تحت الأضواء | رسائل الخطر في التقارير الاقتصادية حول الحالة المغربية
آخرها تقرير والي بنك المغرب

الرباط – الأسبوع
تميز الأسبوع الجاري بصدور عدة تقارير اقتصادية، مليئة برسائل الخطر، التي تحذر من المستقبل، وقد كان آخرها تقرير والي بنك المغرب المرفوع إلى الملك محمد السادس، وبهذا الخصوص قال عبد اللطيف الجواهري إنه وفي محيط خارجي يطبعه توالي الصدمات واستمرار حالة اللايقين، واصل الاقتصاد الوطني تحسنه خلال سنة 2025، حيث سجل نموا بنسبة 4.9 %، مدعوما بالخصوص بالمجهود الكبير في الاستثمار، ورغم هذه الوتيرة، استقر التضخم في متوسط متدني لم يتجاوز 0.8 %، كما أكد أن سوق الشغل، رغم تحسنه، لم يكن كافيا ليفضي إلى انخفاض ملموس في معدل البطالة الذي بلغ 13 %..
وليس تقرير والي بنك المغرب وحده.. بل سارت تقارير أخرى على نفس المنوال، وبحدة أكبر، منها تقرير مركز “أوميغا للدراسات الاقتصادية والاجتماعية”، الذي أصدر وثيقة سياسية بعنوان: “من نمو الاقتصاد إلى تحسن المعيشة – قراءة نسقية استشرافية”، حيث أكد أن المغرب ينتج ثروة أكبر، غير أن انتقال هذه الثروة إلى الأمن الاقتصادي للأسر يظل غير متكافئ قطاعيا ومجاليا واجتماعيا؛ فقد حقق الاقتصاد نموا حقيقيا بلغ 4.4 % وناتجا داخليا إجماليا ناهز 1.614.6 مليار درهم سنة 2024، في حين تراجعت ثقة الأسر إلى 60.1 نقطة خلال الفصل الثاني من سنة 2026، وتفيد نتائج البحث بأن 78.3 % من الأسر ترى أن مستوى معيشتها تدهور، وأن 2.6 % فقط تمكنت من الادخار، بينما يتوقع 57.2 % ارتفاع البطالة، فالمشكلة لم تعد في حجم النمو وحده، بل في جغرافيته وتركيبته القطاعية، وقنوات توزيعه وقدرته على التحوّل إلى دخل أسري مستقر.
ورصد التقرير تفاوتات جهوية قوية، إذ تجاوزت ثماني جهات المتوسط الوطني، تتصدرها العيون الساقية الحمراء بـ 7.6 %، والداخلة وادي الذهب بـ 7 %، فيما بقيت فاس مكناس عند 1.6 %، وبني ملال خنيفرة عند 2.1 %، غير أن سرعة النمو ليست مؤشرا على جودته، إذ يتركّز الإنتاج في ثلاث جهات: الدار البيضاء سطات والرباط سلا القنيطرة وطنجة تطوان الحسيمة، تنتج مجتمعة 58.4 % من الناتج الوطني، مقابل 7.8 % فقط للجهات الجنوبية الثلاث ودرعة تافيلالت مجتمعة، ما يخلق حساسية بنيوية تجعل الاقتصاد الوطني رهينا بأداء عدد محدود من الأقطاب.
وحسب المركز، فإن الناتج للفرد يقيس قيمة الإنتاج مقسومة على السكان، وقد يرتفع بفعل نشاط رأسمالي كثيف أو أنشطة تصديرية لا تبقى أرباحها داخل الجهة؛ فبينما بلغ المتوسط الوطني للناتج للفرد نحو 43.891 درهما، سجّلت جهة الداخلة وادي الذهب 92.904 درهما من الناتج مقابل استهلاك فردي لا يتعدى 34.515 درهما، وهي فجوة تفسّر جانبا من التناقض بين ارتفاع المؤشرات الاقتصادية وسلبية مؤشرات الثقة والادخار.
وأكد التقرير أنه لم يعد مناسبا الحديث عن اقتصاد وطني واحد متجانس، بل عن عدة اقتصادات جهوية متداخلة تتفاوت في بنيتها وحساسيتها للصدمات: اقتصاد صناعي/لوجستي (الدار البيضاء وطنجة ومحور القنيطرة)، واقتصاد إداري/خدماتي (الرباط سلا القنيطرة)، واقتصاد سياحي/خدماتي (مراكش أسفي وسوس ماسة)، واقتصاد فلاحي/مناخي معرَّض للجفاف (فاس مكناس ودرعة تافيلالت)، واقتصاد بحري/صحراوي صاعد (الداخلة والعيون)، وخلص إلى أن المسألة الاستراتيجية ليست كيف نرفع النمو الجهوي فحسب، بل كيف نحوّله إلى دخل محلي ووظائف مستقرة واستهلاك منتج وادخار أسري وتوازن ترابي، ومرونة أمام الصدمات؛ فالمغرب لا يحتاج فقط إلى جهات تنمو، بل إلى جهات تنتج وتوزّع وتحمي وتستشرف، ويبقى المؤشر الحاسم مستقبلا ليس حصة الجهة من الناتج وحدها، بل نسبة الثروة التي تتحول داخلها إلى أجور ومهارات ومقاولات محلية وخدمات عمومية وقدرة على الادخار وشعور فعلي بتحسن مستوى المعيشة.
ويرجع التقرير هذا التباين إلى عدة عوامل، من بينها تمركز النمو في قطاعات رأسمالية محدودة الأثر على التشغيل، وتأثير التضخم على النمو الاسمي، وارتفاع تكاليف السكن والنقل والخدمات، إضافة إلى استمرار التفاوت في توزيع الثروة بين الجهات والفئات الاجتماعية، إلى جانب تراجع الادخار الأسري وارتفاع اللجوء إلى الاقتراض للحفاظ على مستوى الإنفاق، ورسم خمس سيناريوهات محتملة للفترة الممتدة بين سنة 2027 و2035، تشمل استمرار تمركز النشاط الاقتصادي في الأقطاب الكبرى، أو بروز أقطاب إنتاجية جديدة، أو تحقيق نمو اقتصادي دون تحسن ملموس في رفاه الأسر، فضلا عن احتمال تأثر الاقتصاد بصدمات خارجية مرتبطة بالجفاف أو تراجع السياحة أو تشديد القيود التجارية، مقابل سيناريو يقوم على التحول الترابي الأخضر.
ودعا مركز “أوميغا” إلى اعتماد مؤشرات جديدة تقيس مدى انتقال ثمار النمو إلى الأسر، وربط الاستثمار بأثره الاجتماعي والمجالي، وتعزيز الإدماج المالي والادخار الأسري، وبناء سلاسل قيمة بين مختلف الجهات، معتبرا أن التحدي الحقيقي لا يكمن في رفع معدلات النمو فحسب، وإنما في تحويلها إلى فرص شغل مستدامة، ودخل أفضل، وخدمات عمومية أكثر جودة، بما ينعكس بشكل ملموس على مستوى عيش المواطنين.



