تحليل إخباري

تحليل إخباري | الحيطة والحذر سلاح المغرب في الحرب السودانية

تخريب الدول باستعمال أسلوب "تقرير المصير"

إعداد: سعيد الريحاني

 

    الكثير منا سمع قصة انفصال جنوب السودان، وكثير من المتتبعين طووا الصفحة، فغابت المشاهد وحجبت الصورة من هناك، لكن مع عودة الحرب إلى السودان، يمكن التساؤل عن المشهد هناك.

((بوسع مشهد بسيط لآلاف اللاجئين من دولة جنوب السودان، وهم يترجلون لمسافات طويلة قاصدين اللجوء إلى السودان، أو لبعضهم وهم يحتفلون في الملجأ الاختياري لهم في ولاية شرق دارفور بلحظة توقيع أطراف الصراع في دولة جنوب السودان على “اتفاقية السلام” في الخرطوم في الخامس من غشت الماضي، طمعا في سيادة الهدوء وعودتهم إلى بلادهم، أن يختزل القصة الحزينة كلها.. مواطنون لدولة ينتمون لإقليم فيها يطالبون بنسبة تفوق 90 % بالانفصال عنها، فيحصل لهم ما أرادوا، وبعد سنتين اثنتين فقط، تقاتل ميليشيات ساستهم (قادة التمرد العسكري) بعضها بعضا، فتتأزم الأمور، ويتدفق اللاجئون إلى الخارج، وتستقبلهم الدولة الأم التي انفصلوا عنها، لكن ليس هذه المرة كمواطنين يتمتعون بحقوق المواطنة وإنما كلاجئين مقيدي الحركة، فاقدي الحقوق والمزايا، وهم بأحسن الأحوال مجرد “ضيوف” في بلدهم السابق الذي عاشوا وأجدادهم فيه منذ آلاف السنين! وهم بين خيام اللجوء يحتفلون بمجرد توقيع “اتفاق سلام” بأحرف أولى، سرعان ما سينقضي مجددا كسابقيه.. كل هذا لم تمض عليه سوى ثماني سنوات فقط!)) (المصدر: موقع البيان).

يلخص المشهد الموصوف أعلاه، مصير مواطنين حلموا بالانفصال عن وطنهم، وحققوا حلمهم، وبعدها عادوا ليطلبوا فقط “الرحمة” عبر السماح لهم بالمبيت في مخيمات اللاجئين، وكان هؤلاء المواطنون أنفسهم هم أكثر المتحمسين للتصويت في الاستفتاء على “تقرير المصير”، فكان مصيرهم هو الشارع، وقد كان التقسيم خطة لقتل السودان وخنقها، وليس حلا للأزمات المفتعلة من طرف الخونة والمتصارعين على السلطة (وهو الحال نفسه في عدة بلدان عربية).. فقد ((كان التقسيم يعني حرمان البلاد من ثروة نفطية في بيئة أقل تخلفاً عن الجنوب، وبها بعض الأسس والبنى التحتية، ونقاط التجميع والتكرير التي تسمح لها باستغلال هذا الفائض في تعمير الشمال والجنوب معاً، فلقد أبقى التقسيم على نحو 20 % من ثروته النفطية فقط في أيدي السودان، فحرم الشمال والجنوب معاً من الاستفادة من فائض الإنتاج في تنمية البلاد.. وانتزعت أراض شاسعة خصبة وصالحة جدا للزراعة تقدر بنحو خمس مساحة السودان من السودان، فيما لم يتمكن الجنوبيون من استغلالها حتى الآن، علاوة على نحو 11 مليون رأس من الماشية فقدها السودان وبدأ جنوبه يفقدها هو الآخر بسبب الحرب الطاحنة)) (نفس المصدر).

لا السودان بقيت على حالها، ولا التقسيم جنبها المشاكل(..)، فها هي السودان تدخل الحرب من جديد، بعد أن وقعت اشتباكات بين الجيش وقوات الدعم السريع (القوات الخاصة) يوم 15 أبريل الجاري، حيث يدعي الجيش أن قوات الدعم السريع هاجمت مقره، وتزعم القوات الخاصة أن مقارها في الخرطوم تعرضت لهجوم بـ”جميع أنواع الأسلحة الثقيلة والخفيفة”.

عبد الفتاح البرهان، قائد القوات المسلحة والرئيس الفعلي للبلاد، ونائبه قائد قوات “الدعم السريع” شبه العسكرية محمد حمدان دقلو المعروف بحميداتي

وحسب وكالة الأنباء “تاس”، فإن ملخص الصراع، الذي تجري أطواره بين صديقين قديمين، هما عبد الفتاح البرهان قائد القوات المسلحة والرئيس الفعلي للبلاد، من جهة، ونائبه قائد قوات “الدعم السريع” شبه العسكرية محمد حمدان دقلو المعروف بحميداتي، (ملخص الصراع) جرى كما يلي: 

1) بدأت الاشتباكات بالقرب من منطقة قاعدة “مروي” العسكرية والخرطوم، وتفيد التقارير بأن الاشتباكات انتقلت بعد ذلك لولاية شمال دارفور.

2) قالت القوات الخاصة: إن وحدات الجيش هاجمت مقرها، وأكد ممثل عن الجيش السوداني ذلك، لكنه أشار إلى أن هذا الهجوم كان ردا على هجمات قوات الرد السريع على مفارز عسكرية في عدة أحياء بالمدينة.

3) في وقت لاحق، كانت هناك تقارير عن غارات جوية شنها الجيش على المقر، كما دمر الجيش أكثر من 80 مركبة تابعة للقوات الخاصة في مدينة مروي.

4) جميع مداخل القصر الرئاسي في الخرطوم أغلقت، والقصر نفسه محاط بمركبات مدرعة تابعة للجيش السوداني، حسبما ذكرت “سكاي نيوز” عربية.

5) أعلنت القوات الخاصة السودانية أنها سيطرت على مطاري الخرطوم ومروي، وأكدت قناة “الحدث” التلفزيونية السيطرة على عدة مقاتلات روسية الصنع في مطار مروي، لكن في وقت لاحق، أكد الجيش أنه يسيطر على مطاري الخرطوم ومروي.

6) توقف التلفزيون السوداني عن البث بعد تقارير عن إطلاق نار في مقره.

7) قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، يتابع شخصيا تطورات الوضع. من ناحية ثانية، أعلنت قوات الرد السريع عن سيطرتها على مقر إقامة البرهان، لكن الجيش نفى هذه التصريحات، ووفقا لرئيس أمن المجلس السيادي (الهيئة الحاكمة للبلاد)، فإن “البرهان في مكان آمن ويتابع شخصيا ما يحدث”.

واعترف البرهان بإمكانية نقل وحدات عسكرية إضافية إلى الخرطوم من مناطق أخرى إذا استمرت الاشتباكات مع قوات الدعم السريع.

8) وصف قائد القوات الخاصة السودانية، محمد حمدان دقلو، المواجهة مع الجيش، بأنها لم تكن اختيارية، وهو يعتقد أن “نتيجة المعركة ستتقرر في الأيام المقبلة.”

9) أبلغ ممثل لجنة أطباء السودان، أن هناك قتلى وجرحى، وأن ثلاثة مدنيين قتلوا وأصيب العشرات في الاشتباكات بالخرطوم.

10) دعت وزارة الصحة السودانية الأطباء، إلى القدوم إلى مستشفيات الخرطوم لتقديم المساعدة (المصدر: وكالة تاس).

الرئيس السابق للسودان عمر البشير حضر مؤتمر “كوب 22” في المغرب رغم أنه مطلوب للمحكمة الجنائية الدولية

وكانت الأزمة في السودان قد تعمقت منذ الإطاحة بالرئيس عمر البشير، هذا الأخير كان مقربا من المغرب، بل إن المملكة وفرت ظروف استقبال مريحة ليحل ضيفا على مؤتمر “كوب 22” رغم أنه مطلوب من طرف المحكمة الجنائية الدولية، ولكن التطورات جعلت المغرب يتخذ من الحيطة والحذر أساسا لكل تحركاته، فقد دعا ممثل المغرب، يوم الأحد بأديس أبابا، أمام مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي، إلى الوقف الفوري للأعمال العدائية واستئناف الحوار من أجل إرساء سلم واستقرار دائمين في السودان.. وأكد السفير الممثل الدائم للمملكة لدى الاتحاد الإفريقي واللجنة الاقتصادية لإفريقيا، محمد عروشي، في كلمة خلال اجتماع لمجلس السلم والأمن حول الوضع في السودان، أن المغرب، الذي يشعر بقلق بالغ إزاء الوضع الحالي في السودان، يحث القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع على الإعلان عن وقف فوري للاشتباكات.. وقال الدبلوماسي المغربي: ((ندعو إلى الوقف الفوري لأعمال العنف لضمان سلامة المدنيين وتهيئة الظروف اللازمة لاستئناف الحوار والمفاوضات السلمية من أجل الحفاظ على وحدة وسيادة هذا البلد الشقيق))، وأضاف عروشي: ((نحن مقتنعون بأن العنف لا يمكن أن يكون حلا لأي نزاع، وأن الحوار هو السبيل الوحيد لإرساء سلم دائم))، وفي هذا الصدد، يدعو وفدنا رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي، إلى بذل مساعيه الحميدة لتسريع استئناف الحوار بين مختلف الأطراف، وفقا للمادة 10 من بروتوكول مجلس السلم والأمن)) (المصدر: قصاصة وكالة المغرب العربي للأنباء).

“الحيطة والحذر” هي عنوان التعامل المغربي مع قضية السودان، حيث لم يصدر عن المملكة أي تصريح بدعم الجيش السوداني، أو قوات الدعم السريع التي يشرف عليها حميداتي بالمقابل، وقد كان هذا موقف المغرب منذ اندلاع الأزمة السياسية في السودان بعد الإطاحة بالرئيس عمر البشير في أبريل 2019، ولا يمكن الحديث عن حرب السودان دون الحديث عن الأيادي الكثيرة التي تتحرك فيها، وفي ذلك عبرة لمن يعتبر، فالسودان فتحت أبوابها لإسرائيل وقادتها الكبار بين الدعم الروسي والدعم الأمريكي، والشعب المسكين يعاني الويلات ثم الويلات، فحالة السودان هي حالة البلدان التي تجني الذهب ولا تحصد إلا الزوابع، بسبب “الأجندات الأجنبية” وصراع المصالح.

صراع الإخوة هو الذي لخصته رسالة كتبها شقيق أخوين أحدهما في الجيش السوداني رفقة البرهان وثانيهما في قوات الدعم السريع إلى جانب حميداتي، حيث قال: ((إلى شقيقي مصعب جالي بالقوات المسلحة، ليلة البارحة رزق الله شقيقنا الأصغر بقوات الدعم السريع يعقوب جالي بولد وحتى الآن لا يعلم بذلك.. إذا وقع أسيرا في يدك أو وقعت أسيرا في يده، فأخبره بهذا الخبر.. أسأل الله أن يحفظكما جميعا في هذه المعركة التي أرى أن الخاسر الوحيد فيها أنت))، ومثال هذه الرسالة هي رسالة إلى الشعب.

نفس الأخوة والصداقة كانت تجمع البرهان وحميداتي، لكن السلطة لا تترك أخا ولا صديقا.. فقد ((وجّه قائدا طرفي الصراع في السودان، عبد الفتاح البرهان قائد الجيش السوداني، ومحمد حمدان دقلو (حميداتي) قائد قوات الدعم السريع، اتهامات قاسية متبادلة، وذلك خلال لقاء أجرته معهما صحيفةThe Financial Times البريطانية، حيث ألقى كل منهما اللوم على الآخر في النزاع الدائر بالسودان، ووصف كل منهما خصمه بأنه “مجرم مسؤول عن قتل المدنيين”، وقد عمد كل منهما إلى تصعيد الحرب الكلامية على نحو يشير إلى أنه لا مجال للتسوية بينهما في صراع السيطرة على ثالث أكبر دولة في إفريقيا، حيث وصف حميداتي خصمه بأنه “زعيم عصابة إسلامية متشددة” تسعى إلى توطيد ديكتاتورية عسكرية في البلاد، كما اتهم القوات المسلحة السودانية، تحت قيادة البرهان، بأنها استهدفت مستشفيات وأهدافا غير عسكرية في حملتها على قوات الدعم السريع، بالمقابل، وفي لقاء أجرته ذات الصحيفة البريطانية مع عبد الفتاح البرهان، قائد القوات المسلحة السودانية والرئيس الفعلي للبلاد، اتهم البرهان قوات الدعم السريع باستخدام العنف العشوائي دون تمييز المدنيين من العسكريين.. وقال البرهان: “جزء كبير من قوات حميداتي خارجة عن السيطرة، وقد ارتكبوا أعمال نهب واسعة النطاق في الخرطوم وفي دارفور غربي البلاد)) (المصدر وكالات).

هكذا هي السودان اليوم، وقبلها عاشت القلاقل تحت عنوان “تقرير المصير”، وبعد تقسيمها دخلت في حرب أهلية، وها هي تطرق أبواب التدمير الحضاري، فكان الله في عون الشعب السوداني، والعبرة لبقية الشعوب الأخرى.

النشرة الإخبارية

اشترك الآن للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى