الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | العامل الذي أصبح زعيما مجاهدا ضد فرنسا

المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 55"

تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.

وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.

تتمة المقال تحت الإعلان

كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

تتمة المقال تحت الإعلان
بقلم: مصطفى العلوي

    كيف تصبر فرنسا على ضغوط أحمد رزوق.. هذا العامل الحازم القوي الذي أرغم جيوشها على الانسحاب من مواقع احتلتها، وعلى تحدي الدهاء الفرنسي وعلى خلق رأي عام وطني موحد ذي روح قتالية عالية من شأنها أن تكسر أحلام فرنسا في احتلال الصحراء المغربية ؟

تتمة المقال تحت الإعلان

ثم إنه وجب التساؤل: هل إن العامل الحاج أحمد رزوق يتصرف حسب تعليمات حكومة السلطان؟ وهل حكومة السلطان والوصي باحماد بالخصوص، يقبلون المخطط الجريء للعامل رزوق، أم أن المحيطين بالسلطان فشلوا في توجيه دفة الأمور إلى غير ما كانت تطمح إليه المخابرات الفرنسية ؟

إنه لسوء الحظ لم يكن هناك اتفاق كامل بين العامل الحاج أحمد رزوق وبين المسيرين للأمور العليا في فاس، وهم الواقعون تحت ضغط النفود الفرنسي، وبينما العامل أحمد رزوق غارقا في عملية التجنيد وحشد القوات، جاءه أمر بتوقيفه بتهمة أنه “يضغط على الناس ويفرض عليهم من الضرائب والواجبات ما ليسوا قادرين على تحمله”.  

لقد كانت المؤامرة على العامل المجاهد، كبيرة.. فقد سار في طريق أمجاد الماضي بينما ظروف الحاضر مختلفة عنها تمام الاختلاف، وامتثل العامل المجاهد للأوامر، ووضع السلاح وانسحب، وبعد شهرين من الرسالة التي بعثها العامل المناضل الحاج أحمد رزوق إلى القبائل يدعوها إلى الجهاد، كتب السلطان عبد العزيز – ومن الطبيعي أنه لم يكن صاحب الأمر والنهي – رسالة مؤرخة بـ 11 مايو 1896 موجهة إلى عامله في فجيج، القايد محمد المراكشي يقول له فيها :((خديمنا الأرضى القايد محمد بن عمر المراكشي، السلام عليك ورحمةالله، وبعد :

لقد بعثنا خديمنا الحاج أحمد رزوق إلى إقليم توات وكلفناه بمهمة مساكنة أهلها ومعاملتهم باللطف والمجاملة التي تقتضيها سياسة حكومتنا، لكن ها قد جاءنا أن هذا القايد قد تصرف معهم لا باللطف ولا بالمجاملة، لكنه انكب على فرض واجبات تألموا لتحملها ولم تكن تتطابق مع مصالحهم.

ولهذا قررنا أن نستدعيه بالقرب من جنابنا الشريف، ونعينك على رأس قبائل سفيان بتلك المناطق كلها، علما منا بمعرفتك للحقوق وبحرصك على المصالح، وبما أسديته من خدمات لحكومتنا.

أما قبائل ايحماد بنفس الأقاليم، فقد أسندنا أمورها لخديمنا إدريس بن الكوري الشرادي، لهذا نأمرك بالالتحاق بمهمتك ترعاك عناية الله، وتسكن هناك وتتولى هناك حماية المواطنين واحترام قوانين حكومتنا في صالح رعايانا، واجعل التفاهم يسود تلك المناطق، وتحرص على حسن العلاقات مع قوادها ونقبائها وقضاتها وأعيانها، وكما تقتضيه رغبتنا، فعليك أن تبحث عما من شأنه أن يفيدهم ويفرض التفاهم بينهم وبين قبائل ايحماد، وعليك أن تطلع جنابنا الشريف على الشاذة والفاذة من أحوال رعايانا هناك دون أن تغفل أبدا، واختر للنيابة عنك في فجيج من تراه أحق بذلك المنصب متحليا بميزاتك واستقامتك وصراحتك ووفائك.

ويصلك مع هذه المراسلة نداؤنا إلى سكان توات لتحمله معك وتقرأه عليهم، كما تصلك رسالتنا إلى العامل الحاج أحمد رزوق، التي تستدعيه للمثول بين أيدينا.

ولا تنس شيئا، لتتصرف عند حسن ظننا وثقتنا فيك وحسن اختيارنا لك لهذه المهمة، آملين أن تبرهن فيما بعد عن حسن ظننا بك.

وإذا ما بلغنا فيما بعد أنك حققت آمالنا فيك، فسيكون لك عندنا إن شاء الله، شأن عظيم وحسن الجزاء.

حفظك الله والسلام

عبد العزيز بن الحسن))

إنه مهما كان تعليم سلطان شاب عمره خمسة عشر سنة، ونبوغه ووعيه السياسي حتى ولو كان من باب المعجزات، فإنه لن يستطيع الاعتراف بأن رسالة بهذه الأهمية وهذه الخطورة قد تكون بأمر منه، خصوصا وأنها من جهة، تضع حدا لعامل استمر في سياسة معاداة الاستعمار على سابق عهد المنطقة بحكم الملك الحسن الأول، وثانيا، إن الرسالة محشوة بالعبارات السياسية التي تشير إلى “سياسة الحكومة”، وكذا “حسن اختياره لهذه المهمة”، ثم الوعد بالجزاء الحسن إذا نجح في مهمته، وهل نتصور شعور الحكام العسكريين في وهران وهم يرون حكومة المغرب تزيح من طريقهم عنصرا ثوريا متنطعا يستعمل في عداوته لهم كل أصناف الدبلوماسية والعسكرية، أم أن قرار تغيير العامل رزوق إنما كان صادرا من باريس ؟

بينما لا مجال للشك في أن العامل الذي وقع الاختيار عليه، القايد محمد المراكشي، كان عاملا في فجيج، وله بدون شك عند حكام فاس حظوة خاصة، ولم يشارك من قبل في أي مهمة سياسية ولا عسكرية في المنطقة.

بينما نجد الحكومة الفرنسية، على طريقة كل الدول الاستعمارية، بعدما سجلت الانتصار الكبير ربما بإزاحة العامل أحمد رزوق، سارعت مباشرة إلى تسجيل إصابة أخرى على طريق المناورات السياسية، إذ بعثت بواسطة سفيرها في طنجة مذكرة احتجاج صارمة اللهجة، تحتج فيها لدى السلطان على تعيين عاملين جديدين في المنطقة التي يعتبرونها خاضعة لنفوذهم، وسألوا بكل وقاحة عن السر في تعيين العاملين محمد بن عمر المراكشي على سفيان وإدريس الشرادي على ايحماد، علما أن قبائل سفيان وايحماد هي التي تمثل غالبية سكان كورارة وتوات وتيدكلت.

وبصيغة أخرى، فإن الحكومة الفرنسية أخذت تؤاخذ السلطان عبد العزيز على الاستمرار في اعتبار تلك المناطق خاضعة لملكه بينما كانت القيادة العسكرية الفرنسية بالجزائر تعتبرها مفتوحة، وهي وقاحة وتدخل لم تجرؤ عليه فرنسا من قبل.

وعندما وصل العامل إدريس الشرادي لتحمل مسؤولياته الجديدة في هذا الإقليم الصحراوي، وهو الذي جاء من ناحية فاس بالشراردة، وجد أن قصر العمالة في تيمي قد تحطم بقنابل الجيش الفرنسي، فاضطر للسكن في بيت صغير بقصبة أولاد بن دحو، وكانت بداية الإهانة بالنسبة له.

إهانة وبرودة وبساطة.. هي كل ما وجده أيضا العامل محمد المراكشي، الذي جاء ليأخذ مقعد العامل المجاهد الحاج أحمد رزوق، الذي أصبح بمجرد صدور الأمر بخلعه عبارة عن زعيم سياسي، الشيء الذي جعله يسارع بالسفر بعيدا عن المنطقة خوفا من إثارة غضب الحكومة.

لكن الحفلات التي أقيمت لتوديعه، سواء في عين صالح، أو في قصبات وادي الساورة وتيمي وأوليف، اضطرته للبقاء في المنطقة من يوم توقيفه في مايو 1896 إلى يناير 1897، تسعة أشهر من مظاهر التوديع كافية للتعبير عن حقيقة الشعور الوطني تجاه عامل حريص على وحدة تراب وطنه.

وقد تم التعرف على طول مدة توديعه بواسطة رسالة خلفها، مؤرخة بيناير 1897، بقيت محفوظة بالوثائق الفرنسية كتبها إلى القايد الحاج المهدي، قايد عين صالح، يقول له فيها :((وبعد، لقد توصلت برسالتك وبهديتك المكونة من بيض المهر ومن أقفال السودان، وأشكرك، ولكنني مضطر الآن لتوديعك آملا أن لا يكون وداعنا نهائيا وأن يجمعنا الله عن قريب بحرمة النبي وآله والبخاري ورجاله، وعندما أصل بحول الله إلى كورارة، سأكتب لكم من هناك)).

وتظهر معالم التأثر بين سطور هذه الرسالة مثلما تظهر معالم عناية الناس به، من خلال الإغداق عليه بالهدايا.

ولعل قلب العامل الحاج أحمد رزوق كان مرتبطا بتلك الأرض وكأنه كان لا يشعر برغبة في الخروج من أرض كافح من أجل بقائها جزء لا يتجزأ من تراب وطنه، وكأن الله العلي القدير استجاب له، فعندما وصل إلى الخنافسة ودخل مدينة الكاف، سقط من على صهوة جواده ومات لحينه ودفن هناك.

فنعم الوفاء، وفاء الحاج أحمد رزوق، ونعم المصير، مصير الأشراف المخلصين والشهداء، هذا الذي جعل الكفاح ضد الاستعمار الفرنسي اختيارا له، والموت في الصحراء مصيرا له.

إنه يصح القول بأن هذا الرجل العظيم قد جمع بين السلطة الإدارية والزعامة السياسية، وكان معلمة من معالم الصمود المغربي ضد الاحتلال الفرنسي لمناطق الصحراء الشرقية.

وإذا كان الحديث عن الرجال لا يستحق من الاهتمام ما يفرضه الحديث عن الأوطان، فإن الزعامات السياسية تجعل الأحداث ترتبط بالرجال، وحبذا لو كان كل رجال السلطة في المغرب سنة 1896 من طينة الحاج أحمد رزوق. إذن، لما ضاع شبر واحد من المغرب، وبالتالي، لما عرف المغرب الحماية الفرنسية.

 

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى