تحليل إخباري

تحليل إخباري | زلزال الحوز.. مداولة علمية قبل الحكم

الوجه الآخر للفاجعة بعيون المختصين

هل سيضرب الزلزال من جديد؟ هل نعود للبيوت أم لا؟ ماذا لو كانت الحركة المرعبة للبنايات مجرد مقدمة لكارثة طبيعية أكبر؟ هل ضرب الزلزال في هذه المنطقة دون غيرها، أم أنها حالة عامة؟.. هذه بعض الأسئلة التي ظل يرددها بعض المواطنين الذين خرجوا للشارع هلعين ليلة الجمعة المنصرمة، بعد دقائق من الهزة الزلزالية التي ضربت ارتداداتها كافة أرجاء التراب الوطني (الساعة 11 و11 دقيقة).. فقد كانت بضع دقائق كافية ليخرج آلاف المواطنين إلى الساحات الغير مأهولة كسلوك تلقائي للنجاة بأنفسهم، لكن هل كان هذا التصرف صحيحا ؟

إعداد: سعيد الريحاني

    بغض النظر عن الضحايا الذين وجدو أنفسهم وسط البؤرة، حيث تبقى النجاة معلقة على الأقدار، فإن أكبر غلط ارتكبه المواطنون الذين قضوا ليلة الجمعة الماضية في العراء بعدة مدن، هو مغادرتهم لمنازلهم دون وثائق هوية ودون مستلزمات للنجاة.. ماذا لو كان هنالك طقس بارد أو ثلوج في بعض الحالات؟ ألن يكون الهرب من الارتدادات مقدمة للتوجه نحو موت حتمي نتيجة البرد القارس؟ ماذا لو نتجت عن الهلع موجات من التدافع قد تكون كفيلة بسقوط ضحايا لم يكونوا في الحسبان؟ أين هي مستلزمات البقاء؟ فلو طالت المدة – لا قدر الله – ماذا كان سيأكل الأطفال وماذا سيشربون؟ وأي غطاء يمكن أن يوفر الدفء للمتضررين في انتظار وصول المساعدات؟

داخل قاعة منفصة، تجلس نادية المحمدي بكل هدوء خلف مكتبها في المعهد العلمي التابع لجامعة محمد الخامس بالرباط، حيث تسجل صورة والدها حضورا لافتا باعتباره إطارا وطنيا كبيرا متخصصا في تدبير السدود(..)، وبصفتها رئيسة شعبة فيزياء الكرة الأرضية، ومديرة مختبر الجيوفيزياء والمخاطر الطبيعية، فقد أكدت أنها عرفت بحكم عملها أن الهزة التي وقعت في منزلها القريب من البحر، كانت مجرد هزة ارتدادية، بعد دقائق من وقوعها، فـ((عندما لا يتعلق الأمر بالبؤرة، ليس من الضروري البقاء خارج البيوت، بل يمكن العودة إليها ما عدا إذا تعرض البناء لأضرار، ولكن إذا كنت في البؤرة لا يجب أن تعود إلى المنزل لأن العودة تكون محفوفة بالمخاطر)).

هكذا يتم التعامل مع الزلزال بالنسبة للمحمدي، التي أكدت أن الهواتف لم تتوقف طيلة الليل بين أساتذة المعهد العلمي التابع لجامعة محمد الخامس، وقد بدأ الاتصال مع الأستاذ المكلف، والتواصل مع المراصد المختصة، وعددها 5 موزعة على خمسة مناطق بالمغرب، بين الشمال والجنوب(..)، ولا يقف مصدر المعلومات عند التواصل الداخلي، فـ((عندما يكون هنالك زلزال تفوق درجته 7 درجات، فإنه يسجل في مختلف مراصد العالم، نظرا لقوته الكبيرة، حيث بدأنا نتوصل وقتها بمعلومات من المراصد التي تربطنا معها شراكات))، تقول نادية قبل أن تضيف بأن ((الخبرة المغربية مكنت من تحديد بؤرة الزلزال في نفس الليلة من طرف المدرسة الوطنية للجيوفيزياء، كما تم تحديد درجة الزلزال)).

نادية المحمدي

بعض المواطنين على مواقع التواصل الاجتماعي، وجهوا أصابع الاتهام إلى المختصين، معتبرين أن هناك تأخيرا في عملية التواصل، لكن المحمدي تؤكد أن معطيات الزلزال تكتسي خطورة كبيرة ولها علاقة مباشرة مع المواطنين، ولا يمكن التسرع في الحكم.. أما بعض التعليقات، فقد تراوحت بين لوم المختصين على عدم توقع زلزال، وتوقع حصول هزات ارتدادية جديدة، لكن الأستاذة تؤكد أنه ((لا يمكن لأي أحد أن يتنبأ بوقوع الزلزال))، وربطت إمكانية التوقع بحالات نادرة، ((حيث يلجأ المواطنون في بعض البلدان إلى الاستعانة بمراقبين ميدانيين، يحرصون على مراقبة الحيوانات مثلا، لأن هذه الأخيرة تستشعر الزلزال قبل حدوثه، ويتغير سلوكها..))، و((هناك بعض المؤشرات الأخرى في بعض الحالات، مثل اختفاء منبع مائي (عين) أو ظهور منبع مائي جديد، فهذا قد يعني وجود نشاط زلزالي)).

علميا ((يعتبر المغرب من بين الدول التي تقع ضمن نطاق الهزات الزلزالية المتوسطة، وهذه أول مرة ننتقل إلى هذه الدرجة المرتفعة (منذ 120 سنة)، وهي نسبة لم يتوقعها أحد.. فقد كنا دائما نتوقع الزلزال في الريف (التقاء الصفائح الأوروبية والإفريقية)، أو يمكن توقع الخطر من النشاط البركاني في جبل قرب جزر الكناري، حيث يمكن أن يتسبب في تسونامي وزلزال أيضا)).. هكذا تتحدث ضيفة “الأسبوع” قبل أن تؤكد بأن ((درجة الزلزال المعلنة والمحددة في ما يناهز 7 درجات على سلم ريشتر، آيلة للتدقيق من جديد بطريقة علمية.. فمرور الوقت سيمكن من إنجاز عمل حقيقي بعد تجميع المعطيات لتحديد الدرجة النهائية)).

كل زلزال يحتاج إلى تفسيرات وأجوبة من عين المكان، حيث بادر المعهد العلمي، وهو واحد من أيقونات البحث في العاصمة الرباط بحكم عراقة تأسيسه، لذلك كان من الطبيعي أن يبادر إلى إرسال فريق علمي إلى عين المكان، ((.. فعندما يقع الزلزال، تظهر بعض الشواهد على الأرض، منها انزلاق التربة، والشقوق.. هذه الأمور ينبغي معاينتها بسرعة، لأن تدخل العامل البشري قد يؤدي لاختفاء هذه الشواهد))، تقول المحمدي، قبل أن تضيف بأن ((الفرق العلمية تعمل على نشر آلات بإمكانها تسجيل الارتدادات البعدية، وهي أدوات مكلفة جدا))..

إلى هنا يبقى السؤال مطروحا: هل يمكن للزلزال أن يعود مجددا؟ ولكن ليست هذه هي المشكلة، تقول المحمدي: ((في بلد مثل اليابان، يعيشون عدة هزات أرضية يوميا، ولكن ما يلعب لصالحهم هو درجة وعي المواطنين، الذين يسمعون صافرة الإنذار، ولكنهم لا يتسابقون ولا يتدافعون نحو الخارج.. لديهم ثقافة للتعايش مع الزلازل، ولديهم خططا للإجلاء يعرفها حتى الأطفال الصغار، فالمشكل ليس هو الزلزال دائما، فبالرجوع لما وقع سنة 1755، حيث وصل زلزال لشبونة إلى المغرب في شكل تسونامي، فقد لقي عدد كبير من المواطنين حتفهم، ليس بسبب التسونامي فحسب، ولكن بسبب التدافع وأمور أخرى.. وهنا لابد أن أؤكد أن الارتباك يمكن أن تكون له نتائج أخطر من الكارثة الطبيعية نفسها في بعض الحالات)).

ما هو الحل إذن؟ الجواب على لسان نفس الخبيرة، التي تؤكد أن ((الوقت حان لتكون للمغاربة ثقافة للتعامل مع الكوارث الطبيعية، حيث ينبغي الشروع في توعية المواطنين بها انطلاقا من الأقسام الابتدائية على سبيل المثال)).. هذا الكلام النابع من القلق حول المستقبل، يجد سنده في أرض الواقع، فحصول زلزال أو تسونامي يمكن أن يؤدي إلى “كوارث تابعة”.. ماذا لو تسبب انهيار مصانع بنيت قرب البحر في تسرب مواد خطيرة للبيئة؟ ماذا لو تسبب زلزال في تحطم مصنع متخصص في مواد مشعة؟ ألن تكون الكارثة مضاعفة؟ ماذا لو أن جل المصانع والإدارات الحساسة ومحركات الاقتصاد الوطني بنيت في منطقة معرضة للكوارث الطبيعية؟ ألا يعني زلزال في هذه الحالة نهاية الاقتصاد الوطني؟

في ظل الكارثة، يمكن طرح عدة أسئلة، لكن المحمدي تكتفي بالقول: ((إن الوقت قد حان لكي تراعي تصاميم التهيئة معطيات الكوارث الطبيعية، لكن القصد قد يكون مفهوما للبعض.. أين سيذهب المنكوبون في حالة وقوع كوارث طبيعية، أين الملاجئ؟ ولنفترض أن البلاد عاجزة عن توفير ملاجئ، لماذا لا تقوم الحكومة بإعداد بنايات يمكن أن تلعب دورا مزدوجا في حالة الكارثة مثل تطبيق معايير بناء الملاجئ على قاعات المساجد والمدارس أو محطات، أو قاعات رياضية.. حتى يمكن استعمالها في حالة الحاجة؟)).

في هاته المداولة التي تسبق الحكم النهائي على زلزال الحوز، وإحصاء الخسائر، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، يمكن التساؤل: هل يتعين علينا دائما انتظار وقوع كارثة لنتحرك؟ أين الملاجئ؟ أين وسائل الإسعاف؟ أين البحث العلمي؟ وما هي الإمكانيات المرصودة للمتخصصين؟ هل يعقل أن نطلب النتائج من الفرق العلمية دون تمكينهم من وسائل العمل؟ أين هي وسائل الإسعاف المتطورة (طائرات الدرون مثلا..)؟ لقد حان الوقت لتكون للمغاربة ثقافة للتعامل مع الكوارث الطبيعية وتوقعها، وأول المسؤولين هم المسؤولون الذين يوجدون في مناصب المسؤولية لأخذ العبرة مما حصل(..).

يبقى السؤال الأخير مطروحا: هل نطمئن لتقديم المساعدات إلى حدود الآن؟ تقول ضيفة “الأسبوع” نادية المحمدي: ((مازال الخطر قائما وكل شيء في يد الله، ومازالت الحجارة تتساقط، ومازالت المهمة محفوفة بالمخاطر، حيث أن الارتدادات تتكرر لما يزيد عن 40 يوما، وينبغي أن يأخذ المسعفون حذرهم، وهناك خطر انتشار الأوبئة، لأن بعض الجثث لم يتم انتشالها وينبغي الانتباه للمياه المخصصة للشرب)).. كل ذلك لتفادي تداعيات الكارثة، وبه وجب الإعلام.

النشرة الإخبارية

اشترك الآن للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى