تحليلات أسبوعية

تحليل إخباري | هل يتزعم لفتيت حملة تطهيرية على غرار إدريس البصري ؟

محاربة الفساد بين الأمس واليوم

إعداد: سعيد الريحاني

    لم يكن اعتقال إمبراطور الفقيه بن صالح، الوزير السابق دون النشاط الوطني والدولي(..)، ليمر دون إثارة التساؤل حول إمكانية إطلاق حملة تطهيرية في صفوف المنتخبين ومن معهم من المقاولين وغيرهم(..)، غير أنه في ظل غياب “إرادة سياسية” و”شعبية” واضحة لمحاربة الفساد، تتسرب “الريبة” إلى دوافع هذا النوع من الاعتقالات(..)، غير أن الواقع يؤكد أننا أمام حملة تطهيرية جديدة، وفي هذا الصدد يكفي قراءة الأخبار التالية التي صدرت متتابعة في ظرف وجيز:

– أولا: اعتقال محمد مبديع بتهم “تبديد أموال عمومية واستغلال النفوذ والارتشاء والتزوير في وثائق عرفية وتجارية ورسمية” بناء على قرار لقاضي التحقيق بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء، وحسب مصادر مطلعة، فإن النيابة العامة بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء تابعت في هذه القضية 13 شخصا ضمنهم مهندسون وموظفون ومقاولون ومسؤولون بمكاتب دراسات، إلى جانب المتهم الرئيسي محمد مبديع، قبل أن تلتمس المتابعة في حالة اعتقال لثمانية أشخاص، وهو ما أكده قاضي التحقيق، إذ أمر باعتقال الثمانية ومتابعة الباقين في حالة سراح.. وشملت عملية التحقيق مع المتهم مبديع ومن معه بالأساس، عملية تدبير مجموعة من الصفقات العمومية بالفقيه بن صالح من سنة 2005 إلى اليوم، ضمنها صفقات تهيئة المجال الحضري التي صرفت عليها ملايين الدراهم، وصفقات استفاد منها مسؤولو مكاتب دراسات، ومن بين القضايا التي أثيرت خلال مرحلة التحقيق، يضيف مصدرنا، قضية استفادة مبديع من سيارة يصل مبلغها 160 مليون سنتيم. (المصدر: موقع هسبريس).

تتمة المقال تحت الإعلان

– ثانيا: بالتزامن مع تقديم شكاية بتبديد المال العام ضد إمبراطور بوزنيقة(..)، وبعد مباشرة عامل إقليم بن سليمان مسطرة العزل في حق رئيس المجلس الجماعي لمدينة بوزنيقة في وقت سابق.. “قضت المحكمة الإدارية بالدار البيضاء، يوم الأربعاء، بعزل محمد كريمين (حزب الاستقلال) من منصبه كرئيس، وحكمت المحكمة بعزل كريمين من عضوية ومنصب رئيس الجماعة مع ما يترتب عن ذلك الحكم من أثار قانونية مع النفاذ المعجل، ويأتي ذلك بناء على الطلب الذي تقدم به عامل إقليم بن سليمان، وتوصلت مصالح وزارة الداخلية بشكاية تكشف عن اختلالات شابت صفقة ملف عقد التدبير المفوض بقطاع النظافة المفوض لها في المدينة، من بينها اتهامات بتزوير الميزانية، ويعطي القانون المنظم للجماعات 113.14 لعامل العمالة أو الإقليم أو من ينوب عنه، صلاحيات مراسلة رئيس المجلس الجماعي قصد الإدلاء بإيضاحات كتابية داخل أجل لا يتعدى 10 أيام، إذا ارتكب أفعالا مخلة بالقوانين والأنظمة الجاري بها العمل، ويجوز للعامل، بعد التوصل بالإيضاحات الكتابية، أو عند عدم الإدلاء بها في الأجل المحدد، إحالة الأمر إلى المحكمة الإدارية، وذلك لطلب عزل الرئيس من عضوية المجلس، ويترتب عن إحالة الأمر إلى المحكمة الإدارية، توقيف المعني بالأمر عن ممارسة مهامه إلى حين البت في طلب العزل” (المصدر: موقع العمق المغربي).

– ثالثا: أياما فقط بعد وفاة زعيم العائلة عبد الواحد الراضي، ورغم أن عائلة الراضي تشكل لوحدها إمبراطورية في جهة الغرب، خاصة فيما يتعلق بإدريس الراضي، “أصدرت المحكمة الإدارية بالرباط حكما قطعيا، اليوم الإثنين، يقضي بعزل رئيس المجلس الجماعي لسيدي سليمان، ياسين الراضي.. ويشغل الراضي، إلى جانب رئاسة الجماعة الترابية لسيدي سليمان، منصب نائب برلماني بالغرفة الأولى للولاية الثالثة على التوالي، كما شغل في وقت سابق منصب رئيس المجلس الإقليمي. ويأتي تحريك مسطرة العزل في حق رئيس المجلس الجماعي لسيدي سليمان، بسبب خروقات واختلالات ضبطتها المفتشية العامة للإدارة الترابية خلال عملية افتحاص للجماعة” (المصدر: موقع اليوم 24).

عبد الوافي لفتيت وزير الداخلية إلى جانب عبد اللطيف الحموشي خلال احتفالات فاس بذكرى تأسيس الأمن الوطني

هذه الأخبار – على سبيل المثال – والمتداولة على مئات المواقع، لم يكن بالإمكان قراءتها قبل اعتقال مبديع بهذا الوقع الأخير، ما يرجح إمكانية إطلاق حملة تطهيرية جديدة على غرار حملة 1996، خاصة وأن مؤشرات الحملة الجديدة كانت قد ظهرت مع زلزال فاس، عندما تم اعتقال قطب حزب الأحرار، الذي مهد الطريق لعزيز أخنوش بالمدينة(..)، وما أشبه “الحملة الجديدة” بالحملة التطهيرية ليوم أمس، حيث تتواصل البلاغات الصادرة عن وزارة الداخلية في زمن عبد الوافي لفتيت.. وكلها بلاغات إما أنها تشكل مقدمة للعزل أو السجن، تماما كما حصل في عهد وزير الداخلية الراحل إدريس البصري.. ((ففي شهر رمضان من سنة 1996، شن إدريس البصري، وزير الداخلية الأسبق، حملة تطهيرية ضد بعض رجال الأعمال المتورطين في ملفات شائكة تجمع بين تهريب الأموال إلى الخارج وتجارة المخدرات.. والقضية طرحت في شهر شعبان على أنظار المجلس الوزاري الذي عقد في أوائل شهر دجنبر، وفيه رفض عبد اللطيف الفيلالي تولي العملية، ما اضطر الحسن الثاني إلى تكليف البصري بها، حيث انطلقت أولى المداهمات والاعتقالات في حق بعض المهربين، خلال شهر فضيل قضاه المتهمون أمام المحققين ليعيشوا أصعب أيام عمرهم.. وقتها قال الراحل الحسن الثاني في اجتماع صاخب لوزرائه ومستشاريه: “أجمعكم اليوم لمناقشة موضوع مهم، وإذا استمررنا بهذا الشكل، فالأمور تسير إلى الأسوأ، وسأضع المفتاح فوق الباب”، ويقصد أن الأمور بدأت تنفلت ولا بد من تقويم الوضعية، وأضاف أن العملية من اختصاص الوزير الأول عبد اللطيف الفيلالي، الذي أبدى تراجعا مبررا بوضعه الصحي الذي لا يسمح له بفتح ملف من هذا الحجم، سيجر عليه نقمة الصحافة.. فعم الصمت فضاء الاجتماع وظل صوت الحسن الثاني يملأ المكان وهو يلوح بقلم في يديه كالسيف، وقال إنه سيتحمل المسؤولية وسيكلف وزير الداخلية بهذا الملف، وبرر الأمر بقوله: “سي إدريس سيتكلف بالإعداد التقني للعملية، لأنه يوجد على رأس قطاع محوري ويتدخل في الاقتصاد عبر المصالح الاقتصادية للولايات والعمالات، ولديه سلطة التدخل في قطاعات أخرى، من بينها الجمارك، وسيكون إلى جانبه في اللجنة من طلبا هذا الأمر، قبل سنتين، وهما إدريس جطو ومحمد القباج”)) (المصدر: الأخبار/ 25 أبريل 2021).

تتمة المقال تحت الإعلان

مشروع محاربة الفساد في المغرب ليس جديدا.. ((فلن ينسى المغاربة، مثلا، محاكمة ما عرف بـ”ملف الوزراء المرتشين”، ولم يكن الرأي العام يتوقع أن تتحول حكومة الإمبراطور المالي، أحمد العراقي، إلى “حكومة منحوسة”، تضم “عصابة من الوزراء المرتشين”، ولم يكن أحد يتوقع أن توجه تهمة الفساد إلى المجموعة المقربة من الوزير الأول آنذاك، وهم الذين جاؤوا في بلاغ الإدارة العامة للأمن الوطني خلال شهر مارس 1971، حيث أعلن عن بداية البحث في قضايا الرشوة واستغلال النفوذ مع كل من وزير المالية المامون الطاهري سابقا، وعبد الكريم الأزرق وزير المالية لاحقا، ومحمد الجعايدي وزير التجارة والصناعة، وعبد الحميد كريم وزير السياحة، ومحمد العيماني وزير الأشغال العمومية، وسيناصر بلعربي مدير مكتب الأبحاث والمساهمات المعدنية، وعبد العزيز بن شقرون مدير المعادن، وإدريس بلبشير مدير مكتب الأبحاث، ويحيى الشفشاوني مدير الأبحاث المعدنية، ورجال الأعمال: محمد البلغمي، ودافيد عمار، وهنري أوحنا، وبيرنار ليفي..)) (المصدر: أرشيف جريدة “الأسبوع”).

من التاريخ أيضا تنبعث رائحة الحملة التطهيرية لسنة 1996، لكن القاسم المشترك هو أن هذه الحملات كانت تسقط تحت شعار “عفا الله عما سلف”، بسبب التعقيدات التي تتبعها وخطورتها على الاقتصاد الوطني، وقد شهد الشاهد الراحل، زعيم المقاولين المغاربة عبد الرحيم الحجوجي، عن مشكل الحملة التطهيرية في عهد وزير الداخلية إدريس البصري على سبيل المثال، وهي الحملة التي انحرفت عن أهدافها، حسب عدة شهادات، اعتبرت أنها كانت فرصة لتصفية الحسابات(..)، وقد قال الراحل عبد الرحيم الحجوجي عن الحملة التطهيرية التي قادها البصري بأنها ((كانت ذات أهداف سياسية، حيث كان الملك مضطرا إلى فرض سياسة تخليقية من أجل إعطاء صورة أخرى للخارج، لكن مع الأسف، تحولت هذه السياسة التخليقية إلى سياسة تهديدية، وتحولت وزارة العدل إلى قسم في وزارة الداخلية، وكانت تنفذ الأوامر التي صدرت بحبس المقاولين(..))).

إن ((سبب فشل “حملة محاربة الفساد” من طرف وزارة الداخلية، تم غرسه في جسد الحملة بعد أن شرع ممثلو وزارة الداخلية، القياد والعمال، في إعداد لوائح لرجال الأعمال المهددين بالسجن، فلم يقتصر دور وزير الداخلية على الأمر بحبس المقاولين، بل إنه تجرأ (البصري) في أحد الأيام ليقول إنه يتوفر على لوائح تضم 3 آلاف مقاول كلهم مرشحون للسجن، في اجتماع كبير بالدار البيضاء، بالمقابل، كان عمال الأقاليم يتقاضون مبالغ مالية تتراوح بين 30 مليونا و70 مليونا للتستر على رجال الأعمال المشبوهين(..)، وبالموازاة مع ذلك، كانت الحملة قد جرفت في طريقها عددا كبيرا من أصحاب المخازن والمتاجر، بل إن التشويق سيبلغ ذروته مع اعتقال مسؤولين كبار من بينهم المدير العام للجمارك والمدير الذي سبقه)) (الأسبوع/ عدد 18 يوليوز 2013).

تتمة المقال تحت الإعلان

الحملات التطهيرية هي درس للتاريخ، وما قام به البصري بالأمس قد يقوم به وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت اليوم، لكن ما الذي يضمن نجاح هذا الورش، عندما تكون ردة الفعل هي تهديد النسيج الاجتماعي والاستقرار المالي، لذلك يبقى الحذر مطلوبا عند كل حملة تطهيرية في مكان قد يكون فيه الفساد بنيويا في كثير من الحالات(..).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى