تقرير | إصلاح المنظومة التعليمية في المغرب.. الحلقة المفقودة


(بتصرف)
لا زال سؤال كثرة الإصلاحات والجدوى منها والتي تهمّ المنظومة التعليمية في المغرب يطرح بحدة.. ليس فقط بين أوساط الشغيلة التعليمية التي أرهقها ذلك، ولا تجني من ورائه إلا السراب والإنهاك، بينما يقطف ثمار كل المجهودات التي تبذلها أطراف وجهات أخرى، بل الأمر يتعداها إلى الأوساط الاجتماعية والثقافية بمختلف تلاوينها ومشاربها، والتي أصبحت هي الأخرى يثيرها موضوع إصلاح التعليم وما الغاية والهدف منه، خاصة إذا علمنا أنه في بعض الأحيان لا نجد أي مبرر حقيقي وموضوعي يدفعنا إلى كل هذه الإصلاحات المتتالية والمتكررة.. وتزداد الأمور تعقيدا حينما لا نجترح إجابات علمية دقيقة لتساؤلاتهم المشروعة هاته، وإذا سلَّمنا جدلا، حسب قراءات ودراسات الجهات المسؤولة على القطاع التي تنظر إليه بنظارات خاصة ربما لا يمتلكها أهل الاختصاص وتبيَّن لها بين الفينة والأخرى أن المجال يحتاج إلى إصلاح أو إلى تدخُّل مستعجل، فعلى الأقل من الناحية المنهجية، لا بد من المرور بعدة مراحل، لعل أولاها هو أن تكون لدينا رؤية واضحة وتصور استراتيجي حول طبيعة ونوعية الإصلاح المُزمع الإقدام عليه، فلا يمكن تصور أي مشروع إصلاحي بدون رؤية وبدون أفق واضح المعالم وبدون خطة واضحة القسمات والملامح يتبعها نقاش مستفيض بين كل مكونات المنظومة، والاستماع إلى كل الأطراف المتدخلة فيها دون تهميش أو إقصاء أي مكون من هذه المكونات، وبناء على هذه المناقشة، تتبدّى خريطة الطريق التي يمكن سلكها في تفعيل وتنزيل هذا الإصلاح على أرض الواقع؛ ثانيها: إجراء تقييم حقيقي دقيق وواقعي للتجربة السابقة وتحديد نقط ضعفها، وتشخيص الاختلالات ووضع اليد على مكامن الخلل، وأن تكون جميع مكونات المنظومة على علم بها، فكثير من الأطراف المعنية بالإصلاح ليست لها دراية وليس لها اطلاع بالقدر الكافي على هذه النقط وحول هذه النواقص، ورغم ذلك تنخرط في الإصلاح الجديد، وربما تكرِّر نفس الأساليب السابقة التي من المفترض أن يتم تجاوزها، وتعيد إنتاج – بدون أن تشعر – نفس النمط التعليمي أو التربوي الذي كان سائدا من قبل؛ ثالثها: لا بد من طرح السؤال الجوهري والمفصلي حول التجربة الجديدة أو النموذج البيداغوجي الجديد المراد ترسيخه في المدرسة المغربية: على ماذا يستند؟ ما هي مرجعيته الفلسفية؟ وما الأساس البيداغوجي الذي يجب أن ينبني عليه؟ وهل عرف هذا النموذج نجاحا ما في مجتمع معين، أم لا؟ لذلك لا مناص من الإحاطة بجميع جوانب هذه البيداغوجية الجديدة، إن كانت جديدة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، ثم بعد ذلك نطرح السؤال التالي: إلى أي حد يمكن أن يحقق هذا النموذج الأهداف المسطرة من ورائه؟ وماذا أعددنا وهيأنا له من أرضية ومن أسس ومقومات حتى يعطي النتائج المرجوة منه؟ رابعها: ألا يأتي الإصلاح من فوق ويُفرض تطبيقه بحذافيره على فئات بعينها، والمقصود هنا بالضبط الأستاذ، وفي بعض الأحيان قد تكون هناك تدخلات قليلة من الإدارة التربوية، لكن العبء الأكبر غالبا ما يلقى على كاهل الأستاذ دون سابق تكوين بيداغوجي حقيقي ومواكبة علمية وبيداغوجية من طرف المؤطرين الذين تسند إليهم هذه المهمة، الشيء الذي يدفع الكثير من الأساتذة إلى الاجتهاد قدر الإمكان، واستثمار تجاربهم السابقة، ويعتمدون على تكوينهم الذاتي الذي غالبا ما أنقذوا به الكثير من المشاريع الإصلاحية من الفشل الذريع، سواء في الماضي أو في الحاضر، ويبدو أنه حتى الإصلاح الحالي الذي تروم الجهات المعنية تطبيقه في إطار ما يسمى بـ”مدارس الريادة”، فالرهان كله على الأستاذ لإنجاحه رغم الكثير من الإكراهات والتحديات التي تعترض سبيله في ذلك، ومع ذلك – للأسف – يتعرض الأستاذ وحده لكثير من الانتقادات، ويُتّهم بالتقصير، وأيضا بغياب النجاعة والفعالية، وأخيرا – وهنا مربط الفرس – لا بد، بل ومن الضروري ومن اللازم صياغة برامج ومقررات تتساوق وتنسجم مع البيداغوجية الجديدة، وتهييئ حواملها، الديداكتيكية والمنهجية، وتمكين الأساتذة من أدواتها وآلياتها تمكينا حقيقيا، وإذا كان هناك التزام حقيقي وصارم بكل هذه المبادئ والمقومات، فمن الممكن آنذاك أن نتحدث عن نجاح هذا الإصلاح أو ذاك.
والسؤال الذي يُطرح الآن هو: هل تحترم الجهات المعنية بالقطاع كل تلك المراحل والمبادئ التي تطرَّقنا إليها آنفا في أي إصلاح شمولي تخوضه لصالح المنظومة التعليمية عامة، أم أن لها رأيا آخر وتصورا مخالفا، وتنهج استراتيجية خاصة بها ؟
يبدو واضحا، ونحن عاصرنا على مدار ثلاثة عقود كل المحاولات الإصلاحية التي انبرت إليها الدولة لإصلاح التعليم، ولم أخرج بقناعة يوما ما بأن القائمين على الشأن التربوي في المغرب وهم يبادرون إلى أي إصلاح أنهم قد انصاعوا أو أذعنوا حرفيا إلى كل تلك المعايير والمقومات التي أثبتت كل الدراسات العلمية أنها هي الأساس الصلب لأي إصلاح حقيقي، والواقع هو الذي يجيب وليس شيئا آخر، بحيث لو نجح إصلاح واحد من كل تلك الإصلاحات، لما فكرنا يوما في إصلاح آخر، ذلك أن الدول المتقدمة التي سبقتنا لسنوات في هذا المجال، حسمت في أمر التعليم فيها وطوت صفحة فكرة الإصلاح بالطريقة المغربية، وكل ما هنالك وتماشيا مع التطور العلمي والتكنولوجي ومتطلبات العصر، وتلبية لحاجيات الاقتصاد والمجتمع، تحدث تغييرات على السيرورة التعليمية فيها دون المساس بالعمق والجوهر، الذي ينسجم مع ثقافة البلد وخصوصياته السوسيولوجية والأنثروبولوجية.. وحتى لا نذهب بعيدا ونوغل في التاريخ، لنأخذ التجربة الحالية من الإصلاح الذي دخل إلى حيز التطبيق منذ سنتين، وهي تجربة “مدارس الريادة” التي لا زالت تراوح مكانها، فإنه يظهر جليا أن كل الاهتمام اليوم منصب على ما هو تقني أكثر مما هو بيداغوجي، فقط مطاردة الأرقام، وهنا نعود إلى نقطة البداية ونطرح السؤال المحوري التالي: حينما تم التفكير في تنزيل هذا المشروع، هل طُرح السؤال الفلسفي العميق: أي تلميذ نريد الحصول عليه في النهاية، هل التلميذ الذي يعكس المستويات الدنيا للتعلم، الذي يقرأ ويكتب ويعبّر شفهيا أو كتابيا، أم تلميذ المستقبل الذي سيواجه تحديات التطور التكنولوجي والذكاء الاصطناعي والتحولات القيمية الكبرى التي يعرفها المجتمع والعالم على حد سواء، والقادم في علم الغيب؟ هل الهدف هو الحصول على التلميذ الذي سيساهم في الإنتاج المعرفي والتكنولوجي والتأثير في التاريخ، أم التلميذ المستهلك الخاضع الذي دائما ينتظر الآخر المتفوق عليه هو الذي يقدم له كل ما يحتاجه، في تكريس مقيت للتبعية؟ هل استحضر اللاهثون وراء هذا النموذج البعد السوسيولوجي والأنثروبولوجي والبعد الاقتصادي والعلمي في صياغة البرامج والمناهج التي تستند عليها المدرسة الرائدة، أم أن الغاية هي محو الأمية ورفع نسبة الذين يفكُّون شيفرات الحروف والعمليات الرياضية البليدة، حتى نرتقي على سلم “بيرلس” وغيره، لنقوم بتغطية الشمس بالغربال ونقول في الأخير أن المغرب تطور في هذا المجال ؟
فمن المستحيل أن تنجح أي تجربة إصلاحية في هذا القطاع الحيوي إذا لم تكن رجع صدى لطموحات وتطلعات وحاجيات المجتمع المحلي والعالم في شق آخر، ولا يمكن أن نؤسس لثقافة بيداغوجية أو تعليمية حقيقية محلية خالصة دون الاستناد إلى الدراسات العلمية الموضوعية، ودون دراسات سوسيولوجية عميقة. وكما أسلفنا الذكر، فإن كان الإصلاح ضرورة لا مناص منها، فعلى الأقل، ألم يكن من الأجدر الاستنجاد بالمناهج المتقدمة والبيداغوجيات المتطورة عالميا وهي معروفة، حتى نلتحق بالعالم المتقدم؟ لماذا لا نستوردها، ونستورد التي أقل منها شأنا وقيمة، ونصرف عليها ميزانيات ضخمة، والنتيجة في المحصلة قد تكون صادمة، خاصة ونحن لدينا تاريخ مع الصدمات للأسف؟ وما دمنا نتحدث عن الصدمات، فلا أتصور اليوم صدمة أكثر من التي زفَّتها منظمة “اليونسكو” للمغاربة في الأيام القليلة الماضية، والتقرير الذي أصدرته هذه المنظمة يشير إلى أن نصف تلاميذ الإعدادي يغادرون المدرسة سنويا، هذا فضلا عن أن لدينا أزيد من 300 ألف طفل يغادرون المدرسة سنويا، وإذا استمرت الأمور على هذه الشاكلة، فإنه بعد عشر سنوات سيبلغ عدد المغادرين ثلاثة ملايين وستمائة ألف طفل، ولست أدري كيف استقبلت الوزارة المعنية بالقطاع ومعها الحكومة الموقَّرة هذه الأرقام الصادمة.. هل قضت مضجعها، أم لا زالت تعيش على أوهام الانتشاء باحتفالات “منتدى المدرس” الذي استنزف موارد مالية مهمة دون معرفة الأهداف الحقيقية من مثل هذه اللقاءات؟ فهل “المدرسة الرائدة” هي المنقذ من هذه الطامة وهذه الأرقام المهولة؟ وهل هي قادرة على تقديم إجابات عنها ؟
خلاصة القول، إنه من الثابت والمؤكد أن ملف التعليم في المغرب سيبقى يشكل المعضلة الكبرى للحكومات المتعاقبة، ولن تُحلَّ مشاكله العويصة المتراكمة ما دام أنه ليست هناك إرادة حقيقية سياسية من أجل تطويره وإصلاحه إصلاحا حقيقيا يستمد نسغه من جملة ما ذكرناه من مقومات آنفا، وما دام أيضا أنه ليس هناك اهتمام حقيقي ومنصف للعنصر البشري الذي يعتبر الجسر الذي يمر على متنه أي إصلاح كيفما كان نوعه.



