تحليل إخباري | هل هي بداية الثورة ضد خصوم المغرب في إسرائيل ؟
مؤشرات اندلاع الحرب الأهلية في إسرائيل وبداية الاصطدام مع أمريكا
تماما، وكما يحدث في البلدان التي لازالت تبحث عن الطريق نحو الديمقراطية، نقلت الصحافة الدولية المشهد من إسرائيل كما يلي: ((نزل ألوف المحتجين إلى الشوارع يوم الأحد الماضي، في تل أبيب، فور الإعلان عن عزل وزير الدفاع يوآف غالانت، وذلك عقب دعوته الحكومة إلا تجميد خطتها لتعديل النظام القضائي، والتي أثارت انقساما كبيرا بين الإسرائيليين.. وأغلقت الحشود الطرق الرئيسية الرابطة بين أحياء تل أبيب والطريق الرابطة بين تل أبيب والقدس، كما أشعلوا النيران وحاولوا اختراق الحواجز حول منزل نتنياهو في القدس، وقالت وسائل إعلام إسرائيلية: إن الشرطة فقدت السيطرة على المحتجين واستخدمت مدافع المياه لإبعادهم)) (المصدر: عدة وكالات).
إعداد: سعيد الريحاني
نيران الغضب والاحتجاج في إسرائيل وصلت إلى منزل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وحتى تكون الصورة مكتملة، فإن دوافع الاحتجاج ضد نتنياهو، وهو واحد من أكبر خصوم المغرب في إسرائيل(..)، تكمن في دعوته إلى إجراء إصلاحات قضائية تعطي للبرلمان الإسرائيلي صلاحيات أكبر من جهاز القضاء.. والموضوع باختصار يخفي وراءه صراعا كبيرا بين القضاة ونتنياهو حول النفوذ في إسرائيل، التي لا يحكمها دستور، بل إن الإسرائيليين لطالما طرحوا سؤال لماذا نتجنب كتابة دستور؟ والواقع أن الخليط الإسرائيلي، المكون من أقليات بالإضافة إلى أغلبية تعتمد البعد الديني في قراراتها، يجعل من الصعب كتابة دستور غير إقصائي ويحتوي الجميع، لذلك فهذه الدولة تبقى دولة “غير دستورية” رغم أنفها.
وإذا أردت أن تعرف أصول الصراع بين القضاء ونتنياهو، وهو الصراع الذي يختزل اليوم في صراع مساطر(..)، يمكن العودة إلى ما كان يكتب بالأمس القريب عن هذا “الوزير الأول”.. فقد ((وقف نتنياهو، وإلى جانبه كل من مالكي شركة الاتصالات الهاتفية الإسرائيلية “بيزك”، وهم مالكو موقع “والاه” العبري الإخباري في الماضي، وكذلك ناشر صحيفة “يديعوت أحرنوت”، والملفات القضائية التي توجه إلى نتنياهو وآخرين، معروفة بملف 1000 وملف 2000 وملف 4000.. ويعرف ملف 1000 كذلك بملف الإعانات، ويتعرض نتنياهو لتهمة الحصول على امتيازات تبلغ قيمتها نحو 700 ألف شيكل (200 ألف$) من رجال أعمال خلال رئاسته للحكومة، وكانت الهدايا الرئيسية هي السيجار وزجاجات من الشمبانيا والمجوهرات.. مقابل تلك “الهدايا”، وفقا للائحة الاتهام، توسط نتنياهو لصالح أحد رجال الأعمال المذكورين في ثلاثة أمور، منها التوسط لدى وزير الخارجية الأمريكي السابق جون كيري، لتمديد تأشيرة رجل الأعمال المذكور، وتوسط لدى وزير المالية الإسرائيلي يائير لابيد، لتمديد إعفاء رجل الأعمال نفسه من الضريبة، وغيرها من التدخلات التي اعتبرها الادعاء تلحق الضرر بالخدمات العامة وثقة الجمهور بها، وفي هذا الملف، وجهت لنتنياهو تهمة الاحتيال وخيانة الأمانة، أما ملف 2000 والمعروف بقضية نتنياهو-موزيس، فهو يستند إلى محادثات بين نتنياهو وناشر صحيفة “يديعوت أحرنوت” نوني موزيس، وبحسب لائحة الاتهام، فإن تلك المحادثات ناقشت مسألة التغطية الإعلامية اللائقة لرئيس الوزراء في صحيفة “يديعوت أحرنوت”، مقابل فرض قيود على الصحيفة المنافسة الرئيسية لها، وهي صحيفة “إسرائيل هيوم” التي توزع مجاناً، ويعرف ملف 4000 بملف “بيزك Walla”، ويعتبر أخطر الملفات الثلاث، التي يمثل بسببها نتنياهو أمام القضاء، حيث تتمحور التهمة بملف “بيزك Walla” حول امتيازات تقدر بمئات ملايين الشواقل التي أتاح رئيس الوزراء لمالك شركة الاتصالات “بيزك” وموقع “Walla” أن يستفيد منها)) (المصدر: وكالات).

ولا داعي لمقارنة ما يجري في إسرائيل مع بلدان أخرى، حيث يقوم رئيس الحكومة بشراء الصحف والمواقع بشكل علني لتلميع صورته أمام الرأي العام(..)، فقد بقيت الصورة كما هي عليه لمدة سنوات في إسرائيل، قبل أن يعلن بنيامين نتنياهو مؤخرا عن نيته في تطبيق “خطة إصلاح قضائي” تصب في اتجاه الحد من صلاحيات المحكمة العليا، و”تقضي الخطة التي أعلن عنها وزير القضاء ياريف ليفين (ذراع بنيامين نتنياهو)، إلى تقويض المحكمة العليا والالتفاف على قراراتها والحد من صلاحيات السلطة القضائية، مقابل تعزيز مكانة وصلاحيات السلطتين التنفيذية والتشريعية (الحكومة والكنيست)، من خلال:
1) إجراء تغييرات جذرية في السلطة القضائية، من شأنها المس بنظام الحكم في إسرائيل وتراجع ما يسمى بـ”الديمقراطية” والحريات الفردية والجمعية للأقليات القومية والاجتماعية وسيادة سلطة القانون، وذلك عبر الحد من سلطة وصلاحيات المحكمة العليا.
2) تمكين الحكومة والأحزاب السياسية من التحكم في لجنة اختيار القضاة في المحاكم الإسرائيلية، عبر تعيين أعضاء في اللجنة من الأحزاب والسياسيين، ومنع إشراك القضاة في عضويتها.
3) الحد من صلاحيات المستشار القضائي للحكومة، وكذلك المستشارين القضائيين لمختلف الوزارات، حيث تمنح الصلاحية للوزير بتعيين أو إقالة أي مستشار قضائي في مكتبه (المصدر: موقع الجزيرة/ 15 يناير 2023).
وحري بالذكر أن المقتضيات سالفة الذكر، هي التي أشعلت ثورة في شوارع إسرائيل، لا سيما بعد أن لجأ بنيامين نتنياهو إلى إقالة وزير الدفاع يوآف غالانت، يوم الأحد الماضي، بعد تصريحات أدلى بها يوم السبت الذي سبقه، وقال غالانت في بيان تلفزيوني مقتضب: ((إن الظرف يستدعي وقف عملية سنّ التشريعات، لما تشكله من خطورة على أمن دولة إسرائيل. وأضاف: أرى كيف يتآكل مصدر قوتنا، وكوزير دفاع لدولة إسرائيل، أرى الشرخ يتعمق ولن أدعم هذا النهج، وأكد أن الشرخ المتعمق في المجتمع الإسرائيلي امتد إلى الجيش والمنظومة الأمنية، وهذا خطر يهدد الدولة، داعيا في الوقت نفسه، إلى وقف المظاهرات التي تجتاح إسرائيل، وإتاحة المجال للتوافق على خطة تشريعات وتعديلات)) (المصدر: عدة وكالات).. هكذا تحدث وزير الدفاع الإسرائيلي، وهناك من ذهب أبعد، أي إلى بداية الحديث عن انهيار إسرائيل، ولكن الذي حصل حتى الآن هو إقالة وزير الدفاع، وتراجع “مؤقت” عن تطبيق الإصلاحات من طرف نتنياهو.
في المغرب، لا قيمة لسمعة نتنياهو مقابل احترام كبير للشخصيات الأمنية التي أبدت تقديرا كبيرا لملك المغرب على هامش استئناف العلاقات بين البلدين(..)، ومع ذلك، فإن أغلب المتتبعين يصنفونه ضمن خصوم المغرب، لكونه أصر على تسجيل شريط مصور أمام خلفية يظهر فيها تلاعب بخريطة المغرب فيما يتعلق بالأقاليم الجنوبية للمملكة.

ويبقى أكثر ما يفهم من تحركات نتنياهو وأنصاره في حكومته، وهم في الغالب خصوم المغرب، أو متلاعبين، أنهم لم يقدموا أي إضافة للعلاقات المغربية الإسرائيلية منذ استئنافها، فقط تحولهم نحو جر بلادهم إلى حرب أهلية.. ((ففي اليوم التالي لبيان رئيس الحكومة نتنياهو عن تجميد سن قوانين الانقلاب النظامي، أصبح واضحا أن هذه العملية لا تعكس استسلاما حقيقيا، بل هدنة مؤقتة لاعتبارات تكتيكية.. استجاب نتنياهو لطلبات المعارضة، وتم فتح مفاوضات جديدة بين الطرفين برعاية رئيس الدولة إسحاق هرتسوغ، من المرجح أن الاحتجاج سيستمر في الفترة الانتقالية، لكنه بحجم أصغر.. فمساء يوم الأحد، أعلن رئيس الحكومة عن إقالة وزير الدفاع، وأدخل الدولة في دوامة، لكن لم يكلف نفسه حتى الآن عناء إرسال رسالة الإقالة لغالانت (وزير الدفاع)، التي قد تدخل حيز التنفيذ خلال 48 ساعة من لحظة تسلمها، وشارك الاثنان في نقاش أمني في مكتب رئيس الحكومة.. وفي هذه الأثناء، تم التسريب بأن نتنياهو يتوقع من غالانت الاستقالة من الكنيست على أساس القانون النرويجي، كشرط لبقائه في منصب وزير الدفاع.
إذا كان هذا حقا هو الطلب، فسبب ذلك بسيط، هو أن نتنياهو يريد التأكد من وجود أغلبية داخل الكنيست مؤكدة للتصويت على القانون، وفي اللحظة التي سيقرر فيها بأن المعارضة والاحتجاج قد ضعفا وأن الظروف نضجت للسير إلى بر الأمان، فسيتم تقديم القانون مرة أخرى للتصويت عليه، ولكن غالانت يرى بأن نتنياهو لم يعد يستطيع الاعتماد عليه في المجال السياسي، وهذا بشكل عام لا يرتبط بحقيبة الدفاع التي تشغله بدرجة أقل، فلم يعد غالانت جندياً في التنظيم، ولم يعد ملزماً بالخضوع الأعمى للقائد، مثل الذي يعلن عنه صباح مساء كثير من الوزراء وأعضاء الكنيست من الليكود.
تناولت الإقالة الولاء واستهدفت ردع الآخرين، حتى لو جلس داخل المكتب وزير دمية وغير مؤهل، يعتقد نتنياهو أن بإمكانه التعايش مع ذلك، ومن المهم معرفة كيف تبدو الأمور في البنتاغون، فقد عولت واشنطن على غالانت كرجل الاتصال الرئيسي في الحكومة المتطرفة والخطيرة التي تشكلت في إسرائيل..)).
من كان يتصور أن يكون هناك خلاف بين أمريكا وإسرائيل، بل إن الأمر تطور إلى اتهامات غير مسبوقة، فبينما حث الرئيس الأمريكي جو بايدن الحكومة الإسرائيلية على التخلي عن مشروع تعديل النظام القضائي، قال وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، يوم الأربعاء، إن “بلاده دولة مستقلة وليست محمية أمريكية”، مؤكدا أنها تمثل “مصلحة كبيرة للولايات المتحدة في الشرق الأوسط “، وأضاف بن غفير: “إن إسرائيل مصلحة كبيرة للولايات المتحدة بالشرق الأوسط، نحن آخر عائق أمام الجهاديين(..)، أعتقد أننا نجلب لها (لواشنطن) السعادة بما نفعله”، مشددا على أن “إسرائيل دولة مستقلة، وليست محمية”، حسب تعبيره)) (المصدر: وكالات).
هكذا إذن، يستمر التجاذب السياسي في إسرائيل، وربما يتحول الأمر إلى ربيع إسرائيلي في مواجهة حكومة نتنياهو المتصلبة، والتي لم تقدم حتى الآن أي شيء ملموس في اتجاه دعم القضية الوطنية الأولى للمغاربة، رغم تكلفة استئناف العلاقات بالنسبة للمغرب على صعيد بعض شركائه(..).



