الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | تافيلالت.. إقليم الجهاد ضد الاستعمار

المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 177"

تلبية لطلب قراء “الأسبوع” الأوفياء، المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” الذين يطالبوننا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا.. يستمر طاقم الجريدة في تقديم جزء مما تركه الراحل من مؤلفات تاريخية.

كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، والذي نشرنا الأجزاء الثلاثة منه المتضمنة لأهم الأحداث التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، ثم مراحل الاحتلال.. نواصل تقديم الجزء الرابع: “الحرب المغربية- الفرنسية- الإسبانية (1906-1936)” الذي يحمل تفاصيل المقاومة المغربية ضد الاحتلال، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

تتمة المقال تحت الإعلان
مصطفى العلوي
بقلم: مصطفى العلوي

إن جنبات تافيلالت شاسعة واسعة.. وضياع الفرنسيين كان في أهميته وضخامته يضاهي شساعة تافيلالت، وإنما نجد الفرنسيين يبحثون عن التعابير الجديدة في كل تقرير ليدفنوا في تركيباتها حقيقة ما كانوا يعانونه بعد واحد وعشرين سنة على إمضاء الحماية، وعندما تقول الوثائق الفرنسية: ((إن الاستقرار عم تافيلالت سنة 1920))، ويقولون في سنة 1932: ((إن محاربينا كانوا يضيعون))، وأقول في كشوفي أن الحرب لم تتوقف سنة 1932، فلأن مناطق أخرى في تافيلالت، سبق الحديث عنها، كانت مسارح لمعارك وصفناها سنة 1934 كمعركة إسل في تافيلالت، التي قتل فيها الليوتنان فيليبون.

تتمة المقال تحت الإعلان

ولا بأس من أن نقدم من محاضر الفرنسيين تقارير أخرى عن معارك جرت في نواحي أخرى بهذا الإقليم المجاهد، لم نتحدث عنها، كمعركة تاردة، التي استمرت شهرين في ناحية كلميمة، من غشت إلى شتنبر 1930، ومعركة أرمبو، التي جرت في نونبر 1931، ومعركة الفركلة، التي جرت في فبراير 1932، ومعركة إيفغ التي جرت في نفس الفترة، ومعركة كردوس، ومعركة جبل بادو، التي جرت في شهر شتنبر 1933.

تتمة المقال تحت الإعلان

إن ناحية كلميمة، ورغم أنها جزء من تراب تافيلالت وقبائلها من قبائله، كانت وحدها تخوض حربها كجيرانها ضد الدخول الفرنسي، خصوصا بعد أن ضرب الجيش الفرنسي القادم من الجزائر، والقادم من المغرب، حصارا بالدبابات والمدافع حول تافيلالت كلها، وهي فكرة غبية – على أية حال – لأن المحاربين هم السكان ولا يجدي ضرب تافيلالت الحصار حولهم شيئا.

وقد يجد القارئ أسماء لمناطق سبق الحديث عن معارك جرت في ناحية تافيلالت، ولكن المقارنة بين تواريخ هذه المعارك وأسماء الضباط الذين سقطوا فيها، توضح – بما لا يترك مجالا للشك – أنها معارك أخرى إضافة إلى المعارك الأولى.

ففي غريس، ونجد في أعداد سابقة أن الوثائق الفرنسية سبق وتحدثت عنها وعن استتباب الأمن فيها سنة 1924، نشهد معركة كبرى في 31 غشت 1930، قتل فيها الليوتنان شوفان وقتل معه أربعة وأربعون جنديا، فجاء الجنرال جيرو ليستقر في تاردة مجمعا قواته ومنتظرا نجدات أخرى تاركا للطائرات مهمة القصف الأعشى في جميع مناطق كلميمة.

وترك المجاهدون هذه المنطقة ليتحركوا نحو واد الفركلة، حيث كان الفرنسيون يتجمعون في جبل لالة الولية، فهاجموهم في 18 نونبر 1931، في معركة بالسلاح الأبيض قالت الوثائق الفرنسية: ((إن عدد القتلى كان فيها كثيرا.. وقتل ضابطان ؟؟)).

والحقيقة أن الوثائق الفرنسية اعترفت فيما بعد بأن الكولونيل لونوار، رئيس الجيش الفرنسي الذي جاء لإنقاذ جيوش رفيقه الكولونيل برونو، قد قتل، كما قتل الليوتنان ميستري والليوتنان دورجي.

ومع بداية السنة الجديدة، 1932، اشتبكت قوات الليوتنان شابدولين في نفس الموقع (واد الفركلة) يوم 22 يناير، فقتل في المعركة التي توسعت إلى رأس الحمادة.

وجاء الجنرال جيرو بمخطط علم منه قارئوه أن ميادين المعارك قد توسعت إلى ما لم يكن يخطر لهم ببال..

لقد وزع قواته – حسب الوثائق الفرنسية – لاسترجاع إيكلي شمال تابلبالا. إذن، فالمعارك توسعت مرة أخرى إلى إقليم الساورة بعد ثلاثة وثلاثين سنة من احتلاله، وإنقاذ واد الفركلة من أيدي المجاهدين، ووزع الجنرال جيرو القيادات على أربعة من خيرة ضباطه الخبراء في مناطق الحدود الجزائرية المغربية، الكولونيل ترانكي مكلفا بإقليم الساورة – ومرة أخرى نؤكد على رجوع المعارك إلى الساورة – والكولونيل كورنيط مكلفا بناحية الجنوب، والكولونيل دوني بناحية الغرب، والكولونيل لاهور بناحية الشمال، وجاءت قوات إضافية من مراكش بقيادة الكولونيل فرانسوا، وكانت قوات كل كولونيل عبارة عن جيش كامل بمدافعه وطائراته ودباباته وسياراته حاملات الرشاشات.

إنها حرب جديدة في منطقة الجنوب الشرقي للمغرب بدأت يوم 6 فبراير 1932، واختار المجاهدون تعقب قوات الكولونيل فرانسوا العاتية، والتي اتجهت نحو منطقة جبلية وعرة في واحات إيفغ حيث المياه المتدفقة والجبال العالية، وحيث قصف الطائرات لا يجدي نفعا، وجرى الاشتباك مع قوات الكولونيل فرنسوا يوم 11 و12 و13 فبراير 1932، وقالت الوثائق الفرنسية: ((لم نتمكن من جمع قتلانا))، ولكنهم قدروا عددهم باثنين وثلاثين قتيلا، بينهم القبطان أريكي.

وفي منطقة قريبة من الطريق إلى ورزازات، جاءت قبائل أيت عطا التي كانت مستمرة في حربها، وضربت في 22 فبراير 1932 المركز الفرنسي المسمى “ميسيسي”، فقتل عدد كبير من الجنود الفرنسيين، بينهم الليوتنان فرومانتان، وتوسعت المعركة إلى تيكرت، حيث قال الفرنسيون إنه قتل لهم جندي واحد.

ويعترف الفرنسيون بأن منطقة الرك، الممتدة إلى حاسي زكدو، كانت مرتعا للمجاهدين من أيت خباش، حيث لم يستطع الفرنسيون عمل شيء، ويقع واد الفركلة، الذي بدأت فيه المعارك، في هذه المنطقة التي يتحدث الفرنسيون عن إفلات الأمر من أيديهم فيها.

وفي الفركلة حصلت معارك في 27 مايو، ومعارك في 28 مايو، وفي 29 جوان.. وفي كل معركة يتكاثر القتلى ولا يذكر الفرنسيون عددهم، ولكنهم يذكرون عدد القتلى عندما يتعلق الأمر بمعركة يقتل فيها أحد ضباطهم، مثل الليوتنان سافاس، الذي قتل في معركة 22 شتنبر في نفس المنطقة مع أربعة من الجنود.

ويستمر الجهاد السنين والأعوام، وتتوسع رقعة الجهاد غربا لتقترب من جبل ساغرو، الذي توجد الفركلة شمال شرقه.

ونجد الجيش الفرنسي في فاتح يناير 1933 يشتبك مع المجاهدين في مركز ميسيسي، بعد قتل ثلاثة جنود فرنسيين، ومعركة أخرى يومي 5 و6 يناير في جبل وكنات.

وتهب قبائل أيت عطا يوم 8 يناير لتشتبك مع قوات القبطان ملموكس، وتقتله وجيشه في واد النسام، وقال الفرنسيون أن عدد القتلى بلغ أحد عشر.

وفي 24 يناير، حصل اشتباك آخر في أيت الغازي مع قوات ضخمة من رجال المدفعية الفرنسيين، قتل فيه الليوتنان لوكورفيلو.

1931.. خمس جنرالات في تونفيت

لا بد من الرجوع قليلا إلى الوراء، إلى معركة تاحيانت، التي جرت غرب إقليم تافيلالت على سفوح جبال الأطلس الكبير، والتي حصلت فيها معركة من مستوى معركة ساغرو، واضطرت الفرنسيين إلى الانسحاب عن جل المناطق التي كانت محيطة بأيت يعقوب، ولقد روينا عن الوثائق الفرنسية في تلك المرحلة قولها: ((هناك أموات وجرحى، ولكن الجيش الفرنسي انسحب)) (انظر الأعداد السابقة)، كما أوردنا قول الوثائق الفرنسية عن مرحلة جوان 1929 ((وأُفني رجالنا)).

وقد ذكرنا بهذه المرحلة الحاسمة في تاريخ الحرب الفرنسية ضد إقليم تافيلالت، لأننا انطلاقا من هذه السطور سنعود لنراجع ماذا حصل في تلك المنطقة بالذات منذ سنة 1929، لأنها بقيت خاضعة لنفوذ المجاهدين محرمة على الجيش الفرنسي، ولأن معارك كثيرة جرت بها، أبعدتنا عنها ظروف منطقة قصر السوق وأرفود والريصاني، والتي امتدت جنوبا وشرقا نحو الساورة، داخل الحدود التي كان الفرنسيون يعتبرونها جزءً من التراب الفرنسي في الجزائر.

ففي منطقة أيت يعقوب ومركز نفوذها تونفيت، اكتشف الجيش الفرنسي مبكرا أن القبائل التي ضربتهم في تاحيانت كانت تعززها قبائل يعرفها الفرنسيون وتعرفهم، وهي قبائل أيت مسعود وقبائل أيت إيحاند، والتي بدأت حربها ضد الفرنسيين قبل سنة 1922، وبقيت فارضة استقلالها.

وكانت القوات الفرنسية الواقفة موقف العاجز هناك يقودها الجنرال بويميرو، الذي جرح سنة 1929 فيما بعد، والجنرال تيفني والكولونيل شامبران، الذين جمعوا قوات كبرى في أغبالو نسردان، وتوقفوا وطال بهم الانتظار.. هؤلاء الجنرالات كانوا في هذا الموقف سنة 1922 وبقيت قواتهم محاصرة لمدة سبع سنوات. تحديد هذه المدة جاء في محاضر الكولونيل فوانو، المؤرخ العسكري لهذه المرحلة.

وقد حاول الجيش الفرنسي التحرك أخيرا في 10 جوان 1929 لفك الحصار عن إيتزر، حصار كان محيطا أيضا بتونفيت، التي احتلها المجاهدون وقتلوا كل من كان فيها من المستسلمين للجيش الفرنسي، أو من الجنود الفرنسيين.

لكن التحرك الفرنسي لم يُجْد شيئا، وبقي نفوذ المجاهدين مفروضا على مراكز ومرتفعات بودرعة وسيدي يحيى ويوسف.

واختار المجاهدون وقت التحرك، وتحركوا في 17 فبراير 1931، فهاجمت قبيلة أيت علي وابراهيم فرقة فرنسية متحركة، وهاجموا في 27 فبراير تجمعا للقوات الفرنسية في قصبة أيت بولمان، واشتبكت فرق مجاهدة من قبائل أيت يحيى وأيت علي وابراهيم مع الجيش الفرنسي في تواريشين يوم 12 مارس 1931، وكانت كل المعارك تخلف عشرات القتلى من الجانبين.

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى