل حصري، مُستخرجة من أوراق تركها مؤسس جريدتنا مصطفى العلوي، في خزانته الغنية، وهو الذي عاش ما قبل الاختطاف، وعايش ظروفه، وتعايش مع الأحداث التي أحاطت به، وجمع على مدى 60 سنة، ما يكفي من البيانات والصور، والوثائق والمراجع، وهي الأوراق نفسها التي نقدمها لكم وللتاريخ، ضمن حلقات “الحقيقة الضائعة”.

تتمة المقال تحت الإعلان
بقلم: مصطفى العلوي

    إذا لم يكن للقارئ خيار غير استغراب هذا الكشكول المريع للشخصيات الرسمية والمرموقة ورجال العصابات، وحتى المجانين والمجرمين، ممن أدلوا بدلوهم في قضية المهدي بنبركة، مما يضخم بين اللحظة والأخرى نقط التعجب المهيمنة على وضعية تطلبت جمع كل هذه المجموعة من الأرذال والرعاع، حول مشروع اختطاف زعيم سياسي مغربي، فإن أغلب الذين سبق الحديث عنهم، باستثناء أنطوان لوبيز، لم يمثلوا أمام العدالة الفرنسية، لا خلال المحاكمة الأولى (19 أكتوبر 1966) ولا أثناء المحاكمة الثانية (19 أبريل 1967)، وإنما يتطرق الفصل التالي لمجموعة أخرى هي التي نفذت العملية، ولكنها هي أيضا لم تحضر المحاكمة، وإنما اختفت عن الأنظار وإلى الأبد.

تتمة المقال تحت الإعلان

فإضافة إلى “أنطوان لوبيز”، الذي تنكر في مظهره، ووضع شنبات وشعرا اصطناعيا ليسهم في العملية ويركب في السيارة التي نقلت المهدي بنبركة زوال يوم 29 أكتوبر 1965، ونقله إلى بيت في ضواحي باريس، بمنطقة “فونتوني لوفيكونت”، فإن هناك الرباعي الذي اختير من طرف منظمي العملية، من أوسخ الأوساط الفرنسية، وتم التنقيب عليه في بؤر الإرهاب والقتل والفساد، لينفذ العملية بكل ما تتطلبه من عنف ونذالة، دون مراعاة لأي جانب إنساني أو أخلاقي.

ويأتي طبعا على رأس اللائحة، المسمى “جورج بوشسيش”، وهو الشخص الذي استقبل السيارة الناقلة للمهدي بنبركة بعد اختطافه، بصفته صاحب البيت الذي قيل للمهدي بنبركة أنه بيت معد لمقابلة شخصية مغربية، ولو قارنا بين مصداقية هذا الادعاء وبين الشخص الذي وضع بيته لتنفيذ هذا اللقاء، لوجدنا أن اللقاء المزعوم كان من نفس مستوى صاحب البيت “بوشسيش”.

ولوضع النقط فوق حروفها، لابد من الانطلاق في حياة “بوشسيش” من معالم تاريخية، في عالم الإرهاب والإجرام طبعا.. فقد كان – وبكل بساطة- عنصرا أساسيا في كل أعمال السرقة والنهب التي عرفتها فرنسا بعد الحرب العالمية الثانية، تلك الحوادث التي نلقها مخرجو أفلام الإجرام إلى أشرطة لا يصدقها العقل. جماعة “بوشسيش” هي جماعة بيير لوتريل، المعروف باسم “بييرو لوفو” الذي قضّ مضاجع شرطة العالم سنة 1946 بهجماته المسلحة وأساليبه الإجرامية التي أخرجت من مدرستها كبير الإرهابيين “جواتيا”، وفي 26 شتنبر، وفي أعقاب معركة بالسلاح في بوابة أحد البنوك، حصل “بوشسيش” على درجة عليا من الاحترام في أوساط الإجرام، وأصبح يحسب له حسابه، حينما لم يستطع معلمه “بييرو” الأحمق و”جواتيا” الفرار من قبضة الشرطة، بينما استطاع “بوشسيش” بعد أن أصيب برصاصة في رجله، أن يقفز في نهر المارن، حيث إن المعركة جرت في منطقة “بري سور مارن” ويقطع مسافة طويلة تحت الماء متنفسا بقصبة في فمه، مما أهله وأهل رفيقيه، وهم في المعتقل، أن يحظوا بتقدير المخابرات الفرنسية “سديك”، وأصبح الثلاثة منذ ذلك التاريخ، يعملون في مجال القتل والسفك والإرهاب، وفي جيوبهم الورقة الرسمية المخططة بالألوان الثلاثة: الأزرق والأبيض والأحمر، لولا أن الرئيس الكبير “بييرو لوفو” مات متأثرا بجراحه بضعة شهور فيما بعد، ليخلف الزعامة مقتسمة بين “جواتيا” و”جورج بوشسيش”، وهو المعروف بين رفاقه في الإجرام بقسوته عندما كان جنديا عاملا مع “الكيستابو” النازية، وكانت المهام المسندة إليه من طرف المخابرات الفرنسية في إفريقيا، وخصوصا في ساحل العاج، مندرجة في سياسة البقاء الاستعماري الفرنسي في إفريقيا، ولكن مبالغاته كانت تجعله يتعرض بين الفينة والأخرى لغضبة مستعمليه، مما لم يشفع له عندما حكم عليه بالأشغال الشاقة لمدة سبع سنوات في سنة 1957، ولكنه خرج من السجن ليعود لنشاطه مع “جواتيا” مسجلا كسبا كبيرا لدى المخابرات الفرنسية، حينما شارك في اختطاف الكولونيل آركو من قلب مدينة ميونيخ الألمانية في 23 فبراير 1963، ولا يجب أن يغيب عن أذهاننا أن المجموعة التي اختطفت الكولونيل آركو في ألمانيا، هي التي كلفت باختطاف المهدي بنبركة، وتتكون من “بوشسيش”و”باليس”، ومن المقابل الذي حصل عليه هو ورفاقه، “باليس” و”جواتيا” و”لوبيز”، وهذا الأخير هو الذي أسهم في محاولة اغتيال الزعيم علال الفاسي، استطاع “بوشسيش” أن يتخصص في الدعارة، ففتح عدة مواخير مشهورة في باريس: الأول “فرانس باريس”، والثاني “لونيك”، وهما ماخوران في شكل شركة بينه وبين “لوبيز”و”جواتيا”، وأسس ماخورا في المغرب قبل الاستقلال واشترى فندقا كبيرا في الدار البيضاء، وهي المؤسسات التي أهلته لأن يتعرف على أوفقير، وبالتالي، لكي يحصل على ثقته، بعد أن برع في تقديم بعض الخدمات الخاصة، كاستيراد البنات من باريس، ولكن هذه الجزئية لم تكن وحدها كافية لإسدال رداء الثقة على “بوشسيش”.. فقد كان ماضيه وارتباطاته الحاضرة بالمخابرات الفرنسية عاملا أساسيا في تكليفه من طرف أوفقير بالإسهام في عملية اختطاف المهدي بنبركة، ولقد ذكر “لوبيز” في جميع جلسات المحاكمتين، أن “بوشسيش” كان يتصل به تلفونيا طالبا التعجيل بتخليصه من بنبركة المسجون في بيته، هذا البيت الذي لاشك أنه كان مستعملا لعدة أغراض، أهمها مراقبة ما يدور حول المجمع السري للمختبرات الذرية الفرنسية في “ساكلي” المجاورة لبيت “بوشسيش”، ولكن عصبية “بوشسيش” وطبعه المتأثر بالإجرام، جعلاه يدخل مع بنبركة في مشادة كلامية قالت مجلة “تايم ماغازين” الأمريكية عدد 29 دجنبر 1975، أنها جعلت “لوبيز” يمنع بنبركة من الاتصال بالتلفون، ولكن الشيء المؤكد هو أن “بوشسيش” توجه إلى أورلي للالتحاق في الثالثة ليلا بـ”لوبيز”، في انتظار أوفقير، مستعجلا التخلص من المسجون المتواجد في بيته، وهي الفترة التي ترك فيها بيته خاليا من كل مراقبة، وربما هي الفترة التي جاء فيها “فيكون” واختطف المهدي بنبركة من البيت، ذلك أن كل الأحداث تغيرت منذ ذلك الوقت، خصوصا وأن المؤرخ “دانييل كيران” ذكر في كتابه: “16 سنة على اختطاف بنبركة”،أن أحد السياسيين المطلعين الذي لم يرغب في نشر اسمه، صرح له بأن بنبركة ثار بعصبية على احتجازه، وهمّ بالهروب، لكن “بوشسيش” عاجله بضربة قوية، وهو أحد جنود “الكستابو”، فسقط المهدي بنبركة، ولكن لو كان المهدي بنبركة قد مات في تلك اللحظة، لما توجه “بوشسيش” إلى المطار في المساء لانتظار أوفقير واستعجال التخلص من المسجون، وفقا لما صرح به “لوبيز” أمام المحكمة، رغم أن المؤرخ الفرنسي الذي وقف حياته على الاهتمام بقضية بنبركة، استنتج من أبحاثه أن المهدي بنبركة قتل على يد “بوشسيش”، إلا أن هذا الاحتمال يتناقض مع الأحداث التي وقعت وصنفت وفصلت في الفصل السابق المختص بالإرهابي “فيكون”، وبالمزايدات التي كان يطالب فيها بثمن مقابل تسليم بنبركة للراغبين فيه، وبما ورد في كلامه من أنه اتفق مع “بوشسيش” و”لوني” على اختطاف بنبركة لحسابهم الخاص، كما أن “بوشسيش” لو كان قد قتل المهدي بنبركة فعلا، لما توجه إلى المغرب، وكانت كل الصحف في تلك الأثناء قد تحدثت عن وصوله للمغرب، الشيء الذي أكدته زوجته المقيمة بالمغرب والتي قالت بأنه بقي حيا إلى سنة 1971.

ولقد استنطق قاضي البحث “بانسو”، في فاتح دجنبر 1976، زوجة “بوشسيش” التي قدمت شكوى بموت زوجها في المغرب، فأكدت للبحث أن زوجها “بوشسيش” لما عاد إلى المغرب، قال لها: “لقد ارتكبت غلطة فادحة”.. فهل هي قتل المهدي بنبركة، أم أنها اختطافه والمساهمة في مساومته مع “فيكون” الذي خبأ بنبركة وأخفاه في محل مجهول لم يعرف، نتيجة موت “فيكون” مقتولا شهرين ونصف بعد اختطاف السياسي المغربي؟

 

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى