الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | فيلم “باسطا” ومحاولة اغتيال الزعيم علال الفاسي

الاختطاف والمختطفون "الحلقة 26"

تنشر لأول مرة

قضية المهدي بنبركة بقيت سرّاً غامضاً رغم انقراض ما يقارب ستة عقود على اختفاء هذا السياسي الكبير، ولكن اختطاف بعض المسؤولين المباشرين، أسهم في إرسال بعض الأضواء على جوانب مظلمة، مما كشف عن نوعية أجواء(…) القضية التي بقيت ماثلة كالطود، من جيل الستينات إلى اليوم.

والسلسلة التي تنشرها لكم “الأسبوع” اليوم وبشكل حصري، مُستخرجة من أوراق تركها مؤسس جريدتنا مصطفى العلوي، في خزانته الغنية، وهو الذي عاش ما قبل الاختطاف، وعايش ظروفه، وتعايش مع الأحداث التي أحاطت به، وجمع على مدى 60 سنة، ما يكفي من البيانات والصور، والوثائق والمراجع، وهي الأوراق نفسها التي نقدمها لكم وللتاريخ، ضمن حلقات “الحقيقة الضائعة”.

بقلم: مصطفى العلوي

    ينقسم الطرف الفرنسي في قضية المهدي بنبركة إلى قسمين: قسم أدين من طرف القضاء الفرنسي أو ساهم في توضيح ما أريد توضيحه، بالمثول كشاهد، وأغلب عناصر هذا القسم الأول، كانت لها فعلا أدوار ثانوية باستثناء “لوبيز”، الرجل الذي تصور أن علو مكانته داخل جهاز المخابرات الفرنسية سيجعل منه داخل القاعة نجما كبيرا.

أما القسم الثاني، فهو الذي يضم المجموعة الحقيقيةالمنفذة للاختطاف، وربما للاغتيال، والذين أصدروا الأوامر وأشرفوا على تنسيق العملية وحجبها عن أعين الحكومة الفرنسية، وبصيغة أخرى، عن أعين رئيس الدولة الفرنسية وطرف من حكومته، وأفراد القسم الثاني لم يقفوا أمام العدالة، ولم تصدر في حقهم أحكام إلا ما نفذه في حقهم حكم القدر، وكان في أغلب الأحيان صارما.

وعلى رأس قائمة المتهمين الفرنسيين الذين أدينوا بعد مثولهم أمام المحكمة الفرنسية، يوجد العميل “لوبيز”، بينما لا يأتي بعده في الترتيب الإجرامي المدان من طرف محكمة “لاسين”، أي عميل آخر.

أنطوان لوبيز:

أحد أقطاب المخابرات الفرنسية في المغرب، تولى منذ شبابه مهام رئاسة مصالح فرنسا بمطار طنجة الذي كان وقتها دوليا، قبل أن يصبح رئيسا بمصالح “إير فرانس” بمطار “أورلي”.. ففي طنجة، كان يشرف على مراقبة تحركات رجال الحركة الوطنية المغربية، وتهريب الأسلحة لعصابات الإرهابيين الفرنسيين الذين كانوا ينظمون اغتيالات في حق الوطنيين والمقاومين المغاربة، وفي بعض الفترات، كان “لوبيز” يقدم يد المساعدة في تنفيذ الأعمال الإرهابية، فهو الذي تعقب الزعيم المغربي علال الفاسي إلى مدينة تطوان في بداية الخمسينات، ووضع قنبلتين في البيت الذي كان الزعيم يسكنه، وفي أوتيل “درسة” الذي كان مفروضا أن يرأس به اجتماعا سياسيا، إلا أن الزعيم المغربي أفلت بمعجزة، وتولى “لوبيز” تهريب الإرهابيين اللذين كانا معه عبر مطار طنجة،حيث كان هو صاحب الأمر والنهي به لولا أن حادثة وقعت في إحدى مقاهي طنجة، تسببت في اعتقال واحد من الإرهابيين اللذين جاءا لاغتيال الزعيم المغربي، واسمه أشهر من نار على علم، وهو “جواتيا” السفاك، الذي ارتبط اسمه في تاريخ الإجرام والإرهاب والمغامرات، بالشخصية المعروفة باسم “بييرولوفو”.

وبالمقارنة بين “جواتيا” والمتهم “أنطوان لوبيز”، فإن “لوبيز” كان منذ بداية حياته موظفا تابعا لجهاز المخابرات الفرنسية “سديك”، سواء في طنجة أو في باريس بمطار “أورلي”، إلا أن لوبيز، في مهمته الأخيرة بـ”أورلي” والتي نفذ في إطارها عملية اختطاف المهدي بنبركة، كان الشخص المؤهل بحكم ظروف العلاقات المغربية الفرنسية، لأن يلعب الأدوار الكبرى، إذ لا يخفى أن مطار”أورلي”، الذي كان خلال سنوات طويلة المطار الدولي بباريس قبل افتتاح مطار “شارلدوغول”، يشكل البوابة الكبرى للدول التي ترتبط بفرنسا عبر علاقات سياسية، فالطائرات القادمة لمطار “أورلي” مشحونة بالنخبة المنتقاة من تجار وسياسيين وصحافيين ورجال دولة، من جميع الدول التي كانت خاضعة للنفوذ الفرنسي، وهو وضع تحتم معه على أجهزة المخابرات الفرنسية أن تنصب أحد أقطابها الأذكياء، وهو “أنطوان لوبيز”، كرئيس من بين رؤساء شركة “إير فرانس”، وشركة “إير فرانس” بدورها، إضافة إلى أنها شركة خاضعة للنفوذ القانوني الحكومي الفرنسي، فإنها تعتبر العين المفتوحة للنظام الفرنسي على جميع أنحاء العالم، إلا أن “لوبيز” وضع تحت مجهر أقوى منه تسلطا وتسليطا، وهو مجهر وزير داخلية المغرب، أوفقير، الذي كان آنذاك على اتصال دائم بالمخابرات الفرنسية، فاختلط الحابل بالنابل، ووافق “لوبيز” أوفقير، وأصبح “لوبيز” يقفز في أغلب الطائرات القادمة من “أورلي” للرباط، ليجري محادثات واتصالات، قبل أن يصعد في نفس الطائرة عند رجوعها، ولكن “لوبيز” نادرا ما يعود بجعبة مشحونة بالعناصر التي تستحق لفت اهتمام رؤسائه في المخابرات، مثل ما حصل يوم عاشر مايو 1965.. فبعد إقامة دامت يومين في المغرب، لم يسجل فيها اسمه لا في نزل ولا شقة، وإنما نزل ضيفا على صديقه أوفقير، يقضي الساعات الطوال في العزف على القيثار، عاد بسرعة كبيرة، اضطر معها أن ينسى قيثاره المفضل في بيت أوفقير – حسب ما روى ذلك بنفسه للمحكمة -وطلب مقابلة رئيسه المباشر في مصلحة المخابرات “لوروا” ذي اللقب السري “فانفيل”، ليطلعه على أمر هام.

وفي الثاني عشر من نفس الشهر، أي بعد يومين، حرر ضابط المخابرات “فانفيل” تقريرا سريا للغاية رفعه إلى الدوائر العليا، أخبرهم فيه بأن أوفقير أطلع “لوبيز” على مشروعه ونواياه تجاه المهدي بنبركة.. وقتها فقط، فهم الفرنسيون مرة أخرى التقاء وجهات نظرهم مع بعض المسؤولين المغاربة، وتفتحت أمامهم الفرصة لتنفيذ مخطط كان مجرد أمل بالنسبة لهم.

إلا أن “لوبيز” في جلسات المحاكمتين الأولى والثانية، أكد أنه أطلع رئيسه “فانفيل” على النوايا الحقيقية لأوفقير، وهي ((الاستيلاء على شخص بنبركة بالطرق غير المعهودة، إن اقتضى الحال)) بينما رفعت إدارة أركان الجيش، مصلحة الاستعلامات، تقريرا للمحكمة مؤرخا بـ17 أكتوبر 1966، يقول: ((إن المخابرات الفرنسية تطلعكم على أن الجنرال أوفقير وصل إلى فرنسا في 21 أبريل 1965، لمحاولة الاتصال بالمهدي بنبركة، بناء على رغبة الملك في ذلك، بعد أن صدر عفو ملكي في حق المهدي بنبركة، زعيم الاتحاد الوطني للقوات الشعبية)).

واتضح للمحكمة ذلك الفرق الشاسع بين تقرير “لوبيز” للمخابرات الفرنسية، وتقرير عملاء آخرين للمخابرات العسكرية، كما اتضح لها أن “لوبيز” منذ تلك اللحظة، أصبح يلعب دورين مزدوجين، دور مع الجهاز الرسمي الذي يتعامل معه، ودور مع الأيدي الخفية للأجهزة التي نفذت العملية، ولم تظهر للعيان،إلا أن “لوبيز” مثل أمام المحكمة بتهمة اشتراكه كضابط للمخابرات الفرنسية ولم يحاكم من أجل المهام الأخرى التي قام بها سرا تجاه المهدي بنبركة بعد اعتقاله.

وطبيعي وواضح للعيان أن أوفقير لو كان يريد تنفيذ الإرادة الملكية باستدعاء بنبركة للرجوع إلى وطنه، لترك ذلك للسفير المغربي، أو ربما لأشعر إدارة المخابرات الفرنسية بذلك، ولكن اختيار “لوبيز” منذ شهر مايو، كان برهانا قاطعا على نوع المعاملة التي ينوي تخصيصها لبرنامج الاختطاف الذي جرى ستة أشهر فيما بعد. لقد اتصل أوفقير بالعميل “لوبيز”، لا بصفته ضابط الاتصالات بمطار “أورلي”، وإنما بصفته عضوا عاملا في جهاز الإرهاب الدولي، وشريكا للإرهابي “جواتيا” و”بيير لوفو” و”باليس” الثلاثي الذي سبق له أن حاول اغتيال علال الفاسي، ولكن هذه المجموعة المشهورة من رجال الإرهاب، ليس “لوبيز” هو رئيسها وقطب رحاها، بل إنها عبارة عن شبكة كبيرة متخصصة تمارس أدوارا خطيرة على نطاق أوسع من نطاق المغرب، قتلت باتريس لومومبا، واختطفت تشومبي، وقتلت فيليكسموميي، وخطفت الكولونيل “أركو” و.. و.. إلى نهاية السلسلة الطويلة التي كان المهدي بنبركة أحد أطرافها، لذلك أعرب “لوبيز” أمام المحكمة، عن ((استغرابه للانتظار الطويل الذي ضاع له خلاله الوقت الطويل، إلى أن أخذت أجهزة المخابرات تستعجله، وتسأله عما جد في مشروعه مع أوفقير))، وقال “لوبيز” للمحكمةأنه ((سمع بأن مجموعة خاصة بصدد التخطيط لمشروع تجاري عبارة عن فيلم سينمائي عن التحرر، عنوانه “باسطا”، يتم إنجازه مع المهدي بنبركة، وتمويله من طرف المخابرات المغربية))، وأصبح “لوبيز” بحكم مهامه والتسهيلات التي يحظى بها، على اتصال مباشر مع المجموعة المكلفة بما يسمى مشروع الفيلم، وحضر اجتماعا أساسيا عقد في 20 شتنبر 1965 حضره أصحاب مشروع الفيلم، (فوانجو، فيكون، بيرنيي)، إلا أن شخصا رابعا كان حضوره بالنسبة لـ”لوبيز” ذا معنى كبير الأهمية، هذا الشخص هو “لومارشان”، رئيس الرؤساء، أو كما يقول وسط عصابات المافيا الإيطالية “الكابودي توتي لي كابي”، وقال “لوبيز” للمحكمة: ((إن حضور هذا الشخص يفرض الحيطة والحذر، ولا أحد يستطيع أن يدعي التعرف عليه حتى ولو كانت له مثلي علاقات وطيدة..)).

 

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى