تحليلات أسبوعية

ملف الأسبوع | قصة المليار دولار لمواجهة “قرار” طرد البوليساريو من الاتحاد الإفريقي

تطغى على الساحة السياسية الوطنية والدولية حاليا قضيتان: الأولى وطنية وتتعلق بالارتفاع الصاروخي للأسعار، والثانية مرتبطة بانتهاء أشغال القمة السادسة والثلاثين لرؤساء دول وحكومات الاتحاد الإفريقي.. فبخصوص هذه الأخيرة، كانت – بلا شك – فصلا جديدا من الصراع المفتوح بين المملكة المغربية وجارتها الشرقية داخل أروقة هذه المنظمة القارية، وكان من نتائج هذه القمة: إعلان الجزائر عن تخصيص مليار دولار كدعم لمشاريع تنموية في القارة، وهو ما تم تفسيره بأن الجارة الشرقية عادت لشراء الذمم.. فما قصة هذا المبلغ؟

أعد الملف: سعد الحمري

 ”بيان طنجة” وراء المليار دولار

تتمة المقال تحت الإعلان

    بدأ العمل على قدم وساق من طرف المغرب والجزائر، في إطار صراع محموم بينهما حول النفوذ داخل القارة، مرة أخرى، مع اقتراب القمة الـ 36 لرؤساء وحكومات الاتحاد الإفريقي.. فقد استبق المغرب التحضير لهذه القمة بعقد المؤتمر السياسي للاتحاد الإفريقي حول تعزيز الارتباط بين السلم والأمن والتنمية في إفريقيا بمدينة طنجة، خلال الفترة الممتدة من 25 إلى 27 أكتوبر 2022، والذي تميز بحضور العديد من أصحاب المصلحة، بما يشمل الدول الأعضاء في الاتحاد الإفريقي، وأجهزة ومؤسسات الاتحاد، والمجموعات الاقتصادية الإقليمية، وممثلي منظمة الأمم المتحدة ووكالاتها، ومنظمات المجتمع المدني، والأوساط الأكاديمية، والمهنيين، ومجموعات الشباب والنساء، والشركاء التنمويين، وقد توجت أشغال هذا المؤتمر بإصدار “بيان طنجة”، وهو الذي كان من أهم توصياته طرد جبهة البوليساريو من منظمة الاتحاد الإفريقي، على اعتبارها خطئا تاريخيا، لأن هذا الكيان لا تتوفر فيه شروط دولة حسب كل المواثيق الدولية.

لقد تمت إحالة “إعلان طنجة” على مجلس الأمن والسلم التابع للاتحاد الإفريقي، الذي صادق عليه وقرر عرضه على القمة السادسة والثلاثين للمنظمة الإفريقية، من أجل دراسته والمصادقة عليه، وقال المجلس، في بيان توج أشغال اجتماعه الـ 1134 المنعقد في 27 يناير حول دراسة “إعلان طنجة”، إنه ((يعتمد إعلان مؤتمر الاتحاد الإفريقي حول تعزيز الارتباط بين السلم والأمن والتنمية في إفريقيا، وقرر عرضه على الدورة العادية السادسة والثلاثين لرؤساء الدول والحكومات المزمع عقدها في فبراير 2023، من أجل دراسته والمصادقة عليه))، وكان المغرب يعلم أنه من وراء هذه الخطوة، لن يتم تطبيق هذه التوصيات في حينها، بل ستتم دراستها حتى تنضج الفكرة على المدى القصير أو المتوسط.

واتضح من خلال هذه الخطوة، أن الخناق بدأ يضيق على جبهة البوليساريو والجزائر، وأن الخطر بلغ الدرجة الحمراء، ومن هنا قامت الجزائر بعقد لقاءات مكثفة، رغم أنها كانت متأخرة، فقد أجرى وزير الخارجية الجزائري رمطان لعمامرة، على هامش اجتماع الدورة الـ 42 للمجلس التنفيذي للاتحاد الإفريقي، الذي انعقد يومي 16 و17 فبراير 2023، محادثات ثنائية ولقاءات مع العديد من نظرائه، خاصة وزيرة خارجية السنغال، عيساتا تال سال، التي تترأس الدورة الحالية للمجلس التنفيذي للاتحاد الإفريقي، ووزراء خارجية كل من مصر وليبيا وجمهورية الكونغو والطوغو وأنغولا والكاميرون وإثيوبيا وكينيا وموريتانيا والصومال وسيراليون، إلى جانب موسى فقيه محمد، رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي، والعديد من المسؤولين السامين في المفوضية، وجاء في بيان الخارجية الجزائرية أن ((اللقاءات تركزت حول البنود المدرجة على جدول أعمال الدورة الحالية)).

تتمة المقال تحت الإعلان

لا شك أن أهم البنود التي ركز وزير خارجية الجارة الشرقية عليها، هو عدم إدراج توصيات ”إعلان طنجة” ضمن جدول أعمال الدورة السادسة والثلاثين لمنظمة الاتحاد الإفريقي، كما اتفقت الجزائر وجنوب إفريقيا على تعزيز التنسيق تحضيرا للقمة السادسة والثلاثين للاتحاد الإفريقي بأديس أبابا الإثيوبية، وهو ما أنذر بصدام حاد مع المغرب، خصوصا باستمرار تنسيق المملكة مع دول تقليدية داخل أجهزة الاتحاد، وضمور تواجد جبهة البوليساريو.

الخوف من الطرد من الاتحاد الإفريقي وراء غياب زعيم جبهة البوليساريو عن القمة

تتمة المقال تحت الإعلان

    رغم تحركات وزير الخارجية الجزائري في آخر اللحظات لإنقاذ الموقف، من أجل عدم إدراج توصيات ”بيان طنجة”، إلا أن التخوف ظل قائما من هذه الإمكانية، ويتضح ذلك من خلال عدم حضور زعيم جبهة البوليساريو، إبراهيم غالي، لأشغال هذا المؤتمر، حيث أرسل بدلا منه المدعو حمة سلامة، عضو ما يسمى ”الأمانة الوطنية لجبهة البوليساريو رئيس المجلس الوطني”، وهو المحفل الدولي الوحيد الذي كانت الحركة الانفصالية تحرص على الحضور فيه بأعلى تمثيلية لها، وبصفة منتظمة.

فقد ذكرت بعض المصادر، أن الرجل تلقى أوامر صارمة من الجزائر، لأن هناك حديثا قويا يدور داخل أروقة الاتحاد الإفريقي، يقول أنه من الممكن أن يتم طرد جبهة البوليساريو من هذه المنظمة، ومن الممكن أن يتكرر السيناريو الذي حدث خلال مراسيم تعيين الرئيسي الكيني الجديد، حيث طرد رئيس الجبهة من المطار، وهو ما تمت قراءته من طرف قصر المرادية، إن حدث، فإنه سيكون بمثابة الضربة القاضية للبوليساريو، خاصة وأن المحفل كبير.

وفي مقابل ذلك، قالت تفسيرات أخرى هدفها التغطية على السبب الحقيقي لعدم حضور زعيم الجبهة، أن غياب إبراهيم غالي مرتبط بشكل أساسي بانشغاله بالتعيينات الجديدة في ميليشياته، وبالرجوع إلى أنشطة الرجل هذه الأيام، وخصوصا من خلال تتبع ما يمسى بـ”الوكالة الصحراوية للأنباء”، يتضح أن الرجل فعلا كان منشغلا بكثرة التعيينات.. فقد أعلن يوم 14 فبراير 2023، عن تشكيل ما يسمى بـ”الحكومة الصحراوية الجديدة”، المؤلفة من ثلاثة وعشرين وزيرا، ينتمي الثلثان منهم إلى القبيلة المسيطرة (16 وزيرا من قبيلة الرقيبات).

تتمة المقال تحت الإعلان

والملاحظ أن الإعلان عما يسمى بالحكومة الجديدة، قبل أربعة أيام من انعقاد المؤتمر الإفريقي، كان هدفه خلق حدث داخلي للتغطية عن أي صدمة خارجية، خاصة وأن الحكومة سجلت إقصاء واضحا للمعارضة، حيث تم سحب المناصب الحساسة من المعارضين لـ”ابن بطوش”، والذين اصطفوا إلى جانب البشير مصطفى السيد، خلال أشغال المؤتمر، كخطري أدوه، الذي فقد منصبه كمسؤول عن “مركزية التنظيم السياسي”، التي تعتبر العقل المدبر للتوجه السياسي للتنظيم الانفصالي، وتم تعيينه في منصب اجتماعي عادي أطلقوا عليه “وزير التعليم”، وكذلك المسمى سيدي وكال، الذي تمت تنحيته من على رأس ما يسمى “المديرية الوطنية للأمن والتوثيق”، وهي بمثابة جهاز المخابرات في الدول المستقلة، وتعيينه في منصب “أمين عام لدى الرئاسة”، علما أن رئاسة الجبهة باتت تغص بالعديد من القيادات المهمشة، التي يتم إسكاتها بمنصب “مستشار لدى الرئاسة”،    ويبقى أهم تغيير عرفته ”الحكومة الجديدة” هو تعيين المدعو محمد سيداتي، “وزيرا للخارجية” بدل محمد سالم ولد السالك، الذي تقلد هذا المنصب في فترات متقطعة خلال سنوات الثمانينات والتسعينات، واحتكر المنصب منذ سنة 1998.

تصريف مليار دولار عبر وكالة ليست لها مهام ودون أهداف واضحة

تتمة المقال تحت الإعلان

    يبدو أن المبادرات الجزائرية التي قامت بها في الدقيقة التسعين بلغة كرة القدم، كانت غير كافية، وأن الأمور تتجه في غير مصلحتها، رغم أن الهدف من “بيان طنجة” ليس بالضرورة تطبيق توصياته خلال هذه القمة، بل طرحها من أجل أن تنضج خلال القمم القادمة، وعلى هذا الأساس قامت الجزائر بمبادرة غريبة، وهي قرار الرئيس عبد المجيد تبون، بتمويل مشاريع تنموية في إفريقيا بقيمة مليار دولار، وجاء القرار من خلال خطابه يوم الأحد الماضي، الذي قرأه نيابة عنه رئيس الوزراء أيمن عبد الرحمان، الذي مثل الجزائر في القمة.

وجاء في الخطاب الذي نشرت وكالة الأنباء الجزائرية مقاطع منه: ((قررت ضخ مبلغ مليار دولار أمريكي لصالح الوكالة الجزائرية للتعاون الدولي، من أجل التضامن والتنمية لتمويل مشاريع تنموية في الدول الإفريقية، لا سيما منها تلك التي تكتسي طابعا اندماجيا أو تلك التي من شأنها المساهمة في دفع عجلة التنمية في القارة))، وأوضح تبون أن ((هذه الخطوة تعبر عن قناعة الجزائر بارتباط الأمن والاستقرار في إفريقيا بالتنمية)).

إن أول ما يثير الانتباه، هو المبلغ المخصص والمقدر بمليار دولار، والذي يشكل نسبة 1.5 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي للجزائر على اعتبار أن ناتجها الداخلي العام الماضي كان هو 145 مليار دولار، وكيف تم تدبيره مع العلم أن الميزانية العامة للدولة لسنة 2023 تم صرفها، من الممكن أن تقتطع من ميزانية الجيش التي تم تخفيضها بفعل الضغوط الغربية.

تتمة المقال تحت الإعلان

أما الأمر الثاني المثير للانتباه، فهو الهيئة التي أوكلت لها مهام تدبير هذا المبلغ المالي الضخم، وهي الوكالة الجزائرية للتعاون الدولي من أجل التضامن والتنمية.. فهذه الوكالة تأسست يوم 12 فبراير 2020 بقرار رئاسي، ووضع على رأسها محمد شفيق مصباح، العقيد السابق في المخابرات الجزائرية، ومنذ تعيين هذا الأخير، لم يمارس أي مهام، كما أن الوكالة ليس لها مجلس إداري ولا مقر.

أما صلاحيات ومهام هذه الوكالة، فقد حددوها في أربعة: أولا، “ترقية العمل الإنساني والتضامن مع دول العالم”، ثانيا، “تطوير التعاون مع المنظمات الدولية والتعاون والتنمية”، ثالثا، “المتابعة التقنية والمالية للمشاريع والتعاون الدولي”، رابعا، “تكوين الجزائريين في الخارج وتكوين الأجانب”، وبخصوص طريقة صرف هذه الأموال والمعايير المتخذة من أجل ذلك، فقد جاء في الكلمة أن الوكالة ستباشر إجراءات تنفيذ هذه المبادرة الاستراتيجية بالتنسيق مع الدول الإفريقية الراغبة في الاستفادة منها.

ومباشرة بعد الإعلان عن هذا المبلغ الضخم، دعا الرئيس الجزائري من خلال كلمته دائما، الاتحاد الإفريقي، إلى ((الاضطلاع بمسؤوليته الكاملة تجاه القضية الصحراوية، ولعب الدور المنوط بها))، وأوضح قائلا أنه ((أضحى من الضروري أن تضطلع منظمتنا بمسؤوليتها كاملة تجاه هذه القضية، وتلعب الدور المنوط بها وفقا لعقيدتها الثابتة في تصفية الاستعمار))، وحرص رئيس الجمهورية الجزائرية على ((تجديد دعم الجزائر الثابت لحق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره، من خلال تنظيم استفتاء حر ونزيه بما يتماشى مع المواثيق والقرارات الدولية)).

تتمة المقال تحت الإعلان

وأكد عبد المجيد تبون في هذا الشأن، على أن ((المحاولات اليائسة لعرقلة المسار الجاري لتصفية الاستعمار والقرارات الانفرادية المنتهكة للقانون الدولي والمخالفة لمبادئ الاتحاد الإفريقي، لا يمكنها بأي حال من الأحوال إضفاء الشرعية على احتلال الأراضي الصحراوية ولا المساس بحق الشعب الصحراوي الغير قابل للتصرف في تقرير مصيره))، وفق تعبير رئيس الجارة الشرقية.

ثم جاءت كلمة جبهة البوليساريو، التي ألقاها المدعو حمة سلامة عضو ”الأمانة الوطنية لجبهة البوليساريو”، الذي كان همه الوحيد هو الرد على “بيان طنجة”، حيث أكد أن الجبهة الانفصالية لن تسمح باستغلال المغرب لأي منبر قاري، مشيرا إلى أن محاولة المغرب استغلال بعض مؤسسات الاتحاد الافريقي في تمرير طموحاته السياسية، أمر لن يتحقق.

وضمن خطابه قال أيضا: ((إن منتدى طنجة للسلم والتنمية في إفريقيا، الذي يحاول المغرب إقناع الاتحاد الإفريقي بمخرجاته، لا يعدو كونه حدثا دعائيا وسياسيا توظفه المملكة المغربية خدمة لأجنداتها الرامية إلى ‘تشريع احتلالها لأجزاء من تراب الجمهورية الصحراوية)).

وأضاف المتحدث ذاته تصريحات غريبة ضمن خطابه، حيث أكد أنه ((على الاتحاد الإفريقي أن يتفطن إلى محاولة المغرب توريطه ماديا وسياسيا في ما يسمى منتدى طنجة حول السلم والتنمية في إفريقيا))، موضحا أنه ((يجب على المملكة المغربية تحمل كافة التبعات المالية لهذا الحدث وتداعياته السياسية)).

المغرب أم الجزائر.. في مصلحة من كانت القمة الـ 36 للاتحاد الإفريقي؟

    انتهت أشغال القمة السادسة والثلاثين لرؤساء دول وحكومات الاتحاد الإفريقي دون الاستجابة لطلب الجزائر فيما يخص ضرورة حل قضية الصحراء المغربية على مستوى الاتحاد الإفريقي، حيث لم يتضمن البيان الختامي أي إشارة، لا من قريب ولا من بعيد للقضية، ومعنى ذلك أن المرجع المحدد هو القرار 693 بشأن قضية الصحراء المغربية المعتمد بالإجماع خلال قمة نواكشوط سنة 2018، والذي أكد على الدور الحصري للأمم المتحدة بشأن قضية الصحراء المغربية، في حين ما زالت توصيات “بيان طنجة” قيد الدراسة والتشاور، والذي قالت حوله ما يسمى وزارة خارجية جبهة البوليساريو، أن الاتحاد الإفريقي رفضه، وأحاله على سلة المهملات، وذكرت تفصيلا صغيرا في بيانها، من أن ((قمة الاتحاد الإفريقي قررت إعادة “بيان طنجة” إلى هيئات الاتحاد من أجل النظر فيه من جديد))، ونسيت الجبهة أن هذا الأمر هو ما كان المغرب يبحث عنه تحديدا، وهو أن تصبح قضية طرد الجبهة من الاتحاد الإفريقي فكرة تطبخ على نار هادئة.

وفي الأخير، وجب التذكير بأن الجزائر لديها سابقة في شراء الذمم داخل الاتحاد الإفريقي، وهي الطريقة التي اتبعتها من أجل إدخال البوليساريو إلى هذه المنظمة القارية، وهو المشروع الذي بدأ انطلاقا من سنة 1979، ثم كانت سنة 1982 على موعد مع حدث هز أركان منظمة الوحدة الإفريقية.. فخلال انعقاد دورة عادية بالعاصمة الإثيوبية، اتخذ الأمين العام للمنظمة، قرارا انفراديا وغير مسؤول، عن طريق إشراك جبهة البوليساريو في أشغال الاجتماع الوزاري للمنظمة في أديس أبابا، ثم ما لبثت أن أصبحت عضوا انطلاقا من سنة 1984، بفعل الأموال الجزائرية، مما حدا بالمغرب إلى الانسحاب من هذه المنظمة خلال نفس السنة.. فهل ينجح المغرب على المدى القصير أو المتوسط في بلورة “بيان طنجة”، وإقناع الأفارقة بطرد الكيان الوهمي، أم سيكون للمليار دولار مفعول السحر ؟

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى