الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | التحركات السياسية الأولى للبورجوازية الفاسية

المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 110"

تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.

وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.

تتمة المقال تحت الإعلان

كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

تتمة المقال تحت الإعلان
بقلم: مصطفى العلوي

    كان القايد العمراني قد قام بشبه انقلاب سياسي في فاس، حيث استعد لاستقبال مولاي حفيظ محضرا له ميزانية هامة لتسيير الدولة وتسيير الجيش، أما كيف حصل على هذه الأموال؟ فذلك مرجعه أن القايد العمراني قد مارس سياسة “من أين لك هذا؟”، وجرد العائلات التي أفقرت المغرب واستغنت على حسابه وتسببت في انهيار الدولة ودخول الاستعمار، من ممتلكاتها.

تتمة المقال تحت الإعلان

وانبهر الفاسيون جميعا بثورة العمراني، وانشرح قلب الشعب لهذا الرجل الذي جرد الأغنياء من ثرواتهم لملء صندوق الدولة، واستعدوا للترحاب بالمولى عبد الحفيظ، الذي سبقت سمعته في الجهاد ركبه، وخيله، ووصوله لمدينة فاس.

لكن مولاي حفيظ كان لازال في “صخرة الدجاجة”، حيث عبر نهر كرو إلى خنيفرة، ثم مولاي بوعزة، وواد بهت، وبسرعة بالغة، اجتاز هضاب والماس ومر مرور الكرام على قبائل بني مطير، حيث أطل على أطراف مدينة مكناس يوم 15 ماي 1908، وفي صباح اليوم التالي، دخل مكناس دخولا ذكرها بأيام المولى إسماعيل.

وكيف لا يتذكر سكان مكناس أيام أجدادهم في عهد الملك العظيم المولى إسماعيل، الذي كان قد غادر مكناس ذات يوم ووصل إلى ضفاف نهر السنغال، ثم عاد إلى مكناس على ظهر جواده دون أن يعترضه عارض إلا رايات المجد وهامات الخاشعين وانحناءات المقدسين.

فقد دخل مولاي حفيظ على رأس جيوش جرارة تحمل كلها بنود الجهاد ضد الكفر، ضد الاحتلال، ضد الاستعمار، وضد الفساد، وكانت فيالق القبائل المغربية كلها كالموج على خيولها وراء موكب المولى عبد الحفيظ، فكانت ألوية سكتانة وألوية جيش الحوز، وكلاوة، الذين كانوا أوفياء له تحت قيادة المدني الكلاوي، وأيت ويرا، وزيان.

كما كانت عظمة المولى عبد الحفيظ تنطلق من هذه الطريق التي قطعها عبر خنيفرة ووالماس، قلب المناطق البربرية، التي لم تسلم قيادتها ولا فتحت طرقها إلا للملوك العظام: المولى إسماعيل والمولى سليمان، وحتى الملك الحسن الأول لم يعبر هذا الممر إلا بعد أن أعطى البرهان على عظمته على مدى عشرين عاما من الحكم الجاد والقوي والمصلح، جعل القبائل البربرية تفرش له الطريق بالزرابي.

وعندما جلس المولى عبد الحفيظ على أريكة النصر والمجد والهيبة، والمكتسبات الوطنية، أخذ يفكر في المرحلة القادمة، مرحلة دخول مدينة فاس.

وإذا كان بدون شك يفكر في طريقة يسترد بها لهذا الشعب استقلاله ومجده ويرد لهذا الشعب جميله وتأييده وطاعته بالاستمرار في الخطة التي على أساسها التفت حوله كل القبائل، فإن القيادة العسكرية الفرنسية كانت تفكر هي أيضا في هذه الطامة الكبرى، وفيما قد ينتج عن هذا التضامن بين العرش والشعب، إذ أن المولى عبد الحفيظ كان بدخوله إلى مكناس عبر الأطلس المتوسط، قد سجل على المخططات الفرنسية إصابات لم تكن قادرة على تحمل أثارها.

فأين الحكمة الاستعمارية؟ وأين الخبرة الفرنسية؟ وأين المؤامرات الجاسوسية والمخططات التناورية؟ وأين الأفكار الجهنمية لمواجهة سلطان بنى في ظرف سنة ونصف كل ما هدمه الاستعمار الفرنسي والإسباني على مدى عشرين عاما ؟

وكان عزاء الاستعمار الفرنسي، أن مولاي حفيظ سيكون مضطرا لمواجهة المشاكل الحقيقية للمغرب، وأنه سيبدأ بمطالبة هذا الشعب الذي يؤيده بأداء الضرائب الباهظة، وسيعين رجالا ومسؤولين لابد أن يكون بينهم ضعاف الإيمان، وربما رجال للاستعمار من بين جموع العناصر التي ملأت بها المخابرات الفرنسية جوانب القصور ومكاتب المخزن.

وقرر الاستعمار أن ينتظر الظروف التي سيواجه فيها مولاي حفيظ مشاكله، وفي انتظار ذلك، عليهم بالاستمرار في المناوشات العسكرية بدقة وتخطيط.

انتصار المولى عبد الحفيظ

سلطان الجهاد يواجه المشاكل الأولى

كانت فاس على مدى التاريخ مهد المناورات والتحركات السياسية، والتأويلات والتفسيرات، والتلاعب على الكلمات واستغلال الألقاب والانتسابات.

وعندما تتوجه الألسن بانتقاد الفاسيين وعائلات الفاسيين، وارتباطات الفاسيين، فذلك نتيجة لتاريخ حافل بالتحركات السياسية التي كانت فاس مهدا لها، مثلما لازالت اليوم مرتعا لها، ذلك لأن فاس كانت في الماضي مهد الحضارة العلمية، والبورجوازية الفكرية، والاحتكارات العائلية، وهي ميزات بقيت اليوم بعض ملامحها كـ”الزين عندما يمشي تبقى حروفه” كما يقول المثل الفاسي.

فهل نسينا متاعب السلطان الحسن الأول مع ثورة البورجوازيين بفاس؟ فكذلك كان الأمر مع المولى عبد الحفيظ.

فما إن سمع الفاسيون بأن جيوش المولى عبد الحفيظ في مكناس على أبواب فاس، حتى نسوا الاحتلال، ونسوا ما ذاقوه على يد المولى عبد العزيز، وهالهم كون المولى عبد الحفيظ سيدخل على رأس جيوش من الشلوح وفيالق من العروبية، كما أزعجتهم المواجهة المرة للواقع، ذلك الواقع المنطلق من أنهم كانوا دائما أقلية مفكرة، مثل التطوانيين لا يضربون ولا يهربون، وأن الحرب كانت دائما للقبائل وسكان الجبال، وأن بوحمارة يتهددهم بجيوش جبالة والعروبية والريفيين، وها هو سلطان الجهاد سيدخل عليهم بجيوش البربر.

وسريعا ما أخذ الرأي العام الفاسي يتحرك كالموج، من قصبة الثوار إلى مولاي إدريس، ومن باب فتوح إلى باب بوجلود.

وكان الخبر الأول الذي أمسك الفاسيون بتلابيبه كقميص عثمان، هو خبر تعيين المولى عبد الحفيظ للقايد ولد بّا محمد الشرڭي، باشا على المدينة، وتساءل الفاسيون كيف يصبح “جبلي” باشا علينا يأخذ منا الضرائب؟

وجاءت فرصة أخرى ليعبر بها الفاسيون عن استيائهم، وربما عدم استعدادهم لاستقبال المولى عبد الحفيظ، وهي اختياره للقايد سعيد بن البغدادي قائدا للجيش، وكان المولى عبد الحفيظ قد ضرب بهذا التعيين عصفورين بحجر واحد: أولا أنه عين على رأس الجيش أخ قائد جيش المولى عبد العزيز، القايد بوشتى بن البغدادي، الذي كان في طريقه إلى محاربة جيش المولى عبد الحفيظ، ومن جهة أخرى، عبر للقايد بوشتى بن البغدادي عن عدم وجود أي كراهية لعائلته، وأن محله بجانب أخيه، في خدمة السلطان الشرعي.

وثالثة المشاكل الفاسية، هي التعصب الذي تمسكت به مجموعة من العلماء، الذين كانوا وقتها على قمة الإشكال اللغوي والتعقيدات الفقهية.. فلقد سبق لهم أن بعثوا بيعتهم إلى المولى عبد الحفيظ قبل أن يصل إلى فاس، ولكنها كانت بيعة مشروطة بشروط معقدة كذنب الضب.. فقد اشترطوا على المولى عبد الحفيظ، إذا كان راغبا في الحصول على تأييدهم، أن يقفل القنصليات الأجنبية، وأن يعلن رجوع الدولة وخضوعها للاختيارات السلفية، وإقفال مكاتب البريد، وبناء أسوار تحيط بمساكن النصارى واليهود حتى يعيشوا كالمسجونين طيلة حياتهم، وتطبيق أحكام الشرع في حق أهل الذمة… إلخ.

ولم يكن من حق أحد في ذلك الوقت أن يصف العلماء بالرجعية، إذ كان الكل غارقا في غياهب الرجعية حتى الأذقان، بينما كانت شروط علماء فاس رجعية في عصر الرجعية، فرفضها المولى عبد الحفيظ.

وقبل وصوله لفاس، رد للعلماء فتواهم، وطلب منهم أن يغيروا بعض جملها ويلغوا بعض شروطها، فاعتبر العلماء هذا الرد صفعة لهم ورفضا للحوار معهم، وطبعا، أصدروا حكمهم المعروف.. إنه “الكفر”.

ولكنهم في الحقيقة إنما كانوا يغمضون عيونهم عن حقيقة الوضع الخطير المحدق بهم وبعلمهم، فلم تكن الجيوش الفرنسية قد وصلت إلى مدخل فاس، ولكن احتلال فاس كان في عداد المصير الذي لا مفر منه، والحقيقة المرة أيضا هي أن أولئك النوابغ كانوا يعرفون أنه لا قوة ولا طاقة لهم إلا أقلامهم وألسنتهم، وطبعا أيديهم التي كانت مستعدة لرفع أعلام الاستسلام البيضاء على منازلهم.

فكانت واجهة أخرى كان على المولى عبد الحفيظ أن يخوض معركة كبيرة ضدها، وكان دهاؤه وبعد نظره وراء قراره في عدم الانتظار تحسبا لتردي الأوضاع، فامتطى صهوة جواده وتحرك موكبه نحو مدينة فاس لمواجهة مشاكل ما كان أغناه عنها، وتوقف في طريقه بضريح المولى إدريس الأكبر بزرهون، حيث أدى به الصلاة في حفل رسمي قبل أن يدخل مدينة فاس يوم 7 يونيو 1908، أي ثلاثة أيام بعد الاستعراض العسكري الفرنسي في شوارع الدار البيضاء.

وكما هو الشأن في جميع الظروف والأحوال، فإن رجل الشارع لا يدخل في أسرار الفلاسفة والمفكرين قبل أن يعطي تأييده لأحد.. لقد وصل سلطان الجهاد إلى فاس فيجب أن يستقبل استقبال الفاتحين. هكذا قرر رجال الشارع وذلك كان اختيارهم.
وإذا كان العلماء والسياسيون قد جلسوا في بيوتهم مقاطعة لمن كانوا يسمونه بسلطان الكفر، فإن المولى عبد الحفيظ ترك جيوشه ومحلته في “باب الساﯖمة” ودخل المدينة وسط هتافات الجماهير.

وبينما كان موكبه يخترق صفوف المرحبين والفرق الموسيقية، كانت أصابع السياسيين تشير إلى رجل يلبس الزي الأوروبي كان يسير بجانب موكبه، وقال الناس: ألم تعرفوا من هو هذا الرجل النصراني؟ إنه اليهودي هولتزمان، صديق مولاي عبد الحفيظ ومستشاره.

وقال القائلون: ألم نقل لكم هذا من قبل ؟

 

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى