تنشر لأول مرة
قضية المهدي بنبركة بقيت سرّاً غامضاً رغم انقراض ما يقارب ستة عقود على اختفاء هذا السياسي الكبير، ولكن اختطاف بعض المسؤولين المباشرين، أسهم في إرسال بعض الأضواء على جوانب مظلمة، مما كشف عن نوعية أجواء(…) القضية التي بقيت ماثلة كالطود، من جيل الستينات إلى اليوم.
والسلسلة التي تنشرها لكم “الأسبوع” اليوم وبشكل حصري، مُستخرجة من أوراق تركها مؤسس جريدتنا مصطفى العلوي، في خزانته الغنية، وهو الذي عاش ما قبل الاختطاف، وعايش ظروفه، وتعايش مع الأحداث التي أحاطت به، وجمع على مدى 60 سنة، ما يكفي من البيانات والصور، والوثائق والمراجع، وهي الأوراق نفسها التي نقدمها لكم وللتاريخ، ضمن حلقات “الحقيقة الضائعة”.
تتمة المقال تحت الإعلان

لقد نشرت جريدة “لونوفيل أوبسيرفاتور” في مجال تعليقاتها على نتائج المحاكمة الأولى التي انتهت في 19 أكتوبر 1966، استجوابا مع أحد المواطنين الجزائريين “الشلال نور الدين”، نشر في عدد 19 أكتوبر 1966، ذكر فيه هذا الجزائري أن المحامي “لومارشان” أسر إليه ذات يوم بالتصريح التالي: ((إن الأمر لا يتعلق بمقابلة مع المهدي بنبركة، وإنما المغاربة يريدون اختطافه، ويوجد واحد من رجالي واسمه “فيكون” داخل اللعبة، يجب أن نترك الأمور تسير، وهناك أحد أصدقائي المسؤولين في الشرطة على علم بكل شيء، وعندما تحين الفرصة المواتية، سيخبرني “فيكون”، وسنتصرف))، إضافة إلى أهمية هذا التصريح، الصادر عن المحامي الذي لا يتكلم كثيرا، والذي نظم العملية وأسهم فيها دون أن يقف في قفص الاتهام، فإن هذا التصريح يؤكد الدور المصيري الموكول لـ”فيكون”.
وفعلا، فقد احتفل “فيكون” ليلة 29 أكتوبر 1965، بحصول الاختطاف، ونقلت مصالح الشرطة تصريحات له أدرجت في ملف المحاكمة وفي ملف الأمر بإحضاره، منها قوله بصوت مرتفع لصديقه الصحفي جان مرفيي: ((لا أعرف ماذا سيحصل، وإنما على أوفقير الآن أن يدفع الثمن المرتفع))، وقد ورد في روايات غير مبنية على شهادات قانونية، بأن “فيكون” توجه إلى بيت “بوشسيش” حيث كان المهدي محتجزا، إلا أن “لوبيز” صرح أمام المحكمة بأن “فيكون” اتصل به تلفونيا يوم 31 أكتوبر، يومين بعد الاختطاف، قبل أن يتوجه إلى بروكسيل عند صديقته الممثلة آن ماري كوفيني، التي صرحت بدورها أمام المحكمة أنه أخبرها بأنه ((منهمك في قضية تساوي الذهب، مثل قضية آركو))، مشيرا بذلك إلى قصة الكولونيل آركو الذي سبق الحديث عن ظروف اختطافه من طرف المخابرات الفرنسية في ألمانيا الغربية.
وعند عودته لباريس، حدث ما لم يفهم أحد سره.. فقد صرح صديقه “جان فينو” أمام المحكمة، بأنه كان مهموما بعد رجوعه من بروكسيل، ومن أمستردام، وروتردام (لماذا يا ترى كان في هاته المدن؟)، وأنه شرح لصديقه سبب غمه قائلا: ((إن “بوشسيش” لا يريد أن يدخل في مشاكل مع المغاربة)) وأضاف: ((إن لـ”بوشسيش” مصالح في المغرب لا يريد أن يفقدها))، وأضاف “فينو” في تصريحاته أمام المحكمة: ((إن فيكون مغتاظ، لأن المغاربة لا يريدون أن يدفعوا المال في فرنسا)).. أفلا يفهم من هذه الاعترافات المسجلة في محاضر قاضي البحث “زولينجير” أن المهدي بنبركة اختطف من بين أيدي “لوبيز” وجماعته، وأن “بوشسيش” شارك مع “فيكون” في إخفاء المهدي بنبركة رغبة في مطالبة الراغبين فيه بأموال باهظة، وهي الجزئية التي تلتقي مع التصريح الذي أدلى به الدليمي لجريدة “الحياة” اللبنانية بتاريخ 19 أكتوبر 1966، والذي نشر في الفصول السابقة؟
وقبل التعمق في هاته الجزئيات، نتابع تحركات “فيكون” في الأيام التي أعقبت اختطاف المهدي بنبركة، فقد أصيب بشبه جنون، وأخذ ينتقل من بيت لبيت، ولكنه استطاع أن ينظم يوم 2 نونبر اجتماعا على مستوى القمة بينه وبين “لومارشان” بحضور مدير الأمن السياسي، الكوميسير “كاي”، صلة الوصل بين “لومارشان” والدوائر العليا، وعندما أخبر “فيكون” الكوميسير “كاي” بتفاصيل وجزئيات ما حصل للمهدي بنبركة، طالبه بالتدخل لدى المعنيين بالأمر لدفع الأموال الموعودة (مائة مليون)، ولكن الكوميسير “كاي” بدل اعتقال “فيكون” تركه لحاله، ومنذ ذلك اليوم، دخل “فيكون” في حرب صحفية مع الشرطة، حيث لجأ إلى الصحفي جان دوروكي من مجلة “الإكسبريس”، ليدخل مرحلة من المزايدات الإعلامية مع الشرطة والقضاء الفرنسي، وهي أيام اتفقت جميع الأوساط القضائية والصحفية أن “فيكون” كان يعرف فيها أين يوجد المهدي بنبركة، ولكنه كان يرفض الإدلاء بالمحل إلا لمن يدفع مائة مليون، ولا شك أن “لومارشان” كانت له مصلحة من المصالح الكثيرة جعلته يخفي “فيكون” عن الأنظار، ويتحمل تبعة إخفائه، وتبعة الادعاء أمام القضاة بأنه لا يعرف عنه شيئا، إلى أن أسهمت السينما بدورها في قضية المهدي بنبركة، ففي جلسة 30 شتنبر 1966، وقفت الممثلة السينمائية الفرنسية المشهورة، فرانسواز أرنول، أمام المحكمة لتصرح بأنها ((أخفت فيكون عندها في بيتها من يوم 2 نونبر 1965 إلى يوم 16، وأنه كان على اتصال دائم بالمحامي “لومارشان”، كما أنه كان يتفسح بحرية في الشوارع، لأنه كان محميا))، ولكن هناك فترة اختفى فيها “فيكون” حتى عن “لومارشان”، وهي الفترة التي غادر فيها بيت الممثلة فرانسواز أرنول، وبدأ يتصل بـ”لومارشان” تلفونيا، وقد صرحت والدة “فيكون” أمام المحكمة في جلسة 8 نونبر 1966، أن ابنها أرسل إليها مرسولا يطلب حقيبة بها ملابسه، وطلب منها أن تسلمها لمكتب المحامي “لومارشان”، بل إن أخطر من هذا ما كشفه الصحفي جان مارفيي، في مجلة “الإكسبريس” عدد 24 يناير 1966، من أن ((أحد أفراد العصابة الدولية المشهورة “لاباند ليونيز”، أخبره أن المحامي “لومارشان” عرض على العصابة التدخل لإطلاق سراح أحد قادتها مقابل تهريب “فيكون” إلى أمريكا الجنوبية)) لكن “فيكون” عندما اتصلت به العصابة وأسكنته عندها، تشكك في أن هناك مخططا لتصفيته من طرف “لومارشان”، فهرب، ويجب التوقف عند هذا الحد، للتذكير بأن أحد الإرهابيين الكبار ممن كان له دور أساسي في قضية بنبركة واسمه “كريستيان دافيد”، سيأتي الحديث عنه، هرب هو أيضا لأمريكا الجنوبية، وسبق أن وصفت كيف أنه اعترف هناك بأنه كانت له يد في تصفية “فيكون”.
حروف الكلمات تتجمع إذن، لتركب الجملة المفيدة التي قضى العالم حوالي عشرين سنة في البحث عنها، ولقد طال الحديث عن “فيكون” بهذا الإسهاب، لكونه مفتاح القضية، ولكونه بعد موته أصبح يشكل فعلا الحلقة المفقودة.
فمنذ اللحظة التي أصبح فيها “فيكون” يتشكك في صديقه وحاميه “لومارشان”، تغير الموقف، وانقطع حبل الاتصال وافتقد “لومارشان” الطريق الموصلة إلى المهدي بنبركة، فأصبح المهم بالنسبة للأطراف المعنية، هو إسكات “فيكون” وإخفاؤه، لذلك استمرت المحاولات في الاتصال به عبر بعض الصحفيين، وفي عدد 21 يناير 1966 من جريدة “مينوت”، قال الصحفي جان مونتالدو، أن “فيكون” أبلغه أنه ((يريد جواز سفر خال من كل كتابة، وإنما عليه صورته مطبوع عليها ختم إدارة الأمن)). لم يعد إذن يطالب بالمائة مليون، ولا بالتوسط مع المعنيين لدفع الأموال، وإنما يريد الهروب.. فقد حصل بالتأكيد ما جعله يغير موقفه.. فهل يا ترى ترك المهدي بنبركة مربوطا بالحديد في ركن ما من أركان بيت ما، وأصبح لا يفكر إلا في مصيره هو؟
ولكن خوفه كان مزيجا بالكثير من جنونه، فقد دخل مرحلة جديدة من التحدي لرجال الأمن، وأخذ يعقد الندوات الصحفية في الشوارع، ثم يختفي، وفي 27 دجنبر 1965، شوهد يتفرج على المغني ساشا ديستيل في “الأولمبيا”، كما استدعى مصوري مجلة “باري ماتش” لتصويره يوم 14 يناير 1966 تحت نوافذ قاضي البحث، الكوميسير “بوفيي”، ولكن دخول “فيكون” هذه المرحلة من المزايدات المخبولة، عجلت بإخراج الصحافة لأنيابها، فسارعت مجلة “الإكسبريس” يوم 10 يناير 1966، بنشر تحقيق سبق له أن سلمه لها في إطار مزايداته مع المغاربة، وعنوانه: “شهدت مقتل بنبركة”، وفي هذا العرض أطلق “فيكون” العنان لمخيلته، وقدم أوصافا بعيدة كل البعد عن الواقع، كان لنشرها أثر بالغ على نفسيته، فخاف، وسارع إلى توجيه تكذيب بخط يده إلى جريدة “كومبا” وتكذيب آخر إلى جريدة “مينوت” التي نشرت يوم 14 يناير 1966 صورة لخط يده وهو يكتب “إن كلام الإكسبريس مجرد ادعاء”، ولكن ما نشرته مجلة “الإكسبريس” وضع الحكومة الفرنسية أمام الاختيار الصعب، فكان لا بد من إسكات “فيكون” باعتقاله؟ بينما الشرطة لا تعدم المعلومات التامة عن كل تحركاته، أو بوسائل أخرى من النوع الذي يبرئ ساحة المحامي “لومارشان”؟ أما بشأن الاحتمال الأول، فقد صرح “روجي فري” وزير الداخلية، أمام المجلس الوطني الفرنسي أن ((الشرطة كانت منذ 8 يناير 1966 تراقب تحركات “فيكون”، وتعرف سكناه في عنوان 14 زقاق “دي رينود”، وأنها تراقب سكناه ليل نهار))، وسمع “فيكون” هذا التصريح فسارع إلى البحث عن مسكن آخر وأجر شقة في “26 زقاق ليمارونيي”، وراح لشقته الأولى ليجهز حقائبه وكان اليوم 17 يناير 1966، فاتفق مع صديقه “كريستيان دوكرو” على أن يأتي عنده في العاشرة ليلا لحمل حقائبه، ولكن هذا الصديق يفاجأ بأن “فيكون” إنما استعمل اسمه لتأجير الشقة الجديدة، فيتصل بشخص آخر اسمه “كريستيان مونوري” ويسلمه مليوني سنتيم وديعة على أمل أن يأتي ليلا لترحيله بمحضر الصحافيين حتى يسجل تحديه لوزير الداخلية، ولكن صديقه “كريستيان مونوري” عندما دخل شقة “فيكون” وجده مقتولا ومسدس بين يديه. إن المثل الفرنسي يتحدث عن اثنين لابد لهما من ثالث، وفعلا أجر “فيكون” شقته الجديدة باسم “كريستيان دوكرو”، وطلب من صديق ثان مساعدته على الرحيل هو “كريستيان مونوري”.. فهل هناك يا ترى كريستيان ثالث؟ طبعا، فقد سبق أن تحدثت عن الإرهابي “كريستيان دافيد”، الذي اعتقل في أمريكا الجنوبية سنوات طويلة من بعد، وصرح أنه هو الذي اغتال “فيكون”.
لكن موت “فيكون” بالتأكيد كان اغتيالا مباشرا للحقيقة في قضية المهدي بنبركة، وربما كان اغتيالا نتج عنه موت المهدي بنبركة، وربما: تعبير عربي يعني الكثير من الشك والمغالطة، ولكن الحقيقة هي أن تعبير “ربما” غير خليق بالاستعمال في حالة وفاة “فيكون” وارتباطها بوفاة المهدي بنبركة.. لقد قضى المسؤول عن اختطاف المهدي بنبركة، “أنطوان لوبيز”، ست سنوات في السجن، وبعد خروجه سنة 1972، صرح لجريدة “فرانس سوار” عدد فاتح جوان 1972، بعد التفكير الطويل وراء القضبان، وبعد استخلاص العبر من كل ما جرى، وبعد أن اضطر إلى إنبات شعره وإطلاق شنباته لكي ينساه المجتمع، صرح للصحفي “ج. ج. جوناس” بقوله: ((تريد معرفة ما حصل لبنبركة.. ربما اختطفه “فيكون” من بين أيدي مختطفيه الأولين.. وأراد مساومته وبيعه بقيمة خمسمائة مليون.. وربما كانت هناك أغلاط، فالمهدي بنبركة يوجد الآن ربما.. ميتا.. مقيدا في إحدى المخابئ التي وضعه فيها “فيكون”)).



