ملف الأسبوع | هل يفوز اليمين الإسباني بالانتخابات.. وكيف سيكون موقفه من قضية الصحراء ؟
المغرب والمخاض الداخلي الإسباني..

لا يبدو أن المشهد السياسي واضح بين المغرب وإسبانيا الآن؛ فقد تم حل الحكومة في إسبانيا بصفة رسمية مع الدعوة إلى انتخابات تشريعية سابقة لأوانها، وبالموازاة مع ذلك، قام الملك الإسباني بزيارة إلى الثغرين المغربيين المحتلين، في استفزاز واضح وصريح للمملكة المغربية، ومن جهة أخرى، يبدو أن الانتخابات التشريعية الإسبانية قد تحمل معها رياح التغيير، حيث أظهرت استطلاعات الرأي إمكانية فوز الحزب الشعبي اليميني، المعروف تاريخيا بعدائه للمغرب، والذي عبر مؤخرا بصراحة أنه في حالة ما إذا فاز في الانتخابات، فإنه سيتراجع عن دعم إسبانيا لخطة الحكم الذاتي في الصحراء المغربية.. فهل المغرب مهيئ لهذا السيناريو؟ وكيف سيتعامل مع ما ستفرزه الانتخابات الإسبانية مستقبلا، أم أن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد حملة من اليمين الإسباني؟ ثم هل سيتكرر سيناريو 2012 عندما صعد اليمين إلى الحكم في إسبانيا ودعم المغرب في قضية الصحراء ؟
أعد الملف: سعد الحمري
فوز اليمين الإسباني في انتخابات نونبر 2011 جاء بعد صراع مع المغرب حول أحداث “إكديم إيزيك”
لا شك أن الأزمة بين المغرب وإسبانيا وصلت إلى درجة جعلت الملك محمد السادس يخصص لها حيزا من خطاب افتتاح الدورة البرلمانية الأخيرة، ولا ريب أيضا أن إسبانيا مقبلة على انتخابات تشريعية من الممكن أن تحمل الحزب الشعبي الإسباني المعروف بعدائه للمغرب مرة أخرى إلى السلطة، والحال أن ما يقع الآن من أزمة بين البلدين، سبقه سيناريو من الممكن أن يتكرر هذه المرة، وذلك بعد الانتخابات التشريعية الإسبانية ليوم 20 نونبر 2011 التي حملت الحزب الشعبي الإسباني مجددا إلى السلطة، وقبل هذه الانتخابات، كانت العلاقات بين المملكتين في فترة ذهبية، إلا أن الأزمات الاقتصادية التي ضربت إسبانيا ما بين سنة 2008 و2011، جعلت الحزب الاشتراكي، صديق المغرب، يخسر الانتخابات التشريعية، بل وكانت النتيجة أحسن من أكثر التوقعات تفاؤلا؛ فاليمين الإسباني حقق أفضل النتائج الانتخابية في تاريخية بحصوله على الأغلبية المطلقة في البرلمان الإسباني. نتائج الحزب الشعبي اليميني جعلته في وضعية مريحة في ظل ظرفية صعبة؛ فهو الذي خرج صاغرا من بوابة الإرهاب ثم عاد إليها مرفوع الهامة عبر بوابة الاقتصاد، وكان عليه أن يحضر الوصفة الاقتصادية الملائمة لإنقاذ جيش العاطلين من براثين البطالة وإنعاش الاقتصاد الإسباني.
تابعت الرباط بكثير من الحذر هذه التحولات الجارية في الجارة الشمالية للمملكة، وجاءت هذه النتائج الانتخابية لتأجيج التخوفات؛ فقبل عام واحد من الانتخابات الإسبانية، قام ماريانو راخوي بزيارة إلى مليلية في شتنبر 2010، وهو ما اعتبر إشارة غير ودية، وتلت ذلك تحركات الحزب التي أدت إلى قراره بفتح تحقيق دولي في أحداث مخيم “إكديم إيزيك” قرب مدينة العيون، وهو ما أزعج كثيرا المغرب ونتج عنه خروج مئات الآلاف من المغاربة في مسيرة بمدينة الدار البيضاء يوم 28 نونبر 2010 للتنديد بسياسة الحزب الشعبي ضد المغرب، وهي المسيرة التي قدر الإعلام الرسمي أعداد المشاركين فيها بثلاثة ملايين شخص، وتصدر الصفوف الأمامية للمسيرة الوزير الأول وقتها، عباس الفاسي، وعدة وزراء وزعماء سياسيين وقادة أحزاب من مختلف الانتماءات السياسية وممثلي مركزيات نقابية وفعاليات مدنية وحقوقية.
ورفعت خلال تلك المسيرة شعارات منددة بالحزب الشعبي الإسباني وزعيمه ماريانو راخوي، بسبب ما وصفه المشاركون بـ”الحملة المغرضة للحزب الشعبي ضد المغرب ووحدته الترابية”، ورفعت شعارات أخرى تقول صراحة إن الحزب الشعبي هو عدو المغرب، وهي سابقة في تاريخ العلاقات بين البلدين أن تنظم مسيرة شعبية ضد حزب سياسي إسباني، وجاءت بعد تحركات نواب الحزب الشعبي داخل البرلمان الأوروبي لاستصدار قرار يفتح تحقيقا دوليا حول أحداث “إكديم إيزيك”.
مواقف الحزب الشعبي عقب أحداث مخيم “إكديم إيزيك” والمسيرة الشعبية بالبيضاء، كلها كانت أحداثا طرية في ذاكرة البلدين ليلة الإعلان عن فوز ماريانو راخوي بالأغلبية المطلقة، وبقي الجميع ينتظر خطوات رئيس الحكومة الإسبانية الجديد والتغييرات التي سيحدثها في السياسة الخارجية لبلاده تجاه المغرب، خصوصا فيما يتعلق بمواقفه من قضية الصحراء.
بداية الحكومة اليمينية الإسبانية وتجنب سياسة عدوانية تجاه المغرب في قضية الصحراء
رغم التوتر المتوقع في العلاقات بين البلدين، إلا أن الزيارات المتبادلة انطلقت عجلتها في فبراير 2012.. يقر سعد الدين العثماني وزير الخارجية المغربي آنذاك، بأنه خلال أول لقاء جمعه بمانويل غارسيا ماراغايو، وزير الخارجية الإسباني، بمدريد في 3 فبراير 2012، لمس موقفا إيجابيا بخصوص قضية الصحراء قائلا: “ليس الوقت مناسبا للخوض في التفاصيل، لكنني تلقيت تطمينات بخصوص قضية الصحراء من وزير الخارجية الإسباني”.
أول اختبار للنوايا الإسبانية غير المعلنة إزاء قضية الصحراء كان ثلاثة أشهر بعد ذلك، عندما قرر المغرب سحب ثقته من كريستوفر روس، المبعوث الأممي المكلف بقضية الصحراء، في 17 ماي 2012، بسبب ما اعتبر جمودا في المفاوضات وتحيزا من المبعوث الأممي لطرف دون آخر، لكن في الساعات الموالية سيخرج الأمين العام الأممي، بان كي مون، لتجديد ثقته في روس، بينما أعلنت الجزائر وجبهة البوليساريو معارضتهما للرباط، وصادف ذلك زيارة مرتجلة لعبد الإله بن كيران إلى مدريد يوم 18 ماي، والذي استقبله الملك خوان كارلوس، ورئيس الحكومة ماريانو راخوي، الذي استمع إلى تفسيراته حول سحب الثقة من روس دون أن ينبس راخوي ببنت شفة في الموضوع، ووجب انتظار يوم 23 ماي ليخرج كاتب الدولة في الخارجية الإسبانية، غونزالو دي بنيتو، بتصريحات غامضة ومتناقضة؛ فقد اختار، بكلمات إسبانية انتقاها بعناية، الإيحاء بدعم مدريد للمبعوث الأممي، وهو الإيحاء الذي تجنبه خلال تصريحاته بالفرنسية للصحافة المغربية.
ستأتي الانتقادات لاحقا على لسان مانويل غارسيا ماراغايو، وزير الخارجية الإسباني، خلال زيارته للرباط عندما قال: “إنه من الأفضل أن يحرز روس تقدما في الملفات، ويركز على الأمور المهمة عوض تضييع الوقت في أمور ثانوية”، واضطر ماراغايو إلى التوضيح بمجلس الشيوخ الإسباني عند مناقشة الموضوع في 10 أكتوبر 2012، بعدما ارتفعت أصوات سياسية في إسبانيا تتهم الحكومة بدعم الموقف المغربي، نافيا وجود تحول في موقف حكومة مدريد تجاه ملف الصحراء، مؤكدا أن “الحكومة مع حل سياسي عادل ودائم ومقبول من المغرب والبوليساريو، يضمن مسبقا تقرير المصير في إطار مبادئ وقرارات الأمم المتحدة”، وأضاف رئيس دبلوماسية مدريد أنه “عكس كل ما يقال، فالحكومة الإسبانية تتبنى الموقف نفسه، سواء كانت في المغرب أو بالأمم المتحدة أو في الجزائر”، كما أورد غارسيا ماراغايو أن المباحثات مع المغرب، خلال اجتماع اللجنة العليا بين البلدين يوم 3 أكتوبر 2012، تطرقت أيضا لضرورة استئناف المفاوضات غير الرسمية التي تجمع المغاربة والبوليساريو للتوصل إلى حل، مضيفا أنه تم ذلك “دون تقديم أدنى تنازل أو دعم للموقف المغربي”.
لكن مع الوقت، سيظهر جليا أن هذه التطمينات لا تعني دعما للمغرب في خطة الحكم الذاتي بقدر ما تعني عدم القيام بمبادرات عدوانية ضده في هذا الملف في زمن البحث عن تحقيق شراكة استراتيجية معه ومع الجزائر؛ فمدريد تريد إمساك العصا من الوسط في هذا الملف، ويستشف من هذه التصريحات المتناقضة، أن قضية الصحراء وضعت الحكومة الإسبانية في موقف محرج؛ فهي من جهة تريد إرساء شراكة اقتصادية قوية مع المغرب تساهم في التخفيف من أزمتها، وهو الأمر الذي يتم عبر إعلان نواياها الطيبة بخصوص قضية الصحراء التي تعتبرها الرباط محورية في علاقتها بمدريد، ومن جهة أخرى، لا تريد تقديم تنازلات صريحة تضعها في موقف محرج مع الجزائر ومع والرأي العام الإسباني.
الدور المحوري لإسبانيا في قضية ملف حقوق الإنسان في الصحراء سنة 2013
كان ثاني امتحان للدبلوماسية الإسبانية إزاء قضية الصحراء، هو تقديم ممثلة الولايات المتحدة بالأمم المتحدة، سوزان رايس، لمقترح بتوسيع صلاحيات هيئة “المينورسو” بالصحراء لتشمل حقوق الإنسان أيضا، وذلك بعد تقديم الأمين العام الأممي لتقريره السنوي شهر أبريل 2013، وقبيل تصويت مجلس الأمن على توصية جديدة، وهو ما أثار زوبعة في المغرب، ودفع الرباط إلى الإعلان عن وقف مناوراتها العسكرية المشتركة مع أمريكا (الأسد الإفريقي)، وأمام هذا الموقف، أبدت مدريد نوعا من التريث، فلم تعلن دعمها للموقف الأمريكي لإدراكها بأن خطوة مماثلة ستؤدي إلى تفجير علاقاتها مع المغرب والتي أخذت اتجاها إيجابيا، ثم عبرت في اجتماعات مجموعة “أصدقاء الصحراء”، والتي قالت فيها صراحة إن المقترح الأمريكي غير ذي جدوى، وهي المجموعة التي تعد إسبانيا دولة نشيطة بها وتضم دولا دائمة العضوية في مجلس الأمن التي سيكون لها تأثير عند التصويت على القرار الأممي الجديد، وذلك علما أن إسبانيا هي التي طرحت مطلب مقترح مراقبة حقوق الإنسان في الصحراء منذ عام 2005 ليصبح عنصرا في نزاع الصحراء.
وقام المغرب أيضا بإرسال مبعوثيه، وهم المستشار الملكي الطيب الفاسي الفهري، ومدير المديرية العامة للدراسات والمستندات، ياسين المنصوري، ووزير الخارجية سعد الدين العثماني، إلى كل من لندن وبكين وموسكو، من أجل شرح وجهة النظر المغربية؛ هذا في الوقت الذي دافع فيه وزير الخارجية الإسباني غارسيا ماراغايو عن بدائل للمقترح الأمريكي بمنح سلطة مراقبة وضعية حقوق الإنسان إلى المفوضية العليا الأممية وليس إلى المفوضية الأممية لحقوق الإنسان، والواقع أن منظمات حقوقية أمريكية وغربية على رأسها مؤسسة كيندي الأمريكية، هي التي أوحت لممثلة واشنطن بالأمم المتحدة بمقترحها.
انتهى المقترح الأمريكي بسحبه من طرف سوزان رایس، نتيجة ضغوط فرنسية وإسبانية وعدم اقتناع بعض الأطراف الدولية به، لكنه كان أشبه بـ”جرة أذن” للمغرب حتى يقوم بشرح مواقفه أكثر للإدارة الأمريكية، وسيحسب الموقف الإسباني إزاء مقترح سوزان رایس باعتباره موقفا داعما للرباط، لكن مواقف مدريد لم تخل من التناقض، عبر تأكيد ماريانو راخوي ووزير خارجيته ماراغايو على مبدأ تقرير المصير في الصحراء في أكثر من مناسبة، في محاولة لتهدئة الرأي العام الإسباني والجزائر؛ فعندما زار الأمين العام الأممي بان كي مون إسبانيا بداية شهر أبريل 2014، وصف راخوي “تقرير المصير” بكونه “حلا عادلا ودائما” على حسابه بموقع “تويتر”، وهي الرسالة التي كانت موجهة لطمأنة منتقديه، لكنه جر عليه انتقادات مغربية، ولم يسبق له الخوض في تقييم مقترح الحكم الذاتي المغربي مثلما كان يفعل سابقه رودريغيز ثباتيرو.
وخلال المناقشات التي جرت خلال الاجتماع السنوي للجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 2013، سيعيد راخوي التأكيد على مبدأ تقرير المصير في خطابه أمام مندوبي الدول قائلا: “إن الصحراء تستمر ضمن الملفات المطروحة لدى الأمم المتحدة، إسبانيا تؤيد البحث عن حل عادل ودائم ومقبول من الطرفين وينص على حرية تقرير المصير للشعب الصحراوي في الصحراء في إطار قرارات ومبادئ الأمم المتحدة، ولهذا نؤيد المساعي التي يقوم بها الأمين العام للأمم المتحدة ومبعوثه الشخصي”.
ورغم أهمية الزيارة التي قام بها الملك الإسباني خوان كارلوس إلى المغرب شهر يوليوز 2014، بوفد هام ضم رجال أعمال ووزراء خارجية سابقين، والتي تم خلالها الحديث عن رفع العلاقات المغربية الإسبانية إلى مستوى العلاقات الاستراتيجية، إلا أن بيانا مشتركا صدر بمناسبة زيارة العمل الرسمية للعاهل الإسباني إلى المغرب من 15 إلى 18 يوليوز، سجل فيه الطرفان بارتياح كبير تكثيف الاتصالات بين مختلف مسؤولي البلدين والتشاور حول القضايا ذات الاهتمام المشترك، دون الإشارة إلى قضية الصحراء، فبإمساكها للعصا من الوسط تمكنت الحكومة اليمينية من تحقيق نوع من التوازن في علاقاتها مع المغرب والجزائر، فعوض اللعب على تناقضاتهما صارت هذه التناقضات هي التي تضعها في مواقف محرجة تضطر فيها إلى دعم طرف والمسارعة للإعلان عن عدم تغيير موقفها من الطرف الآخر، لكونها في حاجة إلى البلدين معا من أجل التخفيف من حدة أزمتها الاقتصادية، وهو ما يحدث لأول مرة في علاقة إسبانيا بالبلدين المغاربيين.
اليمين الإسباني وبداية دعم الحكم الذاتي
ولأول مرة أيضا سيخرج معهد التفكير المدريدي للدراسات الاستراتيجية، المقرب من الحزب الشعبي ودواليب القرار العسكري والأمني بإسبانيا، بتقرير استراتيجي شهر فبراير 2014، من أجل تحديث استراتيجية السياسة الخارجية الإسبانية، ينصح فيه الحكومة الإسبانية، عندما تنضج الظروف، بالدفاع عن الحكم الذاتي بشكل يرضي المغرب وجبهة البوليسارية، باعتباره الحل الأنسب لقضية الصحراء، وهو ما يخدم المصالح الاستراتيجية الإسبانية ويحسن تعاونها مع المنطقة المغاربية، بحكم أن خلق دولة من مئات الآلاف من السكان حاليا، سيزيد من المشكال الأمنية في المنطقة أخذا بعين الاعتبار التحولات التي تعيشها منطقة الساحل.
موقف الحكومة الإسبانية اليمينية إزاء قضية الصحراء، ظل عموما إيجابيا رغم كونه لم يتجه لصالح المغرب، لوجود مصالح حيوية مع الجزائر وعوائق الرأي العام الإسباني، لكن مدريد لم تقم بمبادرات عدائية شبيهة بتلك التي كان يقوم بها الحزب الشعبي أيام المعارضة، سواء داخل البرلمان الإسباني أو البرلمان الأوروبي، أو البرلمانات الجهوية أو المبادرات الحكومية العدائية، والشبيهة بمبادرات رئيس الحكومة الأسبق خوسي ماريا أثنار، وهو ما كشف رؤية جديدة لقيادة الحزب الشعبي داخل الحكومة، تفرضها المصالح المتشابكة مع المغرب والحاجة إليه في فترة الأزمة الظرفية التي يمكن أن تشكل فرصة أيضا للمغرب من أجل ربط مصالح إسبانيا به، وهي المصالح التي ستمنعها مستقبلا، مهما كان لون الحزب الحاكم، من القيام بمبادرات عدائية ضده وستسهل حل الملفات الخلافية، وتبقى دعوة “الأنتليجينسيا” اليمينية الإسبانية من خلال معهد التفكير للدراسات الاستراتيجية مؤشرا على التوجه الذي بدأ يتبلور لإيجاد حل سياسي لا غالب ولا مغلوب فيه.
فهل في حال فوز اليمين الإسباني بهذه الانتخابات، يمكن أن يتجه إلى سياسة أكثر عدائية مع المغرب، أم أن المصالح المشتركة تفرض عليه نهج سياسة كما فعل منذ سنة 2012 بخصوص قضية الصحراء المغربية ؟




