تحليلات أسبوعية

ملف الأسبوع | وثيقة تكشف تاريخ الوساطة المغربية بين أمريكا والفلسطينيين

ستظل القضية الفلسطينية حاضرة بقوة على الساحة السياسية، ويطلب من كل دولة عربية أن تلعب دورا في إنهاء هذا النزاع، ومن ذلك أنه منذ بداية العدوان الإسرائيلي مؤخرا على قطاع غزة والذي لا يزال مستمرا إلى اليوم، ولا نعلم متى سينتهي.. تعالت أصوات كثيرة تطالب المغرب بالتوسط من أجل وقف العدوان، فقد تدخل مغاربة إسرائيل وطالبوا بتدخل ملكي من أجل إنهاء الحرب، كما طالب السفير الفلسطيني بالمغرب بذلك أيضا، ويعود السبب في ذلك إلى أن للمملكة باع طويل في هذا الشأن، حيث لعب المغرب أدوارا سرية يعلمها الفلسطينيون أكثر من غيرهم، ومن ذلك ما سنعرضه في هذا الملف.

أعد الملف: سعد الحمري

تفاصيل توسط الحسن الثاني لعقد أول لقاء بين الفلسطينيين والأمريكيين

تتمة المقال بعد الإعلان

    على الرغم من تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية سنة 1964، إلا أنها لم تحظ بأي اهتمام أمريكي يذكر، بل إنه قبل حرب أكتوبر عام 1973، بين العرب وإسرائيل، اعتبرت الحكومة الأمريكية منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات، منظمة إرهابية، ونتيجة لذلك، لم تدعم الطموحات الفلسطينية في الأمم المتحدة من أجل إقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس، وإلى جانب ذلك، أمرت الخارجية الأمريكية جميع الدبلوماسيين الأمريكان، بعدم إجراء أي اتصالات مع ياسر عرفات أو أي ممثل من المنظمة ينوب عنه.

غير أن تلك النظرة بدأت تتغير تدريجيا بعد حرب 7 أكتوبر 1973، التي انتهت بهزيمة إسرائيل، ونهاية أسطورة الجيش الذي لا يقهر.. فقد أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية منفتحة على فكرة اللقاء مع قادة منظمة التحرير الفلسطينية، وقد كان المكان الذي ستنعقد فيه الاجتماعات مهما جدا، إلى جانب الشخص الذي من شأنه أن ينسق اللقاء، لأنه يحتاج مجهودا كبيرا، خاصة وأن ذلك كان بعد نهاية الحرب مباشرة، كما يجب أن يكون الوسيط يحظى بثقة كبيرة من الطرفين.

وفي هذا الإطار، تخبرنا وثيقة من أرشيف وزارة الخارجية الأمريكية، مؤرخة بيوم 4 نونبر 1973، وهي عبارة عن تقرير سري رفعه مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية إلى وزير خارجية بلاده، هنري كيسنجر، عن أول لقاء سري جمع بين المسؤولين الأمريكيين وقادة منظمة التحرير الفلسطينية، فقد جاء في الوثيقة، أن الاجتماع جرى يوم 3 نونبر من نفس السنة، بمدينة الرباط عاصمة المملكة المغربية، وبرعاية ملك المغرب الحسن الثاني، وذكرت الوثيقة أن اللقاء الأول من نوعه حصل بين مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، فيرنون والترز، وخالد الحسن، الرجل الثاني في منظمة التحرير الفلسطينية خلال تلك الفترة، الذي كان يرافقه قيادي آخر في المنظمة.

تتمة المقال بعد الإعلان

وفي ذات السياق، تخبرنا الوثيقة أن اللقاء جرى بمنزل بمدينة الرباط، غير أن ملكية المنزل لمن تعود، فهذا أمر لا زال لم يرفع عنه طابع السرية، ووضع عليه إطار أسود في الوثيقة، وبخصوص هذه النقطة، من المعلوم أن الملك الحسن الثاني كان يعقد لقاءات سرية بعيدا عن الأضواء في منازل وزرائه، وليس من المستبعد أن يكون اللقاء جرى في منزل أحد الوزراء أو أحد الأعيان.

كما ذكرت الوثيقة أن الملك الحسن الثاني أخبر مدير الاستخبارات المركزية الأمريكية، قبل اللقاء الذي حصل، عن طبع ومزاج المسؤولين الفلسطينيين.. فقد صرح الحسن الثاني للمسؤول الأمريكي بأن الرجلين يعانيان من عقدة النقص، وأن المسؤول الأمريكي لا ينبغي له أن يشعر بالإهانة من أي شيء يقولانه، وذكر المسؤول الأمريكي في تقريره، أنه أخذ بنصيحة الملك الحسن الثاني خلال اللقاء، وعمل على جعل مخاطبيه الفلسطينيين يشعران بالاسترخاء والراحة أكثر، وأكد أن النتيجة كانت أنهما لم يقولا شيئا فيه إهانة له ولأمريكا، وذكر المسؤول الأمريكي في نهاية اللقاء، أن خالد الحسن أخبره بما يلي: ((بصراحة، فاجأتنا الليلة، وهذا يقودني إلى الاعتقاد بأنه قد تم تحقيق قدر من العلاقة)).

ومما جاء في نفس الوثيقة أيضا، أن مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، عندما وصل إلى المنزل الذي كان معدا لعقد اللقاء، وجد الملك الحسن الثاني والمسؤولين الفلسطينيين بالمنزل، وقام ملك المغرب بوضع مقدمات للقاء، كما جامل النظراء من أجل تلطيف الأجواء، إلا أن الملك غادر المنزل قبل بدء اللقاء، من أجل أن يتحدث الطرفان بكل صراحة ووضوح، وذكر المسؤول الأمريكي في تقريره، أنه رغم مغادرة الملك اللقاء الذي دام مدة ساعتين ونصف كاملة، إلا أنه اتصل مرتين بالمسؤول الأمريكي ليسأله عن سير اللقاء، ومعنى اتصال الملك مرتين في ظرف ساعتين ونصف، حرصه الكبير على إنجاح اللقاء، إلى جانب شكه في عدم توافق الأطراف في الحوار أو حدوث تشنج.

تتمة المقال بعد الإعلان

أما نظرة الجانبين للمغرب والملك الحسن الثاني وموقعه في الصراع العربي الإسرائيلي، فيشير المسؤول الأمريكي – من خلال تقريره حول اللقاء – إلى أن خالد الحسن الرجل الثاني في منظمة التحرير الفلسطينية، سأله أن الرأي العام في المشرق العربي يتساءلون كثيرا عن سبب زيارة وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر إلى المغرب، وأضاف أنه يمكن للرأي العام العربي أن يفهم زيارة وزير الخارجية الأمريكي للقاهرة والرياض، لكن إلى المغرب، هل لأن الحسن الثاني صديق للفلسطينيين؟ أما الجواب الذي أعطاه المسؤول الأمريكي، فهو أن المغرب بلد رئيسي وأساسي، حيث يعتبر أول دولة عربية إفريقية تفهم الغرب بشكل جيد، وأكد المسؤول الأمريكي، أنه رغم مشاركة جنود مغاربة في القتال إلى جانب فلسطين في حرب أكتوبر، إلا أن أمريكا تكن له التقدير والاحترام، وختم المسؤول الأمريكي جوابه على هذا السؤال، بأن وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر هو من أرسله إلى المغرب من أجل عقد هذا اللقاء السري.

ومن جانبه، قال خالد الحسن خلال اللقاء: ((إن الملك الحسن الثاني هو أذكى زعيم في العالم العربي))، وأضاف: “.. ويا لها من مشاكل سخيفة يعاني منها من لا يفهمه))،) في إشارة إلى بعض الزعماء العرب.

وخلال ذات اللقاء، أخبر الجانب الأمريكي نظيره الفلسطيني بأنه سيرسل تقريرا حول تفاصيل اللقاء إلى وزير الخارجية الأمريكي، وإذا رأى كيسنجر ضرورة عقد لقاءات أخرى، فإنه سيوجه الطلب عن طريق الملك الحسن الثاني الذي أصبح يعتبر الوسيط الموثوق بين الطرفين، وتجدر الإشارة إلى أن الطرفين اتفقا على ضرورة الحفاظ على سرية اللقاء، وأي لقاءات قد تأتي بعده، وعدم تسريبه للإعلام.

تتمة المقال بعد الإعلان

أهم ما تمت مناقشته خلال اللقاء

    أما عن أهم ما تمت مناقشته في اللقاء، فقد قال خالد الحسن لمخاطبه الأمريكي: ((من الجيد أننا نجلس على طاولة واحدة نتناقش في كيفية حل المشكلة))، وأضاف أنه ((يمكن القول حتى الآن إن اللقاء قد تمخضت عنه خطوتان إيجابيتان: أولا، لقد التقينا، وثانيا، إننا نفهم كيفية التحدث مع بعضنا البعض))، وخلال كلمة مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، فقد أكد أن الشعب الفلسطيني شعب شجاع وله تاريخ أطول بعشرين مرة من تاريخ أمريكا، وصرح المسؤول الأمريكي بأنه لا يمكن لأي طرف أن يحصل على كل ما يريده، ويجب على جميع الأطراف أن تكون مستعدة لفهم مخاوف الآخرين، وأضاف أنه على الرغم من أن كل ما قد يقف بين الطرفين في الماضي، فإنه يجب البحث عن صيغ تضمن العيش جميعا على الكوكب الأزرق الصغير الذي هو البيت المشترك للجميع.

تتمة المقال بعد الإعلان

ومما جاء أيضا في اللقاء، أن المناضلين الفلسطينيين، وخاصة خالد الحسن، أعرب عن التزام منظمتهم القوي بالديمقراطية، ورغبتها في عدم فرض إيديولوجيات غريبة أخرى عليهم، وكان يشير بوضوح إلى الشيوعية، كما أشار خالد الحسن إلى أنه بعد حرب 1967، كانت هناك اتصالات معهم من جميع البلدان تقريبا، وذكر على وجه التحديد الجنرال دوغول ورئيس الوزراء الإيطالي، والبرلمانيين البريطانيين، والسوفيات، وقال أن الولايات المتحدة وحدها لم تكن على اتصال مباشر معهم، وأوضح نفس المتحدث الفلسطيني، أنه بعد حرب 1956، دفعتهم الأحداث نحو الكتلة السوفياتية، وأصبحت كل المواقف الأمريكية معادية لهم منذ ذلك الحين.

وقال عضو منظمة الوحدة الفلسطينية خلال ذات اللقاء، أنه أدرك أن هدف منظمة التحرير الفلسطينية المتمثل في إقامة دولة فلسطينية ديمقراطية يعيش فيها اليهود والعرب والمسيحيون في وئام، ليس عمليا الآن، على الرغم من أنه يمكن تحقيقه بحلول نهاية القرن، وفي انتظار ذلك، أكد أنه يجب القيام بشيء ما على المدى القصير لإرضاء الفلسطينيين، وأضاف أن الأشهر المقبلة ستكون حرجة، وتساءل هل سيتم دفعهم إلى الكتلة السوفياتية؟ ويقدم السوفيات العديد من المنح الدراسية والتدريب الفني، لكنهم لا يستطيعون منح الفلسطينيين أرضا لأنهم ليسوا في المنطقة، وأضاف بأن الولايات المتحدة تستطيع ذلك، لأنها موجودة في المنطقة ولها مصالح هناك، ويقصد بالأرض مكانا يمكن أن يعيش فيه ثلاثة ملايين فلسطيني، في إشارة إلى أن غزة والضفة الغربية لا يكفيان حتى للسكان الذين يعيشون هناك.

ومن الأشياء التي أثارت اهتمام مدير وكالة الاستخبارات الأمريكية، أنه لاحظ أن خالد الحسن يعترف بوضوح بكيان دولة إسرائيلية، وقال إن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الحقيقي للأغلبية الساحقة من الشعب الفلسطيني، وقال إنه حتى وقت قريب لم تتمكن الشيوعية من تحقيق سوى القليل من التقدم في صفوف الفلسطينيين، لأن الاتحاد السوفياتي كان يفضل التقسيم سنة 1947، وأضاف أن الشيوعيين يكتسبون نفوذهم من خلال توفير الدعم بالسلاح والتعليم بالإضافة إلى الدعم السياسي.

وحسب خالد الحسن من خلال الوثيقة الأمريكية، فإنه سمع أن وزيرا في الحكومة الأمريكية قال إن الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي قد توصلا إلى اتفاق بشأن ما يجب القيام به في الشرق الأوسط، وقال إن السوفيات عرضوا على منظمة التحرير الفلسطينية أشياء كثيرة، وهذا دفعه إلى الاعتقاد بأن شيئا ما كان يحدث.

لقاء بين الملك الحسن الثاني والمسؤول الأمريكي بعد يوم من اللقاء مع الزعماء الفلسطينيين

    وهكذا انتهى هذا اللقاء، الأول من نوعه فوق أرض المغرب، وبعد نهاية اللقاء مباشرة، طلب الملك الحسن الثاني من المسؤول الأمريكي رؤيته في اليوم الموالي، وبالفعل، التقى الطرفان في مكتب الملك الحسن الثاني على انفراد، على الساعة 11 مساء، ودام اللقاء مدة ساعة و15 دقيقة، كان عبارة عن مناقشة فلسفية عامة حول الصراع العربي الإسرائيلي، ويوم 6 نونبر، أرسل مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية تليغراما إلى وزير خارجية بلاده، أخبره عن تفاصيل ما دار في اللقاء، وقد أكد له أن هناك ثلاث فئات من القادة العرب: أولا، أولئك الذين يريدون السلام ولديهم الشجاعة لقول ذلك، ومن بينهم المغرب وتونس والأردن ومصر وسوريا. ثانيا، أولئك الذين أرادوا السلام ولكن لم يكن بوسعهم سوى اتباع الآخرين، ويتعلق الأمر بكل من المملكة العربية السعودية والكويت والجزائر، وثالثا، أولئك الذين يعتبر السلام بالنسبة لهم مشكلة صعبة، لأسباب داخلية، وهم العراق وإسرائيل.

وبخصوص الفلسطينيين، فقد جاء في التقرير، أن الملك الحسن الثاني صرح بأنهم على سطح السفينة، وأن القضية الفلسطينية كانت منشطة للعرب، ولن يجرؤ أحد على فعل أي شيء ضد الفلسطينيين، وأضاف المسؤول الأمريكي ضمن تقريره، أن الملك يعتقد أن الفلسطينيين مهتمون بالاتصال بالولايات المتحدة، وأنه إذا تمكنت الولايات المتحدة من كسب ثقة الفلسطينيين، فلن تفشل أي دولة عربية في أن تحذو حذوها.

كما رأى الملك الحسن الثاني، أن مصر وسوريا تقاومان النفوذ السوفياتي بقوة، وقال: إن السوريين صمدوا لمدة عامين أمام الضغوط السوفياتية للتوقيع على “معاهدة صداقة”، وكانت مشكلة الولايات المتحدة الأمريكية تتمثل في تعويض الوقت الضائع وتقديم بعض الأدلة على حسن النية الأمريكية، وكانت الفجوة بين الولايات المتحدة وهذه الدول واسعة، لكنها كانت “فجوة عاطفية”، وليست “فجوة إيديولوجية”.

وبخصوص إمكانية التفاوض مع الجانب الإسرائيلي.. فقد كان حكم الملك أن المشكلة ستحل مع إسرائيل عندما يكون لها قادة ينتمون إلى الجيل الجديد، وصرح بأن الجيل الجديد من كلا الجانبين يستطيع التحدث مع بعضهم البعض، وذكر المسؤول الأمريكي ضمن تقريره، أنه قال للحسن الثاني أن أمريكا تحتاج إلى شهر تقريبا لتنظيم استراتيجيتها في الولايات المتحدة وتهيئة أوضاعها الداخلية، وأضاف أنها قالت للملك: ((كنا بحاجة إلى استراتيجية أولا قبل التوصل إلى أي خطة محددة، ثم سنتحرك بشكل حاسم.. كنت آمل أن نتمكن من بدء عملية التفاوض في شهر دجنبر، وأن نبدأ في إحراز تقدم في شهر يناير من العام المقبل)).

وأضاف نفس المسؤول، أنه قال للملك: ((.. وفي هذه الأثناء، كنا بحاجة من العرب إلى بعض الصبر، وبعض الاستعداد حتى لا يجعلونا نضيع طاقاتنا في صراعات ملحمية على تفاهات، كما أشرت إلى أن مقاطعة النفط عملت ضد المصالح العربية لأنها ستثير الرأي العام في أمريكا ضد العرب))، ومن جانبه، قال الملك الحسن الثاني إنه ((سيستخدم نفوذه في هذا الاتجاه)).

انتهى هذا اللقاء وبدأت عملية السلام التي لعب فيها المغرب دورا بارزا خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، غير أن السلام ما زال معلقا إلى اليوم، بسبب الخطط الإسرائيلية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى