الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | لماذا تفاعل بنبركة مع فيلم تافه ؟

الأسئلة الموجهة للمهدي بنبركة "الحلقة 32"

تنشر لأول مرة

قضية المهدي بنبركة بقيت سرّاً غامضاً رغم انقراض ما يقارب ستة عقود على اختفاء هذا السياسي الكبير، ولكن اختطاف بعض المسؤولين المباشرين، أسهم في إرسال بعض الأضواء على جوانب مظلمة، مما كشف عن نوعية أجواء(…) القضية التي بقيت ماثلة كالطود، من جيل الستينات إلى اليوم.

تتمة المقال تحت الإعلان

والسلسلة التي تنشرها لكم “الأسبوع” اليوم وبشكل حصري، مُستخرجة من أوراق تركها مؤسس جريدتنا مصطفى العلوي، في خزانته الغنية، وهو الذي عاش ما قبل الاختطاف، وعايش ظروفه، وتعايش مع الأحداث التي أحاطت به، وجمع على مدى 60 سنة، ما يكفي من البيانات والصور، والوثائق والمراجع، وهي الأوراق نفسها التي نقدمها لكم وللتاريخ، ضمن حلقات “الحقيقة الضائعة”.

تتمة المقال تحت الإعلان
بقلم: مصطفى العلوي

    في 9 شتنبر 1965، بعث المنتج “فرانجو” رسالة وجدت في الحقيبة التي خلفها المهدي بنبركة عند وصوله لباريس وأدرجت في ملف المحاكمة، هذه ترجمتها الحرفية:

تتمة المقال تحت الإعلان

((سيدي الرئيس، اسمحوا لي أن أعبر لكم عن بالغ سعادتي لقبولكم مبدأ التعاون مع مشروع الفيلم الذي حدثكم عنه المسيو فيكون، ونتمنى صادقين أن تولوه عنايتكم بكتابة السيناريو.

ووفقا لرغبتكم التي عبرتم عنها لدى المسيو بيرنيي، ولدى المنتج المفوض، فإننا نوضح لكم أن نيتنا موجهة لإنتاج الفيلم انطلاقا من وثائق إعلامية سينمائية مدعومة بمشاهد تطبيقية مصورة تمثل فترات من كفاح الشعوب المستعمرة من أجل استقلالها.

ولا ننوي تخصيص مقاطع سينمائية عن كل دولة بمفردها، ولكن سنحلق عبر أجواء القضايا متوقفين عند المراحل الهامة.

وستخصص الدقائق العشر الأولى من الفيلم، للتذكير بظروف بعض البلدان النموذجية، مثل الهند، ومصر، والكونغو، والغابون، والجزائر، والمغرب، وكوبا، وستكون المشاهد المنقولة عن هذه الشعوب مقرونة بمناظر للظروف التي كان يعيشها المستعمرون، فيما يتولى المعلقون شرح الظروف التي كان يمارس فيها المستعمرون نفوذهم.

وبعد هذه المقدمة، سنتطرق بالترتيب إلى المراحل الأولية لمحاربة الاحتلال، بدءا من آسيا وانطلاقا من حرب الفيتنام وكوريا وأندونيسيا، مع تسلسل لمناظر العنف الاستعماري، وبزوغ الأفكار التحررية، وكذا في إطار المؤسسات الرسمية مثل “الكومونويلث” ومناطق النفوذ الفرنسي، لنخرج بالمتفرج مباشرة إلى مسرح المعارك الأخيرة التي يخوضها المستعمرون ضد الحركات التحررية.

وموازاة مع هذا، سنبرز نموذج الشمال إفريقي لنخرج إلى مؤتمر “باندونغ” الذي هو جوهر الشريط، وسنثير موضوع مؤتمر طنجة وكل التحركات الشعبية التي عرفها المغرب والجزائر في نفس الوقت الذي نتطرق فيه إلى اندلاع الثورة الكوبية في سييرا كوبا، كما أن النموذج الغيني تجاه استفتاء 1958، سيمكن الرئيس سيكوتوري من الكلام عن تأسيس حركة “التجمع الديمقراطي الإفريقي”.

وسنعود لكوبا، لنبلور الآمال المعقودة على ثورتها والآفاق التي تفتحها في وجه دول أمريكا اللاتينية، والإفريقية والآسيوية، وتصفية باتيسطا، وكل الجبابرة الحاكمين لأمريكا الجنوبية، وأخيرا، سقوط الجبار الأمريكي أمام فيديل كاسترو.

وستسمح مشاهد حرب الجزائر ومؤتمر “بلغراد” بتقديم نماذج عن هذه المسيرة الخالدة نحو التحرر، أما المناظر الأخيرة، فستتوجه إلى النظارة، للتفكير العميق في واقع النصر، وفي تواجد مشاكل باقية وممكنة مثل ما هو عليه الحال في أمريكا الجنوبية وعودة الحرب إلى الفيتنام، وأخيرا حول التلاحم الناجم عن عشرين عاما من الكفاح، مجسدة في الآمال المعلقة على مؤتمر القارات الثلاث في هافانا، والذي قيل لي أنه سيفتتح في يناير 1966.

هذه سيدي الرئيس، الخطوط العريضة للمشروع الذي كان موضوع لقائكم، وهذا المشروع بالطبع يمكن تحويره، خصوصا وأننا مرتبطون بما نتوفر عليه من أشرطة سينمائية.

وربما ستفتحون لنا بعض الأبواب لنتمكن من إغناء وسائلنا بما سنحصل عليه من وثائق مصورة ننسخها، وبمجرد ما تبلغوني جوابكم وموافقتكم المبدئية، مع احتمال إيجابيتها مقدما، ستحددون لي موعدا لجلسة عمل يشارك فيها مساعدي، مع كاتب مكلف بالتقاط ملاحظاتكم، وفي انتظار ذلك تقبلوا…)).

لو عرض هذا المشروع على أي مهتم بشؤون السينما، لخرج بالاستنتاج الوحيد: أنه مشروع تافه للغاية، وأن الشكوك خليقة بأن تحيط بهذا المشروع الذي هو أقرب إلى جمع وثائق إعلامية من صنف الأخبار المصورة من قربه إلى شريط من الأهمية، بحيث يكتب عليه اسم “المهدي بنبركة رئيس مؤتمر القارات الثلاث”، ولكن ورغم هذا، فقد سارع المهدي بنبركة إلى الإجابة سريعا عن رسالة “فرانجو”، وكانت رسالة بنبركة مؤرخة بتاريخ 22 شتنبر 1965، قصيرة على طريقة مراسلات المهدي بنبركة، وهذه رسالته:

((سيدي العزيز، لي الشرف أن أؤكد لكم موافقتي المبدئية على مشروع الفيلم وفق ما هو مفصل في رسالتكم المؤرخة بتاسع شتنبر 1965، وسنضع الخطوط التطبيقية للتنفيذ خلال مقابلتنا المقبلة.

وفيما يتعلق بتاريخ هذه المقابلة، فإني أقترح عليكم تاريخ 4 أكتوبر عوض يوم 5، حيث إنني مدعو للسفر إلى جنوب شرق آسيا بعد رجوعي من هافانا.

ومع صادق تقديري. المهدي.

ملاحظة: أرجوكم تبليغ السيد “بيرنيي” بتغيير التاريخ)).

وطبعا، كانت هذه النصوص وهذه الاتفاقيات والتحديدات، معلومات ثمينة يتعامل معها المهتمون بالمشروع الحقيقي، مشروع الاختطاف، لذلك، فإن “فرانجو” لم يتقابل يوما مع المهدي بنبركة، وإنما ذهب “فيكون” إلى جنيف مرفوقا برئيسه ومدبر العملية “لومارشان”، الذي كان حريصا على أن يشهد بنفسه من بعيد سير الأعمال، وكانت مقابلة جنيف في 20 شتنبر لولا أن حادثة خطيرة حصلت في مطار “أورلي” بباريس قبل امتطاء الطائرة.. فقد مثل “لوبيز” المنفذ الأساسي لعملية الاختطاف على “فيكون”، ومثل “فيكون” على “لوبيز” حين قدم “فيكون” رجل المخابرات “لوبيز” للمحامي “لومارشان”، ومثل “لومارشان” على “فيكون” أنه لا يعرف “لوبيز”.. هذه الحادثة، حادثة التمثيل القريب من المسرحي، والتي حكاها “لوبيز” أمام المحكمة، تبرز جانبا مهما في قضية المهدي بنبركة، وهي ازدواجية الأجهزة المهتمة باختطاف بنبركة.. فمن جهة، هناك “لوبيز” الذي يعمل مع جهازه “سديك”، وبالتالي مع أوفقير، وهناك جهاز “لومارشان” الذي يعمل لحسابه الخاص عن طريق “فيكون”، ويعمل ازدواجيا مع جهاز “سديك”، وهي جزئية لم يكن “فيكون” يعرفها وإلا لما قدم “لوبيز” للمحامي “لومارشان”، بينما تاريخ الإرهاب حافل بالأعمال المشتركة بين “لوماشان” و”لوبيز”.

خطورة هذا “التمثيل” كامنة أيضا في ذكاء “فيكون”، الذي اكتشف فيما بعد أن “لوبيز” يشتغل مع المحامي “لومارشان”، وأخذ يحسب حسابه لنفسه، ويتوقع أنه سيذهب ضحية مناورة من طرف المخابرات، ويمكن اعتبار يوم 2 أكتوبر يوما مصيريا بالنسبة لحياة المهدي بنبركة.

فقد صارح “فيكون” الصحفي “بيرنيي” متصورا أنه هو أيضا داخل في عملية المخابرات بحقيقة تخوفاته، بعد أن شرب ما يكفي من الويسكي، فانطلق لسانه بتصريح رواه الصحفي “بيرنيي” أمام المحكمة وهو (مجددا) من الأهمية بمكان. قال الصحفي “بيرنيي” للمحكمة: ((لقد انفجر “فيكون” بعد أن احتسى الكثير من الويسكي وقال لي: لا تتصوروا أنكم ستضحكون علي، إن هذا الفيلم عبارة عن كنز بالنسبة لي، ولقد صرفت عليه الكثير، فلا تتصوروا أنكم ستضحكون علي))، وقال “بيرنيي” بأنه لم يفهم ما يقصده “فيكون”، لأن “بيرنيي” فعلا لم يكن يعرف شيئا عن خبايا القضية، وقال للمحكمة: ((لقد غضبت، وصفعت “فيكون” صفعتين)).

فهل كانت الصفعتان لتأديب “فيكون” وإسكاته، أم أنهما كانتا لتصحيته ولإرغامه على تغيير مخططه والصحو لحاله؟.. إنها جزئيات من الأهمية بمكان، لأنهاستكون مصيرية في قضية المهدي بنبركة، مصيرية لدرجة حولت واقع المهدي بنبركة بعد اختطافه، من حياة إلى موت.

وكانت النتيجة المباشرة لصحوة الإرهابي “فيكون”، أن استقل الطائرة بعد ثلاثة أيام، وتوجه إلى جنيف ليقابل المهدي بنبركة بمفرده، ولكنه يفاجأ بأن السياسي المغربي قد توجه إلى تانزانيا، ويخيل لـ”فيكون” أن الأمر أفلت من يده، فتزداد شكوكه، ويبدأ في التفكير في الطريقة التي يختطف فيها المهدي بنبركة لحسابه الخاص، ولكن خلافه مع “لوبيز”، القابع في مطار “أورلي” يتتبع كل الحركات والسكنات، يزداد، ذلك أن “فيكون” بجسمه النحيف، وملفه المثقل، غير قادر على الدخول في حرب مع أجهزة المخابرات الفرنسية التي يعتبر “لوبيز” أحد أعمدتها، وهي حالة نفسية من الأهمية، لدرجة كاد تصرف “فيكون” تجاهها أن ينقذ حياة المهدي بنبركة، لو كان المهدي يتوفر على جهاز مخابرات، أو كان له مساعدون يخبرونه بما يدور حوله.

لقد توجه “فيكون” صباح 10 أكتوبر 1965 إلى مطار “أورلي” وقابل “لوبيز” وصارحه بكل شيء، متصورا أن “لوبيز” لا يعرف شيئا، ويحكي “لوبيز” أمام المحكمة، أن “فيكون” جاءه غاضبا وقال له: ((اسمع، إن قضية الفيلم هي مصيدة، وإنما المقصود هو اختطاف المهدي بنبركة، وقد وعدني “الشتوكي” بمائة مليون مقابل تسليمه بنبركة، والآن بلغ صديقك رئيس “الشتوكي”، أنني أطلب حالا عشرين مليونا مسبقا وثلاثين مليونا لكي أستمر في مجهودي وإلا فإني سأخبر الصحافة كلها بهذه العملية، وسأخبر المهدي بنبركة نفسه بالعملية)).

ولم يحك “لوبيز” للمحكمة أنه كان ينصت للمجنون “فيكون” ليبلغ لرؤسائه تهديدات “فيكون”، ولكنه قال للمحكمة إنما استمع إلى “فيكون” ولم يجبه، فهو ينكر أي ارتباط بالعملية.

وتذهب عصبية “فيكون” إلى أبعد من ذلك، ففي 12 أكتوبر، أي حوالي أسبوعين قبل اختطاف المهدي بنبركة، توجه “فيكون” عند صديقه الصحفي “فرانسوا برينيو”، مدير أكبر الجرائد الفرنسية انتشارا وفضائح وهي جريدة “مينوت”، ويبلغه بكل شيء، ويقفز الصحفي على الموضوع مثلما ينط الكلب على العظمة، ويستعد لنشر الفضيحة الكبرى أسبوعين قبل وقوعها، ولكن “فيكون” يطلب منه الانتظار: ((إن في الأمر مائة مليون))، وربما وعد الصحفي باقتسامها، لذلك سكت الصحفي وأخذ ينتظر، ولو لم تكن له أطماع مادية لسارع إلى تسجيل السبق الصحفي، ولو فعل.. لأصبح أكبر صحفي في الدنيا، ولأنقذ المهدي بنبركة من الموت، ولكنه لم ينشر اعترافاته هاته أمام المحكمة إلا بعد فوات الأوان.

 

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى