متابعات | نزع الملكية.. الرعب الذي يتستر وراء المصلحة العامة

يعد نزع الملكية من المسائل المعقدة في مجال العقار، خاصة بين الدولة والمواطنين، وتترتب عن ذلك إشكاليات متعددة وأثار سلبية تؤدي في بعض الحالات إلى الترحيل القسري أو التهجير من المنطقة، مثل ما يحصل في العديد من المناطق مؤخرا، حيث تقوم السلطات بهدم منازل الناس الذين يتوفرون على الملكيات الخاصة قبل القيام بمساطر نزع الملكية أو إجراءات التعويض وغيرها، مما يحول القضية إلى أزمة اجتماعية تواجهها الأسر المتضررة لوحدها.
إعداد: خالد الغازي
الكثير من الناس يشتكون من التأخير الطويل في تسوية الإجراءات المتعلقة بنزع الملكية، خصوصا توفير السكن البديل أو التعويضات التي غالبا ما تكون هزيلة وضعيفة لا تتناسب مع القيمة الحقيقية للعقار، خاصة إذا كان داخل المجال الحضري حيث تتراوح قيمة الأرض ما بين 10 آلاف إلى 20 ألف درهم للمتر مربع، بينما يتم عرض تعويض هزيل جدا للورثة لا يكفيهم لشراء حتى شقة داخل المدينة، كنموذج منطقة حصين بسلا، هناك أراضي زراعية مملوكة لسكانها الفلاحين من أجدادهم، لكنهم فوجئوا بقرارات نزع الملكية من قبل الدولة وتعويض هزيل لا يتعدى 200 درهم للمتر مربع، الشيء الذي اعتبره السكان ظلما في حقهم، خاصة وأن القيمة السوقية للأراضي تفوق 15 ألف درهم للمتر مربع.
فقد ظلمت الدولة العديد من سكان أحياء أو دواوير في جماعات ترابية، بسبب بيروقراطية مساطر نزع الملكية، التي لا تنصف المواطنين، خاصة عندما يتعلق الأمر بإنشاء مشاريع مثل السدود أو الطرق أو الطاقة الشمسية أو عمارات سكنية عصرية “مارينا”، أو نزع الأراضي السلالية وهدم أحياء سكنية وتفويتها للخواص، لكن التعويضات دائما تكون ضعيفة، مما يدفع ببعض الناس إلى اللجوء للقضاء الإداري للمطالبة بتعويضات منصفة تتماشى مع الواقع.
فقد جاء مشروع قانون الذي كشفت عنه الأمانة العامة للحكومة ووزارة التجهيز والماء رقم 7.81، بمجموعة من المستجدات تتعلق بنزع الملكية لأجل المنفعة العامة والاحتلال المؤقت للملك العمومي، لكنه حمل مجموعة من الثغرات والنقاط الغامضة التي تحتاج لتعديلات، والتي تفرغ القانون من توازنه، منها السماح بالحيازة السريعة قبل الحسم النهائي في التعويض، مما يفقد المالك حقه في الانتفاع، إلى جانب مخاطر بنيوية تتعلق بالتقييم والجهة المكلفة بالتحكيم والأداء، خاصة إذا كانت هي المسؤولة عن نزع الملكية، لهذا يظل الإشكال الحقيقي في كيفية تقدير التعويض وطريقة نزع الملكية، خاصة في ظل التفاوت الكبير في أسعار العقار بين الجهات، وتعدد منهجيات التقييم، وطول أمد المنازعات أمام القضاء الإداري.

في هذا الإطار، يرى الدكتور طارق عبيبو، أستاذ باحث في القانون، أن طريقة تدبير مسطرة نزع الملكية بين الأمس واليوم في ظل القانون الحالي (رقم 7.81)، تتسم بالبطء الشديد والتعقيدات الإدارية والقضائية، حيث كان الأجل الفاصل بين مقرر إعلان المنفعة العامة ومقرر التخلي يمتد إلى سنتين، وأجل الإدارة لرفع دعوى نقل الملكية يصل لسنتين أيضا؛ هذا التدبير كان يترك المواطنين معلقين لسنوات دون القدرة على التصرف في أملاكهم، مع غياب معايير موضوعية واضحة لتحديد التعويضات التي غالبا ما كانت هزيلة وبعيدة عن قيمة السوق.
واعتبر نفس المتحدث، أن المخاوف المرتبطة بالمشروع الجديد، رغم إيجابيات المشروع، هناك بعض المساطر التي قد تبقى مجحفة؛ فآلية “الحيازة الاستعجالية” السريعة قد تجعل المالك أمام “أمر واقع” يفقده جوهر حقه في الانتفاع قبل الحسم النهائي في النزاع، كما أن هناك خطر تحول الإدارة إلى “خصم وحكم” في آن واحد، نظرا لأن لجنة الخبرة ذات طابع إداري، مما يتطلب فتح المجال للمالك للاستعانة بخبرة مضادة ومستقلة حتى لا يتحول الدليل المرجعي إلى “سقف إداري جامد” يضر بالتعويض العادل، كما يُعتبر تقليص آجال الطعن وإلزام المتعرضين برفع دعوى الاستحقاق داخل 3 أشهر فقط إجراءً قد يقصي ذوي الحقوق البسطاء، خاصة في حالات العقارات التي تعاني من وضعية شياع معقدة أو غير محفظة، وقال: “أما اليوم (وفق مشروع القانون الجديد)، فقد تم الانتقال إلى تدبير يتوخى السرعة والشفافية، وتم تقليص الآجال إلى النصف، ليصبح الأجل بين إعلان المنفعة العامة ومقرر التخلي هو سنة واحدة، وأجل رفع دعوى نقل الملكية سنة واحدة أيضا، كما مُنحت الإدارة حق “الحيازة الاستعجالية” للعقار فور نشر مقرر نزع الملكية بالنسبة للمشاريع ذات الصبغة الاستعجالية (مثل الملاعب والأسوار الكبرى)، شريطة إيداع مبلغ التعويض مسبقا في صندوق الإيداع والتدبير، بالإضافة إلى ذلك، تم اعتماد النشر الإلكتروني للإجراءات لتمكين الملاك من تتبع ملفاتهم بشفافية، مؤكدا أن أبرز الاختلالات تتمثل في الانحياز المفرط للإدارة على حساب المواطن، والتأخير الهائل في صرف التعويضات الذي كان يدخل الملاك في متاهات قضائية تستنزف أموالهم وصحتهم، كما أن الاحتلال المؤقت للأراضي (الذي تقوم به الشركات المنجزة للمشاريع) كان يمتد لسنوات ويخرب أراضي الفلاحين بتعويضات زهيدة أو منعدمة.
وأوضح المتحدث ذاته، أن التعويض العادل والمنصف يكون من خلال إحداث لجنة إدارية للخبرة تستند وجوبا إلى “دليل مرجعي لأثمان العقارات والحقوق العينية”، وهو دليل تُعده وزارة المالية ويُحين سنويا ليطابق القيمة الحقيقية للسوق ويقطع مع التقديرات العشوائية، كما يمنح القانون المواطنين “حق الاسترداد”، أي أولوية استرجاع عقاراتهم بثمنها الأصلي إذا تراجعت الإدارة عن المشروع أو قررت بيع العقار قبل مرور 5 سنوات، ويحق للمالك أيضا طلب التشطيب على مقرر نزع الملكية من السجلات العقارية لاستعادة حق التصرف في ملكه إذا لم تستكمل الإدارة المسطرة.

من جانبه، يرى المحامي والناشط الحقوقي سعد السهلي، أن مشروع قانون تعديل وتتميم نزع الملكية، جاء “مستجيبا لحاجة ماسة لدى الإدارة”، تتمثل في “تسريع وتيرة إنجاز المشاريع العامة” وتجاوز المعيقات المسطرية التي كانت تكبح عجلة التنمية، لكن الإشكال القانوني الجوهري – حسب رأيه – يكمن في أن هذا البحث عن “السرعة” قد تم – للأسف – على حساب الضمانات الحقوقية للطرف الأضعف في العلاقة، وهو المالك المنزوعة ملكيته؛ فالمشروع، في غمرة انتصاره لهاجس الإنجاز، لم يلتفت بالقدر الكافي لمعاناة المالك، ولم يؤسس لآليات حماية تضمن التوازن بين سلطة النزع وحق الملكية رغم استهلال المذكرة التقديمية بالمبدأ الدستوري المرتبط بحق الملكية، معتبرا أن تسهيل مأمورية الإدارة لا يجب أن يكون مدخلا لتبخيس الحقوق، فعدم اعتبار “تقييم اللجنة الإدارية” كمرجع ضريبي، يطرح تساؤلا حول مفهوم “التعويض العادل” وبما أن الفقه القانوني يلح على وحدة المعايير، فلا يستقيم أن تكون للدولة “قيمتان” للعقار الواحد، وغياب هذا التوحيد يترك المالك في مواجهة تقديرات قد لا ترقى لجبر الضرر، مما يفرغ النزع من مشروعيته الدستورية المرتبطة بالعدالة في التعويض، وهي عكس ما أشير إليه في المذكرة التقديمية، مشددا على أهمية تحقيق التوازن المفقود في هذا المشروع، عبر المزاوجة بين سرعة الإنجاز وعدالة التعويض الفوري والحقيقي، فهو الكفيل بخلق مناخ من الثقة يغني المواطن عن اللجوء للقضاء، ويحقق للإدارة أهدافها التنموية بأقل كلفة اجتماعية وقانونية.
وأكد نفس المتحدث أن النقطة الأكثر دقة، تتعلق بالأثار القانونية لعدم إيداع التعويضات الاحتياطية، ذلك أن السماح بانطلاق المسطرة القضائية واستمرارها لسنوات دون إلزام الإدارة بالإيداع المسبق تحت طائلة “بطلان الإجراءات”، يخدم – بلا شك – سرعة الإدارة في وضع اليد على العقار، لكنه يضع المالك أمام مسار قضائي منهك ومكلف دون مقابل فوري. هذا الوضع يطرح إشكالا حقوقيا حول مدى “فعالية” الحماية القضائية إذا كانت ستنتهي بتسويات اضطرارية نتيجة طول أمد الانتظار والحاجة، فالممارسة العملية تشهد على إنجاز الإدارة لمساطر قضائية تتعلق بنزع ملكية لمنشآت عامة أنجزت منذ عشر سنوات على أرض الواقع، ولم يتوصل ذوو الحقوق بأي تعويض.

بدوره، يرى الحقوقي والمحامي فاروق المهداوي، أن مشروع القانون الحالي جاء في سياق معين الغرض منه هو حماية الحق في الملكية، لكنه كشف مجموعة من الثغرات أهمها أن مصطلح المصلحة العامة أو المنفعة العامة الذي بني عليه، لم يتم تحديده حتى على مستوى العمل القضائي، في تحديد مفهوم المنفعة العامة بحيث بقي مفهوما واسعا، لهذا يجب إعادة النظر في مسألة المنفعة العامة، وكذلك الحدود ما بين نزع الملكية والاعتداء المادي، لأن الدولة في مجموعة من قطاعاتها وفي مجموعة تدابيرها اليومية تقوم باعتداءات مادية على المواطن، وهذه الحدود يجب أن نميزها في القانون بين نزع الملكية والاعتداء المادي، وكذلك من بين الأمور الأساسية التي أظهرها القانون في محدوديته وفي التطبيق، مسألة تقييم التعويض الذي يخصص للمواطنين، ففي مجموعة من الحالات، اللجن الإدارية التي تعطي تقييمها لعقار معين تم نزع ملكيته، ظلت محدودة وتبني ذلك على أساس أثمنة تم اعتمادها سابقا، بينما مجموعة من المواطنين يتلقون تعويضات هزيلة، وحتى القضاء لا يعطي تعويضا يفوق التعويض المحدد لدى اللجن الإدارية.
وقال نفس المتحدث، أن القانون بالطريقة التي يشتغل بها، يسعى إلى تحصين الدولة أكثر من تحصين وحماية حقوق الأفراد والملاكين، حتى المشروع الجديد لن يعطي إجابات واقعية وملموسة على الوضع الذي يعرفه حق الملكية في المغرب من استهداف مباشر، وقد برز ذلك في مجموعة من الملفات، سواء التي كانت معروضة على القضاء، أو التي أثيرت في إطار الرأي العام، في ظل هشاشة المِلكية في المغرب المستمرة رغم أن مشروع القانون الحالي يسعى إلى سد هذه الثغرات، لكن بشكل محتشم ومحدود، ولا يتطرق لمعالجة الوضع بالطريقة السليمة.
فقد جاء في التقرير السنوي الأخير لوسيط المملكة، أن اختلالات مسطرة نزع الملكية تؤدي إلى إضرار كبير بالمواطنين، وهو ما يؤكده حجم التظلمات والشكايات المتوصل بها في هذا الصدد، والتأخر والتعثر في صرف التعويضات المستحقة لأصحابها رغم حاجتهم الماسة إليها، خاصة إذا كان العقار المنزوع يشكل مصدر رزق لهم كليا أو جزئيا، بشكل يسيء للقانون وللإدارة، حيث يفرغ النص القانوني من روحه، وحيث أن المعنيين بالأمر لا يتمكنون من الحصول على مستحقاتهم رغم مرور فترة طويلة على صدور الحكم بنقل الملكية.
لهذا، فإن الرهان اليوم ليس في المشروع وتسريع مسطرة نزع الملكية فحسب، بل أيضا في بناء توازن دقيق بين ثلاثة عناصر: سرعة التنفيذ، عدالة التعويض، واستقرار السوق، وإذا تحقق هذا التوازن، فقد يسهم المشروع في تحويل “التراب البطيء” إلى “تراب قابل للتنفيذ”، ويعزز القدرة على إنجاز المشاريع الاستراتيجية في آجال معقولة، أما إذا اختل أحد هذه العناصر، فقد نشهد شكلا جديدا من التأخير، مصدره النزاعات القضائية والطعون بدل البطء الإداري التقليدي.



