تحليلات أسبوعية

ملف الأسبوع | قصة تجنيد عصابات مسلحة وإرسالها من الجزائر إلى المغرب

محطة في تاريخ العداوة

إن احتضان الجزائر لميليشيات البوليساريو فوق ترابها، وجعله قاعدة لمهاجمة المغرب، ليس وليد اليوم، أو حتى يمكن القول أنه بدأ مع انطلاق مشكلة الصحراء المغربية، بل هو سلوك متجذر في الجارة الشرقية منذ استقلالها، حيث أنه من خلال البحث في بعض الوثائق التي تخص مرحلة العلاقات بين البلدين بعد حرب “الرمال”، نجد أن عملية احتضان وتدريب بعض الميليشيات فوق التراب الجزائري من أجل ضرب المغرب، بدأت مع أول رئيس للجمهورية الجزائرية، أحمد بن بلة، وذلك سنة 1964، ويحاول هذا الملف التطرق للموضوع من خلال وثائق ننفرد بعرضها لأول مرة لقرائنا.

أعد الملف: سعد الحمري

عندما تم اكتشاف عصابات “مغربية” مسلحة متسللة من التراب الجزائري تحاول ضرب المغرب

تتمة المقال بعد الإعلان

    لم تكن بداية العلاقات المغربية الجزائرية مثالية، بل كانت متعثرة، حيث لم تكد تمر سنة على استقلال الجارة الشرقية حتى نشبت حرب “الرمال” بين البلدين، ورغم ذلك، فقد وقع الطرفان اتفاقية وجدة يوم 5 أكتوبر 1963، وكان من أهم النقط التي تم الاتفاق عليها، النقطة الثانية التي نصت صراحة على “تأكيد مبدأ عدم تدخل أحد البلدين في الشؤون الداخلية للآخر، وكذا احترام التجربة التي تابعها كل منهما”.

ورغم توقيع هذا الاتفاق، إلا أنه يبدو أن الجانب الجزائري لم يلتزم بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للمغرب، حيث عملت الجارة الشرقية على تجنيد المعارضين المغاربة فوق ترابها ضد نظام الحكم القائم بالمملكة، وأمدتهم بالسلاح ووفرت لهم قاعدة لضرب المغرب، وانطلاقا من منتصف سنة 1964، بدأت العناصر المغربية المدربة فوق التراب الجزائري تتسرب إلى داخل المغرب وهي مسلحة، من أجل القيام بأعمال من شأنها إسقاط النظام، وفور علمها بالأمر، قامت سلطات الحدود المغربية باعتقال البعض منهم واستنطقتهم، وأكدوا لها أنهم يحظون بدعم من مسؤولين جزائريين.

لقد كان ما تم اكتشافه بمثابة ناقوس الخطر بالنسبة للجانب المغربي، مع العلم أنه خلال هذه المرحلة، كانت هناك مفاوضات مغربية جزائرية من أجل إعادة العلاقات بين البلدين إلى طبيعتها، وبالتزامن مع اكتشاف سلطات الحدود المغربية لتسرب عناصر مغربية مسلحة من الحدود الجزائرية، كان هناك وفد جزائري بالرباط في إطار اللجنة المختلطة المغربية الجزائرية، يدرس ويناقش سبل عودة العلاقات بين البلدين إلى سابق عهدها.

تتمة المقال بعد الإعلان

لقد جعل هذا الأمر الملك الحسن الثاني، يرسل رسالة إلى الرئيس الجزائري أحمد بن بلة يوم 12 يونيو 1964، ويطرح عليه الموضوع بشكل صريح، حيث ذكره الملك الراحل في بداية الرسالة، بأن المغرب عمل منذ نهاية حرب “الرمال” على إعادة العلاقات بين البلدين إلى حالتها الطبيعية، ومن ذلك مسارعة المغرب إلى القيام بمبادرة أحادية الجانب، تقضي باعتماد سفير جديد دون انتظار عودة السفير الجزائري، بل ولا حتى قبل أن يلتحق السفيران في آن واحد بمقر أعمالهما.

وقال الحسن الثاني ضمن رسالته: ((… ورغما عن الأنباء الواردة علينا بانتظام والتي يؤيد بعضها بعضا عن ما يحظى به بعض المغاربة الموجودين بالجزائر من عطف وتأييد ومساعدة – رغما عن تمردهم على حكومتنا إن لم نقل بسبب تمردهم ذاك – لم نتردد مطلقا في إرسال الوفد المغربي إلى اجتماع تلمسان ليدرس مع الوفد الجزائري المشاكل القائمة، وليعمل على إيجاد حلول لها تساعد عـلى تصفية الأوضاع وتصحيحها بصفة نهائية))، وأضاف الملك: ((غير أن المؤلم في نفس الوقت، أن يقوم بعض المغاربة في شكل عصابات منظمة تتسلح وتتدرب في الجزائر، بمحاولات لاجتياز سري لحدودنا، وفعلا.. فقد اجت

از بعضها حدودنا، وإن بعض من اعتقلوا من أفراد هذه العصابات قد صرحوا بما يجعلنا نعتقد بأن تلك العصابات المجرمة تتمتع بتأييد سافر من بعض المسؤولين الجزائريين، ومع ذلك، فقد صعب علينا تصديق ذلك، إذ الأمر في الواقع خطير، وهو – إن صح – سيحمل في طياته جرثومة نزاع أبدي لا مفر منه، سيعصف بعلاقات بلدينا ويقودها إلى مصير مظلم)).

تتمة المقال بعد الإعلان

وختم الملك الحسن الثاني رسالته بالتأكيد على أن المغرب ما يزال يحرص أشد الحرص على الاعتقاد بأنه في الإمكان تحقيق تعاون أخوي صادق بين الجزائر والمغرب، وختم رسالته بالتالي: ((… وهذا الشعور هو الذي حملنا على أن نفضي إليكم بما يخامرنا من قلق قبل أن تقع الواقعة ويفوت الأوان)).

أوفقير

جواب الرئيس الجزائري على الاتهامات المغربية

    تجدر الإشارة إلى أن الرسالة الملكية تكلف بنقلها مدير الديوان الملكي، إدريس المحمدي، ورافقه المدير العام للأمن الوطني، محمد أوفقير، الذي حمل معه ملفات تؤكد فعلا دخول معارضين مغاربة على شكل عصابات مسلحة إلى التراب المغربي، ولم يتأخر رد الرئيس الجزائري في الإجابة عن الرسالة الملكية، حيث بعث رسالة بعد يوم واحد من توصله برسالة الحسن الثاني، أكد للملك من خلالها أنه ناقش الموضوع مع مدير الديوان الملكي والمدير العام للأمن الوطني، وأكد أن النقاش دار بينه وبين مبعوثي الملك في جو من الصراحة، الأمر الذي جعله يطمئن إلى أن ما تم اكتشافه لا يمكن ترقيته إلى نزاع عميق، وأنه مجرد شك تمنى الرئيس الجزائري أنه لم يكن.

تتمة المقال بعد الإعلان

وعبر الرئيس الجزائري عن أسفه لما وقع، حيث قال ضمن رسالته ما يلي: ((إننا لنأسف شديد الأسف أن تكون قد وقعت حوادث تعكر الصفاء والأخوة التي تسود علاقاتنا بفضل مساعيكم ومساعينا، وعملا بنوايا مشتركة نثق كل الثقة في أنها حسنة بين الطرفين، وإننا لنعتبر الشكوك الناتجة عن هذه الحوادث من بقايا نزاعات نسعى جميعا للقضاء عليها، وإن جلالتكم تعلم أننا التزمنا التزاما لا مراء فيه، في مؤتمر القمة العربي، بأن نعيد المياه إلى مجاريها وأن تمتن علاقات الود بيننا ونسعى في السلم لبلدينا، وقد التزمنا بنفس الالتزام أمام رؤساء دول صديقة وشقيقة وأمام منظمة الوحدة الإفريقية، وليس من صالحنا قط أن يعلم أننا لم نف بهذه الالتزامات، زيادة على أننا مقيدون بوثائق سلم وأخوة وحسن جوار، وأننا نؤمن إيمانا صادقا عميقا بوحدة مغربية عربية لا تنفصم عراها لأن لها أصولا ثابتة في جميع الميادين)).

وأنكر الرئيس بن بلة معرفته بتسلل عصابات مغربية مسلحة من الجزائر إلى المغرب، حيث قال: ((هذه مساعي كل المسؤولين الجزائريين، سواء في الدولة أو في الحزب، وإذا كانت مخلفات النزاع القديم تأتي بظواهر تفسد العلاقات بيننا ولا علم لنا قبل صدورها، فإننا سوف لا نبخل بأي جهد لتصفية هذه الحالة حسب ما يتلاءم مع التزاماتنا ومصالحنا المشتركة ومستقبلنا الوحيد، ونتمنى أن يكون الريب الذي أثير بيننا قد يصبح سحابة صیف مآلها الزوال وتعود الثقة والأخوة سائدة بيننا إلى الأبد، ونتمنى في الأخير أن المفاوضات الجارية حاليا بين وفدينا والتي ستعزز نتائجها باتصالات أخرى، سوف تكلل بالنجاح بحول الله مما يجعل التعاون أفسح والتضامن أمتن وأعمق)).

طلب الحسن الثاني من الرئيس التونسي التوسط من أجل عقد لقاء ثلاثي لمنع تكرار ما حدث

تتمة المقال بعد الإعلان

    رغم طمأنة الرئيس الجزائري أحمد بن بلة وتأكيده بأن الأمر مجرد شكوك، وأنه سوف يلتزم بمراقبة الحدود وعدم السماح بتسرب عصابات مغربية هدفها قلب النظام المغربي، فإن الملك الحسن الثاني لم يكن مطمئنا، وأراد أن لا يحصر الموضوع في العلاقات الثنائية بين المغرب والجزائر، بل رغب في أن يكون طرف ثالث شاهدا على الأمر، وقد آثر مراسلة الرئيس التونسي، ليقترح عليه عقد اجتماع ثلاثي من أجل دراسة هذه القضايا، وعلى هذا الأساس بعث رسالة إلى الحبيب بورقيبة، أكد له في بدايتها أن سلطات الحدود المغربية اعتقلت بعض المغاربة الذين تسربوا سريا إلى التراب المغربي من التراب الجزائري، وكانوا مسلحين ونظموا وتدربوا هناك قبل اجتيازهم للحدود.

وتابع ملك البلاد في رسالته وصف ما حصل بالضبط، حيث قال: ((إن من تمكنوا منهم من الإفلات من رقابة الحدود قد تم اعتقالهم كذلك، ولكن بعد اشتباكات بينهم وبين قوات الأمن، وبفضل المساعدة الفعالة والقوية التي قدمها السكان المدنيون. وأمام هذا الوضع، وبعد حصولنا على معلومات دقيقة تؤكد كلها وجود عصابات مغربية فوق التراب الجزائري حيث تتمتع بعطف متزايد وتتلقى عونا وسندا، ارتأينا من واجبنا أن نوجه إلى السيد أحمد بن بلة رئيس الجمهورية الجزائرية، خطابا نلفت فيه نظره إلى ما قد يتعرض له كيان مغربنا الكبير من أخطار محققة إذا لم نعالج الوضع القائم بإرادة مشتركة وبما تفرضه علينا ضرورات تعاوننا الأخوي، وإن الخطاب الذي وجهناه إلى الرئيس الجزائري، والخطاب الذي تلقيناه منه، والمحادثات التي أجراها معه مدير ديواننا، وما أعرب عنه باسم الرئيس مدير ديوانه الذي حمل إلينا خطاب الرد، من رغبة في التفاهم والتعاون.. كل ذلك جعلنا نلاحظ أنه لا يوجد بيننا أي مشكل يستحيل حله عن طريق الاتصال الشخصي، وبواسطة حوار تطبعه الصراحة والصدق والأخوة)).

وعلى هذا الأساس، طلب الملك من الرئيس التونسي ما يلي: ((استنادا على هذا المبدأ، وحرصا منا على تخطي الحوادث الجزئية التي أشار إليها خطابنا الموجه إلى فخامة السيد أحمد بن بلة، تلك الحوادث التي مهما كانت أهميتها، فهي عارضة، ورغبة منا في أن نعالج على مستوى أعلى مختلف المشاكل والصعوبات التي تواجهها أقطارنا الثلاثة، فإننا رأينا من الضروري والمفيد أن نقترح على فخامتكم وعلى فخامة الرئيس أحمد بن بلة، عقد اجتماع ثلاثي في أقرب وقت ممكن)) على اعتبار أن المشاكل والصعوبات التي سيتعين دراستها كثيرة ومختلفة المظاهر، وأن أول ما ينبغي الاهتمام به هو قطع كل أمل على خصوم المغرب العربي، سواء في الداخل أو الخارج، في استغلال تلك الصعوبات والمشاكل لتفريق الصف ووحدة بلدان المغرب العربي.

وختم الملك رسالته قائلا: ((إن وحدة مصير أقطار مغربنا وتشابه مشاكلنا، تفرضان علينا أن نعمل على تقريب تلك المشاكل بعضها من البعض، لنجد لها حلولا مشتركة، لا فرق في ذلك بين المشاكل الداخلية أو التي تعترض علاقاتنا واتصالاتنا الخارجية، وإن خصومنا الذين يتساندون ليسدوا علينا كل منفذ للوصول إلى حلول معقولة وإيجابية لتلك المشاكل، سيدركون إذ ذاك أن أمامهم إرادة مشتركة ستفسد عليهم مناوراتهم، وأن عزما قويا يخامرنا جميعا لإحباط مكائدهم، وإني أعلم ما تولونه من عناية صادقة لمصير أقطار المغرب بدون تمييز بينها، كما أدرك ما لديكم من شجاعة وجرأة في مواجهة كل المشاكل مهما تكن دقتها، لذلك لا أشك في حسن التقبل الذي ستولونه لاقتراحنا هذا)).

الحبيب بورقيبة في زيارة للمغرب سنة 1984

جواب الرئيس التونسي على مبادرة الحسن الثاني

    توصل الرئيس التونسي بالرسالة الملكية، ولم يجبه إلا بعد مرور 15 يوما كاملة، حيث قام الحبيب بورقيبة بمجهودات خلال هذه المدة، تمثلت في الاتصال بالرئيس الجزائري من أجل عقد اجتماع ثلاثي، وقال أن أحمد بن بلة قبل فكرة عقد لقاء ثلاثي، وأكد له أن السلطات الجزائرية تراقب الحدود بقوة، وأنها لن تسمح في أي حال من الأحوال بمرور عناصر مخربة إلى الأراضي المغربية.

غير أن الرئيس الجزائري اشترط مقابل عقد اللقاء الثلاثي، أن لا تتم مناقشة قضية الحدود، حيث قال الرئيس التونسي في رسالته إلى الحسن الثاني ما يلي: ((… على أن سيادته يرى من الضروري أن تجتنب هذه الندوة النظر في الخلاف القائم بين المغرب والجزائر بخصوص مشكلة الحدود والمشاكل المتفرعة عنها، وهو الأمر الذي اتفقتما على تحكيم منظمة الوحدة الإفريقية فيه، إذ لا فائدة في دراسة هذا الموضوع على مستويين في نفس الوقت ما دامت منظمة الوحدة الإفريقية لم تنته بعد من بحثه، إلا أنه يرى مثل ما رأيت شخصيا، أنه من الصالح أن تسفر هذه الندوة عن قرارات إيجابية تشمل بعض النواحي من علائق بعضنا ببعض، مثل بعث الاتفاقيات المبرمة بين كل اثنين منا والتوفيق بينها، وتنسيق مواقفنا إزاء السوق الأوروبية المشتركة، وتظافر جهودنا المتفرقة في ميدان النقل وميدان التعليم)).

غير أن الحبيب بورقيبة عبر عن عائق قد يحول أمام عقد هذه القمة الثلاثية في القريب العاجل، وقال: ((لقد كان في ظني أن أقترح على جلالتكم وعلى أخينا السيد أحمد بن بلة، عقد هذه الندوة بتونس في يوم بين الثامن والعاشر من شهر يوليوز الجاري، إن صادفت الخطوط العامة التي عرضتها عليكم في هذه الرسالة رضاكم، إلا أني خشيت أن تكون التطورات الأخيرة التي ظهرت بالمنطقة الشرقية الجزائرية قد شغلت بال أخينا رئيس الجمهورية الجزائرية، فيجد في الغياب عن الجزائر في هذا الظرف حرجا قد يدعوه إلى الاعتذار عن تلبية الدعوة، وقد لا يتردد بعضهم إذ ذاك عن تأويل هذا الاعتذار بما يسيء إلى الغرض الذي نريد أن نلتقي من أجله)).

وختم بورقيبة رسالته بالاقتراح التالي: ((لذلك أرى من الأنسب لو احتفظنا بمبدأ هذه الندوة وننتظر فرصة أخرى لعقدها، وإني آمل أن لا ينطوي هذا التأجيل إلا على خير وعساه يسمح لنا جميعا بمظافرة الجهود لتهيئة جو يكون أضمن لتحقيق الأهداف التي نروم تحقيقها جميعا وتتطلع إليها أمتنا المغربية الكريمة)).

إلا أن هذا اللقاء الثلاثي لم يتم عقده، وذلك بسبب حصول انقلاب في الجزائر قاده وزير الدفاع العقيد هواري بومدين، وبعد ذلك، أخذت العلاقات منحى آخر، ورغم ذلك استمر نسق تسرب عصابات مسلحة إلى المغرب بدعم جزائري، بهدف قلب النظام في المغرب، وكانت محطة 1973 بارزة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى