الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | هل تقف مخابرات إسرائيل وراء اختطاف بنبركة ؟

الأسئلة الموجهة للمهدي "الحلقة 33"

تنشر لأول مرة

قضية المهدي بنبركة بقيت سرّاً غامضاً رغم انقراض ما يقارب ستة عقود على اختفاء هذا السياسي الكبير، ولكن اختطاف بعض المسؤولين المباشرين، أسهم في إرسال بعض الأضواء على جوانب مظلمة، مما كشف عن نوعية أجواء(…) القضية التي بقيت ماثلة كالطود، من جيل الستينات إلى اليوم.

تتمة المقال تحت الإعلان

والسلسلة التي تنشرها لكم “الأسبوع” اليوم وبشكل حصري، مُستخرجة من أوراق تركها مؤسس جريدتنا مصطفى العلوي، في خزانته الغنية، وهو الذي عاش ما قبل الاختطاف، وعايش ظروفه، وتعايش مع الأحداث التي أحاطت به، وجمع على مدى 60 سنة، ما يكفي من البيانات والصور، والوثائق والمراجع، وهي الأوراق نفسها التي نقدمها لكم وللتاريخ، ضمن حلقات “الحقيقة الضائعة”.

تتمة المقال تحت الإعلان
بقلم: مصطفى العلوي

    تمضي الأيام سراعا.. ويقترب موعد وصول المهدي بنبركة لباريس، ويستمر “فيكون” في مساوماته، ويبرع خبراء أجهزة الاستعلامات الفرنسية، ورئيسه المحامي “لومارشان” في تهدئته حتى لا يفسد العملية. ويقول مدير جريدة “مينوت” في شهادته للمحكمة: ((إن “فيكون” كان كل يوم يتصل به تلفونيا: لا تنشر.. انتظر)).. المهم، أن “فيكون” كان عاجزا عن إصدار الأمر إلى جريدة “مينوت” بنشر الموضوع، من جهة، لأنه كان يتلقى وعودا من رئيسه “لومارشان” بأن المائة مليون في الطريق، ومن جهة أخرى، لأن أحد المحررين الرئيسيين في تلك الصحيفة، جيرالد كوهيي، كان مراسلا للمخابرات الفرنسية التي منعت مدير جريدة “مينوت” من نشر أي شيء من موضوع “فيكون”. وقتها، أقفلت أبواب النجاة في وجه بنبركة الذي لم يكن يعرف شيئا.

تتمة المقال تحت الإعلان

أكيد أن “فيكون” كان يعمل لحسابه الخاص عندما اقتربت الكارثة من الوقوع، وكان ينتظر المائة مليون، ولكن.. يبقى السؤال الكبير: لمن كان يشتغل “فيكون”، ولفائدة من، ومن كان يدفع له المصاريف التي دفع منها أثمان تذاكر الطائرة للقاهرة ولجنيف، وادعائه تمويل الفيلم؟ وهناك سؤال يبقى مطروحا بإصرار: هل هي المخابرات الإسرائيلية؟

لقد نشر مدير جريدة “مينوت”، فرانسوا برينيو، في اعترافاته المتأخرة المنشورة بجريدته عدد 22 شتنبر 1966، أن “فيكون” عندما قدم له الملف التهديدي الكامل، سأله عن المصدر الذي يشتغل معه، فأجاب “فيكون”: ((إننا نعمل لفائدة الإقطاعيين الكبار، للذين لهم أموال باهظة في المغرب))، وهؤلاء كثر في المغرب، فإضافة إلى المعمرين الذين لم يبق لهم رصيد كبير في المغرب سنة 1965، هناك اليهود الذين يمثلون رؤوس الثروات.. وهذا، مرة أخرى، يؤكد إمكانية الدور الإسرائيلي في قضية المهدي بنبركة.

وكان طبيعيا جدا.. أن يتفق المعنيون الأساسيون بعملية اختطاف المهدي بنبركة على ضرب حصار على “فيكون” ومنع جنونه من فضح العملية.. من جهة، فهو يثق ثقة عمياء في المحامي “لومارشان”، ومن جهة أخرى، فهو يخاف خوف الفأر من القط من جهاز المخابرات الفرنسية ومن “لوبيز” الذي أصبح يحصي عليه الحركات والسكنات، ولكن الطرفين معا كانا عاجزين عن منعه من الاستمرار في تتبع الأحداث ومن الإسهام فيها، بل إن جزئية تافهة لم يفطن لها الجهازان، وضعت “فيكون” في صورة الأحداث بشكل بديهي، وربما مصيري بالنسبة لحياة المهدي بنبركة.

يحكي الصحفي “بيرنيي”، الذي كان معتقلا أثناء المحاكمتين، أنه بحكم خروجه عن الصورة، واقتناعه بسلامة مشروع الفيلم، وخوفه من إزعاج “فيكون”، اتصل به تلفونيا وأخبره أن المهدي بنبركة اتصل به وأخبره بوصوله إلى باريس في صباح الجمعة 29 أكتوبر، ولكن استطلاعات “فيكون” تجاه “رفاقه”، تظهر له أن الموضوع لازال جادا، وأن الكل ينتظر المهدي بنبركة، وكانت زيارة واحدة لـ”لوبيز” كافية لإطلاعه على أن المسمى “الشتوكي” وصل لباريس رفقة الإرهابي “بوشسيش”، وأن موعد الاتفاق من أجل “الفيلم” لازال قائما، ويفهم “فيكون” جزئيات السيناريو الحقيقي، ويعرف المخطط ومعناه، ذلك أن المهدي بنبركة سينقل إلى بيت “بوشسيش” في “فونتوني لوفيكونت”، فيتم اقتناعه بأن العملية ستتم بعيدا عنه، وبالتالي، يرى أنه سيفقد المائة مليون، ويقرر “فيكون” المشاركة في اللعبة، إن كانت رغم بذاءتها خليقة بهذه التسمية، ويصبح “فيكون” جزء من العملية قابلا لها، ولكن الصمت ليس من الميزات التي يتمتع بها “فيكون”، وقد صارح صديقه، مدير جريدة “مينوت”، في إطار التهديدات التي طلب منه نشرها، والتي نشرها مدير الجريدة في اعترافاته بتاريخ 22 شتنبر 1966، بالمخطط الذي ارتأى فيه بديلا لنشر الفضيحة قبل وقوعها. قال “فيكون” لمدير الجريدة: ((لقد قررت الاستفادة من العملية لحسابي الخاص.. وأشرك معي بعض العناصر المطلعة، أنظم عملية على طريقة المعلم “جواتيا”: اختطاف المعني بالأمر، وبيعه، وأنا وجو الثخين، “جو بوشسيش” و”ديدي” الكبير، (لوني)، قررنا أن نرفع مداخيلنا، ونأخذ المختطف المغربي لحسابنا، فالذي يهمنا هو المال)).

هنا تظهر خلفيات المخطط الذي أودى بحياة المهدي بنبركة، وضحك على ذقون المعنيين المغاربة والمخابرات الفرنسية، ووضع الدولتين المغربية والفرنسية أمام الأمر الواقع، وإذا كان هناك دليل على صحة هذا الاتجاه، فإنه لن يكون أكبر ولا أهم من أن الثلاثي الذي ذكره “فيكون”، والمكون منه ومن “بوشسيش” و”لوني”، واتفاقهم على اقتسام الغنيمة والاستيلاء على المهدي بنبركة لحسابهم الخاص، وبيعه لمن يريد أن يدفع أكثر، لن يكون أكبر ولا أهم من أن هذا الثلاثي قد فقد حياته في أعقاب الحادثة، فقد اختفى “بوشسيش” إلى أن تأكد أنه مات، واختفى “لوني” إلى أن تأكد أنه مات، ومات “فيكون” في الساعة التي دخل عليه رجال الأمن الفرنسي لاعتقاله.. وهكذا، يصبح من قبيل المنطقي أن الثلاثي اختطف المهدي بنبركة من بين أيدي مختطفيه، ولقي ثلاثتهم حتفهم عقابا لهم على تصرفهم(…).

ولوضع القارئ في الصورة الصحيحة لنوع المقلب الذي دبره “فيكون”، لا بد من تفسير المدلول الحقيقي لما رواه عنه الصحفي “برينيو” مدير جريدة “مينوت” في عدد 22 شتنبر، من أن “فيكون” صرح له بأنه سينظم عملية على طريقة المعلم “جو”، وبذلك يشير “فيكون” إلى حادثة مشهورة في أوساط الإجرام الفرنسي نظمها كبير المجرمين “جواتيا”، ولتصبح سابقة مشهورة في عالم الإجرام وهذا موجزها: ((في الخمسينات، عندما كان “جواتيا” في عز عظمة المجد الإرهابي يعادل كبار رجال المافيا العالمية ويهابه الكبار والصغار، اتصل به أحد أغنياء مارسيليا، فيكتور لاموت، مافيوزي ومجرم سابق متقاعد، وقال له: “إني على رأس ثروة كبرى ومحتاج لك”، فسأله “جو”: ولماذا؟ فقال: لقد ارتكبت ابنتي “جان” غلطة، تزوجت بشخص سافل، عرضت عليه الطلاق فرفض، وأنا أريد أن أكلفك بالحل. قال “جو”: وأي حل؟ فأشار “لاموت” بإبهامه إلى أسفل (إشارة الاغتيال عند أوساط المافيا)، واتفق “جو” مع الغني، وتوجه “جواتيا” إلى لوهافر، الميناء الفرنسي المشهور، حيث يتواجد صهر الغني “لاموت” ويسمى كاستون كيليرمان، وقد أخذ “جواتيا” معه مساعده الأيمن “جان باليس” (أحد الأربعة الذين اختطفوا المهدي بنبركة) وفي الطريق، حكى “جواتيا” لرفيقه “باليس” أنه يريد أن يضحك على الجميع، ودخلا على الشخص الذي كان مفروضا فيه أن يغتال، وأخبره “جواتيا” بنوايا صهره وقال له: عليك أن تختفي، وسأخبر صهرك بأني قتلتك، وأخذ منه الثمن، ثم تظهر حسب ما بدا لك. وفعلا، عاد “جواتيا” عند الصهر “لاموت” حاملا بطاقة تعريف صهره وحافظة نقوده، وقال له: لقد صفيته، وطالب بخمسة ملايين، وقد بلغ الصهر عن “جواتيا” للشرطة، فاعتقل “جواتيا”، وحصلت فضيحة كبرى أنهاها “جواتيا” بالكشف عن موقع الصهر الذي لم يقتل)).

كان “جواتيا” هو المثل الأعلى لـ”فيكون”، بل أن الإرهابي “جواتيا” لدى استنطاقه من طرف قاضي البحث في قضية المهدي بنبركة “زولينجير”، صرح له بأن “فيكون عرض عليه المشاركة في اختطاف المهدي بنبركة”، وكان استنطاق “جواتيا” في 16 فبراير 1966، آخر احتمال لإمكانية مشاركة “جواتيا” في اختطاف المهدي بنبركة أو مساهمته فيها من قريب أو بعيد، رغم أن جميع رجال “جواتيا” ومنهم “بوشسيش” و”لوني” و”باليس”، شاركوا مباشرة في اختطاف السياسي المغربي مثلما سبق لهم أن شاركوه في محاولة اغتيال الزعيم علال الفاسي.

“فيكون” إذن، كان يرغب في مزاولة دور منفرد في اختطاف المهدي بنبركة، على غرار الدور الذي لعبه مثله الأعلى “جواتيا” في قضية الثري “لاموت”، وستبدي الجزئيات التي ستأتي في أوانها، ثبوت هذا التخطيط.. إن لم يكن مؤكدا أن هذا هو الذي حصل فعلا للمهدي بنبركة.

إنه لا شك أن “فيكون” كان يمارس لعبة ثانية غير التي خطط لها ونفذها “لوبيز” ومن معه، ولا شك أيضا أن المحامي “لومارشان” كان لحسابه الخاص، أو لحساب أولئك الذين حرروا معه الأسئلة للمهدي بنبركة والذين توجد أسماؤهم بجانب اسمه في نهاية لائحة الأسئلة المنشورة في الفصول السابقة، أو لفائدة اتجاه مغربي آخر، أو من أجل الحصول على مائة مليون أو أكثر، كان “لومارشان” متتبعا للقضية، محضرا لاختطاف المهدي بنبركة من بين أيدي مختطفيه، وكان مخلبه داخل الجهاز هو “فيكون”.

 

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى