الحقيقة الضائعة | الجواسيس و”الشرفاء” الذين تحولوا إلى مرتزقة
المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 56"

تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.
وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.
كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

كانت الليلة من إحدى ليالي الصيف، مقمرة والأشعة الفضية مسدلة أرديتها على أطراف النخيل وسطوح القصبات ورؤوس الأبراج، وسكان قصبة تيدكلت مستسلمون لنوم هادئ عميق، إلا جنود القايد الحاج المهدي، قايد عين صالح، الذي كان موجودا تلك الليلة في قصبة تيدكلت التي جاءها في مهمة استطلاعية، وشاهد أحد الحراس الحراطين أثار شبح يتحرك، سرعان ما هب للإمساك به، وأسرع لإيقاظ القايد الحاج المهدي، وإخباره بأنه قبض على شخص أجنبي عن القصبة.
وأمر القايد في تلك الساعة بإدخال الرجل الغريب الذي سرعان ما انحنى أمام القائد مقدما نفسه على أنه الشريف محمد بن الطيب، نقيب الشرفاء القادريين في ورﯕلة (جنوب الجزائر)، وسأله القائد عن سر هذا المجيء في هذه الظروف وفي هذه الساعة من الليل، فأجابه “الشريف” بأنه علم بوجوده وجاء يحمل له رسالة من الحكومة الفرنسية، “وأية رسالة؟” سأل القايد باستغراب، فأجابه القادري، بأن الحاكم العسكري لمركز الكولية، الفرنسي، يرغب في مقابلته، وأنه جاء للإشراف على عملية تنظيم المقابلة، خصوصا وأن الحاكم الفرنسي توصل برسالة في هذا الموضوع من القايد الحاج المهدي نفسه.
وثارت ثائرة القايد الحاج المهدي، الذي أيقن أن الأمر يتعلق بمناورة ومؤامرة، فأنكر أن يكون قد بعث أي مراسلة للفرنسيين، وأنه قائد تابع لحكومة السلطان ملتزم بالولاء له ولا علاقة له بالجيش الفرنسي، ولا رغبة له في الإقدام على خيانة وطنه، ورد عليه القادري بأنه شخصيا رأى رسالته إلى الحاكم الفرنسي وأنها مكتوبة بخط كاتبه وأمين سره، محمد بن عبد الرحمان الساحلي، وأن الرسالة تحمل إمضاء الكاتب وطابع القايد.
وسارع القايد الحاج المهدي ممسكا بخناق المبعوث الفرنسي الذي باع نفسه وشرف الزاوية القادرية لخدمة الاحتلال الفرنسي، وقال له: وهل أحضرت هذه الرسالة معك؟ وعندما أجاب القادري بالرفض، طرده وقال له: إذا وجدت لك أثرا في هذه المنطقة في الصباح فإني غير مسؤول عن حياتك. وفعلا، انسحب المرسول القادري تحت جنح الظلام، وأمر القايد الحاج المهدي جواسيسه بتتبع أثاره، فعادوا في الصباح ليخبروا القايد بنتائج مهمتهم.
لقد شاهدوا القادري يتوجه على صهوة جواده إلى فوكارت الزوا، القريبة حيث كان ينتظره عدد من الجنود الجزائريين والفرنسيين، فجند القايد الحاج المهدي كوكبة مكونة من مائتي عسكري فارس واتجه إلى فوكارت الزوا، لكنه وجد الشريف القادري قد هرب، وتعقبه حتى إلى بير المنكار، حيث وجده على رأس مجموعة هامة من الجنود الفرنسيين والجزائريين يجمع الأنصار للدعوة الفرنسية، لكن المنطقة التي كان الشريف القادري وجنوده يلجأ إليها كلما تعقبه القايد الحاج المهدي، لم تكن خاضعة لنفوذ القايد الحاج المهدي.
إن هذه الحادثة التي وقعت في منطقة عين صالح غير بعيد من فوکارت الزوا شرقا، وإينغار غربا، في منطقة واقعة بين إقليم تيدكلت جنوبا وتوات شمالا، تعطي صورة واضحة عن المخطط الفرنسي لغزو الصحراء الشرقية المغربية سياسيا، وتدجيليا بواسطة علماء وشرفاء باعوا مقدما شرفهم ودينهم وعلمهم للاستعمار الفرنسي.
وليس “الشريف” محمد بن الطيب، نقيب الشرفاء القادريين بورﯕلة، أول مرتزق من نوعه، كما أنه لم يكن الأخير.
إلا أن الحكومة المركزية بفاس، عوض أن تقدر هذه المخططات حق قدرها وتواجه الموقف بما يقتضيه من حزم، سارعت، كما سبق ذكره، إلى خلع العامل الذي لم يكن الحاج المهدي إلا أحد أعوانه ورفاقه وأصدقائه، ووصل العامل الجديد الحاج محمد المراكشي، الذي نذكر رسالة السلطان عبد العزيز وهي تغدق عليه أردية التقدير والشهامة، ليظهر للرأي العام الوطني في الصحراء على أنه مجرد بيدق في لعبة كبرى يزاولها أصحاب الأمر والنهي المحيطين بالسلطان والأوصياء عليه.
الفساد الإداري يمهد لانهيار الرأي العام
لقد أصبح الكوراريون يطلقون على العامل محمد المراكشي اسم الحاكم بأمره.. فقد كان نموذجا في الجشع والطمع والارتشاء، جاء لينهب الممتلكات ويسطو على الأرزاق، ويحيط نفسه بمجموعة من القواد والقضاة المتفقين معه.. حتى عم الفقر القبائل وتحطمت معنويات الناس وكانوا يشتكون ولا يجدون أذنا صاغية. وسرت في الأوساط الشعبية بالمناطق الكورارية أحاديث مشحونة بالنقد، ووجدوا أن إطلاق اسم الحاكم بأمره “مول الحكام” لقب لا يتطابق والعامل الظالم محمد المراكشي، فاتفقت كواليس المجالس على إطلاق اسم يتطابق وشخصيته، وحيث أن أعوانه كانوا يسمونه السي محمد، فقد أطلق عليه الشعب اسم “سيمو” وأصبح يعرف بدل اسم الحاج محمد المراكشي باسم “سيمو” حتى في المراسلات وأحاديث الناس.
لنلق نظرة على إحدى الرسائل العديدة التي كان يبعثها العامل محمد المراكشي (سيمو) إلى القواد التابعين لسلطته ليظهر لنا ماذا كان يشغل عاملا في تلك الظروف عن الاهتمام بمواجهة الاحتلال الفرنسي.
وهذه رسالة مؤرخة بـ 25 جوان 1897، موجهة من العامل محمد المراكشي (سيمو) إلى القايد محمد بن الحاج عبد القادر، قايد المحارزة، يقول له فيها : ((وبعد، لقد رجعنا من تيدكلت في صحة جيدة، محملين بالثروات، لقد استقبلنا الناس بحفاوة ودفعوا كل ما عليهم من ديون، والآن، سيتجه مبعوثونا عندكم، فاستقبلوهم حسنا وادفعوا لهم كل ما في ذمتكم لنا من قمح وشعير، ادفعوا لهم ذلك حبا أو قيمته بالمال، واستعدوا لأن تدفعوا لنا منتوج التمر في الموسم القادم، ولا تقولوا لنا فيما بعد أننا لم نعلمكم بدفع حصة التمر، تذكروا هذا وادفعوا سخرة مرسولي إليكم وأجرتهم، واعتنوا بهم فإن عددهم أربعة، والسلام)).
فنعم العامل، ونعم المنطق، وهذا نموذج لما كان يكتبه ويخلفه للتاريخ، أما ما كان يعمله ويدفنه في طي النسيان، فهو ولا شك أقبح وأقذر.
ولا شك أن العامل “سيمو” كان مكلفا بمهمة إفساد الأوضاع الاجتماعية في المنطقة، ودفع الناس إلى التمرد، وربما الهروب عند الفرنسيين، وبالتالي، قتل روح المواطنة والوفاء للسلطان في نفوس السكان الصحراويين، وعندما اتضح لـ”السيمو” أن الرأي العام لم يتزحزح عن ولائه للسلطان ووفائه لوطنه، أخذ يهجم على القصبات وينهبها، وزاد في جبروته حينما هجم يوما على قرية بوفادي، واستولى على ما فيها، وقبل خروجه منها اختطف بنتا لشيخ القبيلة، الشيخ امبارك، اسمها عائشة، وأخذها من بين الغنائم إلى مركزه في تيميمون. فهل بقي للشيخ امبارك وغيره من ضحايا عدوان العامل شيء آخر غير اللجوء إلى الفرنسيين، أم أن تعيين “سيمو” بدل الحاج رزوق كان يستهدف بالدرجة الأولى خلق هذا الجو من التذمر في صفوف المواطنين والإلقاء بهم في أحضان الاستعمار؟
ولم يكن من باب الصدفة إذن، أن يدخل العامل “سيمو” في صراع مع عامل إقليم ايحماد، إدريس الشرادي، حيث نشبت بينهما شبه حرب داخلية من أجل النفوذ على منطقة أوكروت، وهكذا أصبح رجال السلطة يتقاتلون فيما بينهم، والمواطنون متذمرون من رجال السلطة، وانشغل الناس فيما بينهم.
أفليست هذه هي الهدية الكبرى التي قدمها رجال الحكومة في فاس إلى الجيوش الفرنسية المرابطة المستعدة للانقضاض على أطراف المملكة؟
إن هذا الأسلوب الذي استعمله العامل “سيمو”، يعتبر أسلوبا قديما قدم الأديان تستعمله الدول المجاورة كلما أرادت غزو جارتها، فتنكب على إفساد العلاقة بين الحاكمين والمحكومين، وزرع بذور التذمر، ودفع الحاكمين إلى تجويع الشعب والتنكيل به، ثم خلق نزاعات بين المسؤولين من أجل السلطة والمصالح، فتصبح الدولة الجارة كالتمرة المعلقة بالشجرة تنخرها سوسة الفساد فتسقط لوحدها دون أن تكلف الدولة الطامعة كبير عناء لجنيها.
وفعلا، أخذت القوات الفرنسية المطلعة لحظة بلحظة على درجة التذمر الوطني وسط القبائل، تنقض بين الفينة والأخرى على المناطق الاستراتيجية فتحتلها، وكانوا يحتلون في المراحل الأولى المناطق البعيدة التي كانت ترتعش خوفا كلما وصلتها أخبار تعسفات الجيوش الغازية الفرنسية مؤطرة بالشرفاء إسمًا والعلماء مظهرا، بينما يسمح بعد المسافات بعدم وصول الأخبار إلى مراكز النفوذ، لكن الأوساط الوطنية الملتزمة بالوفاء للمغرب وللسلطان سارعت بالكتابة إلى فاس طالبة النجدة وضاربة ناقوس الخطر.. إنه لم يبق شك في أن المؤامرة ماضية في طريقها، وأن تعيين العامل “سيمو” إنما هو خيط أساسي من خيوطها.
وكان لابد للمجموعة المحيطة بالسلطان الشاب، أن تقدم له مشروع رسالة أخرى لسكان توات والساورة، تطمئنهم وتهدئ روعهم دون أن تتطرق إلى جوهر المشكل، ودون أن تزيل أسبابه.
وكانت الرسالة مؤرخة بعاشر ذو القعدة 1314 (الموافق لـ 13 أبريل1897) وفيها يقول السلطان عبد العزيز :
((وبعد، لقد بلغ إلى علمنا الشريف أنكم محافظون على طاعتنا، وأنكم تتصرفون بطريقة متناسبة ومصالحكم وسعادتكم، لكنكم انزعجتم لهذه الفيالق من الجنود الذين جاؤوا من الشرق بهدف تشييد بعض البنايات في العكاية، ولما قد يحدثه وجود هذه القوات من خسائر لكم، ولقد اطلعنا على ما قررتموه فيما بينكم للمقاومة، ورفض بعضكم لأداء التزاماته إلى أن تأتيكم قراراتنا وتعليماتنا، إلا أننا بحول الله سنجري مذاكرات في الظروف المناسبة وسوف لن تسفر إلا عن خير، لأنه لن تنقطع الصلة بيننا وبينكم.. واتفاقنا معكم ساري المفعول، ولا ننتظر من حكومة أولئك الناس إلا التصرف الحسن.
لقد بعثنا لكم هذه الرسالة ليصلح تصرفكم ولتعرفوا أننا ساهرون عليكم، والسلام)).
إنه ولا شك أن عناصر التناور على مستوى الحكومة، تظهر من خلال سطور هذه الرسالة التي حررها مستشارون كانوا أوصياء على السلطان الشاب، وكان سنه في تلك الأثناء سبعة عشر عاما، وكان دهاؤهم أنهم يدفعونه أو يرغمونه أو يستغفلونه لإمضاء رسائل من هذا النوع كان الهدف منها السير حسب المخطط الذي كانوا مكلفين بتنفيذه، وهو مخطط ولاشك رهيب، ولكنه ككل المخططات الرهيبة التي تحاك حول مصائر الشعوب، لا تظهر إلا بعد فوات الأوان لسوء حظ الشعوب.
إنها فترات حاسمة في تاريخ الشعوب، ولاشك أنها كالتاريخ تعيد نفسها.
لقد تحرك ضمير عامل ايحماد، القايد إدريس الشرادي، واكتشف أنه بيدق في لعبة خطيرة تستهدف خدمة المصالح الفرنسية والاحتلال الأجنبي، وبكل شجاعة كتب إلى السلطان، وبالتالي، إلى الأوصياء، يخبرهم بشكوكه في تصرفات القايد محمد وسالم، قايد تيميمون، مؤكدا أنه يتواطأ مع الفرنسيين.
لكن رسالة العامل أحيلت على القايد المتهم بالخيانة، متبوعة برسالة بإمضاء السلطان عبد العزيز مؤرخة بـ 11 أبريل 1897، مؤكدة ثقة السلطان، وبالتالي ثقة المحيطين به، في إخلاص محمد وسالم ووفائه، ومجددة ثقة الحكومة في رجل لم يكن أحد في منطقة توات يشك في خيانته.



