ملف الأسبوع

ملف الأسبوع | كواليس الملفات الدبلوماسية للمغرب خلال سنة 2023

بين فرنسا وإسبانيا وأمريكا اللاتينية

يدخل المغرب سنة 2023 بأجندة دبلوماسية مزدحمة، وبتحديات قوية جدا.. فقد تم الإعلان عن انعقاد اللجنة العليا المشتركة بين المغرب وإسبانيا خلال شهر يناير من السنة الجديدة، في حين أعلن الرئيس الفرنسي عن نيته زيارة المغرب خلال نفس الشهر من أجل إنهاء الأزمة الصامتة بين البلدين، وتأتي هذه التطورات في ظل وجود ملفات حساسة بين المغرب وإسبانيا من شأنها إثارة المشاكل بين البلدين، ولعل التحدي الأهم هو ترسيم الحدود البحرية بين المملكة المغربية والمملكة الإيبيرية، في حين تكمن النقطة الخلافية بين الرباط وباريس في موقف فرنسا من الصحراء المغربية، ومن جانب آخر، هناك التطورات التي تشهدها أمريكا الجنوبية.. فكيف سيتعامل المغرب مع كل هذه التحديات ؟

أعد الملف: سعد الحمري

اجتماع اللجنة العليا المشتركة بين المغرب وإسبانيا مطلع السنة المقبلة والبحث عن حل لترسيم الحدود البحرية

     لا شك أن العلاقات بين المغرب وإسبانيا في الوقت الراهن تمر بحالة دفء لم يسبق لها نظير، وذلك بعد طي صفحة أزمة حادة، وعام من القطيعة الدبلوماسية بين الطرفين، على خلفية استقبال إسبانيا على أراضيها، في 24 أبريل 2021، لزعيم جبهة البوليساريو الانفصالية، إبراهيم غالي.

تتمة المقال بعد الإعلان

وكان مؤشر نهاية الأزمة هو المباحثات التي جمعت في الثامن من أبريل الماضي، الملك محمد السادس ورئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، والتي رسمت تفاصيل “خريطة الطريق” لإنهاء القطيعة الدبلوماسية، وهي الخريطة التي وصفها البيان المشترك الذي صدر عقب انتهاء المباحثات بـ((الدائمة والطموحة التي تتضمن معالجة المواضيع ذات الاهتمام المشترك بروح من الثقة والتشاور، بعيدا عن الأعمال الأحادية أو الأمر الواقع)).

ومن أجل تثبيت هذا المنحى الجديد في العلاقات بين البلدين، كان لزاما عليهما عقد اجتماع اللجنة العليا المشتركة بين المغرب وإسبانيا، بعدما تم تأجيله لمرتين على التوالي، عامي 2020 و2021، بسبب الموقف الإسباني السابق من قضية الصحراء المغربية، وأيضا بسبب أزمة استقبال مدريد لزعيم البوليساريو بهوية جزائرية مزيفة للعلاج بعد إصابته بفيروس “كورونا”.

وبعد المصالحة بين البلدين، بدأ الطرفان في الإعداد لاجتماع اللجنة العليا المشتركة دون تحديد تاريخ لذلك، غير أن وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة، قطع الشك باليقين وأعلن عن انعقادها بداية السنة المقبلة 2023، وذلك عقب حفل التوقيع على “الشراكة الخضراء” مع الاتحاد الأوروبي بالرباط خلال شهر أكتوبر الماضي، بعدما كان الحديث عن إمكانية عقدها خلال شهر نونبر، وبعد إعلانه عن تاريخ انعقاد اللجنة العليا، قال رئيس الدبلوماسية المغربية: إن الجانبين، المغربي والإسباني، لديهما الوقت الكافي للتحضير بشكل جيد للمنتدى البرلماني، وأيضا منتدى رجال الأعمال، وحشد جميع المتدخلين في هذه العلاقات.

لقد أوحى هذا التصريح بأن التحضير لهذا الاجتماع الرفيع المستوى، ما زال لم يكتمل كما هو مأمول، على الأقل من الجانب المغربي، كما أن بعض الملفات لا زالت فيها خلافات، وظهرت بوادر ذلك من خلال بعض المعلومات التي سربتها وسائل إعلام إسبانية، ومنها أن الرباط وضعت شروطها حول من سيحضر هذا الاجتماع من الجانب الإسباني، حيث كشت تقارير إعلامية إسبانية عن رفض الرباط حضور وزراء حزب “بوديموس” المشاركين في حكومة بيدرو سانشيز إلى المغرب والمشاركة في القمة المقبلة، وقالت إن عدم السماح لوزراء “بوديموس” بالمشاركة يعتبر شرطا أساسيا من المغرب لعقد هذه القمة، وذلك بسبب موقف حزبهم المعادي للوحدة الترابية للمملكة المغربية، وسياسته العدائية تجاه المغرب، مشيرة إلى أن قرار المنع سيطال بالتحديد وزيرة المساواة في حكومة سانشيز، إيرين مونتيرو.

تتمة المقال بعد الإعلان

وفي ذات السياق، نقلت صحيفة “بوبليكو” الإسبانية عن مصادر رسمية، أن الرباط عبرت غير ما مرة عن عدم ارتياحها لبعض تصريحات وزراء في الحكومة الإسبانية بشأن الصحراء المغربية، وأكد الوزير بوريطة أن الرباط ستفي بجميع الالتزامات التي تم التعهد بها في الإعلان المشترك، وهو الأمر الذي أبرزته وزارة الخارجية الإسبانية.

وفي ظل هذا الوضع الذي يزعج الرباط، لا شك أن أول ملف أمام اللجنة العليا المشتركة بين البلدين، هو التأكيد بما لا يدع مجالا للشك على مغربية الصحراء، وأخذ ضمانات من مدريد بأن الأمر سيكون موقف دولة سياديا وليس موقف حكومة، مع العلم أن الرباط عانت من هذا الأمر في بداية عهد جو بايدن، الرئيس الأمريكي، بعدما راجت شائعات حول عزمه على إلغاء قرار خلفه دونالد ترامب.

ومن المنتظر كذلك أن يتم خلال القمة المقبلة بين البلدين، الاتفاق على ((إعادة التطبيع الكامل لحركة الأشخاص والبضائع بطريقة منظمة، بما في ذلك الجمارك، وأجهزة مراقبة الأشخاص على مستوى الأرض والبحر))، وفق ما نص عليه البيان المشترك بين البلدين خلال شهر أبريل الماضي، مع العلم أنه لحدود الساعة ما زال تحديد موعد تنزيل الجمارك التجارية المتوقعة في سبتة ومليلية المحتلتين لم يتم بعد، حيث أوضح خوسيه مانويل ألباريس، وزير الخارجية الإسباني، أن ((الهدف كان متوقعا أن يتحقق خلال شهر يناير المقبل))، أي أن يتم الاتفاق على ذلك خلال اجتماع اللجنة العليا المشتركة بين البلدين، كما سيتم الاتفاق على خارطة طريق جديدة في مجال الهجرة غير الشرعية، إلى جانب التنسيق الأمني بين البلدين، وقضايا اقتصادية واجتماعية وثقافية.

إلا أن هناك قضية قد لا يتم الاتفاق حولها، وهي ترسيم حدود المساحات البحرية، والتي من الممكن أن تأخذ وقتا أطول.. فقد تم إدراج هذه النقطة ضمن البيان المشترك لشهر أبريل الماضي، حيث جاء في نص البيان، أن ((مجموعة العمل المعنية بتعيين حدود المساحات البحرية على واجهة المحيط الأطلسي، ستتم إعادة تنشيطها بهدف تحقيق تقدم ملموس))، واتفقت الرباط ومدريد على تسريع أجندة التعاون للتنقيب عن النفط في سواحل الصحراء المغربية المتاخمة لجزر الكناري، حيث من المقرر أن تستغل المملكة المغربية الأرخبيل البحري المقابل للأقاليم الجنوبية.

وتعتبر مسألة ترسيم الحدود البحرية بين الرباط ومدريد قضية شائكة، خاصة فيما يتعلق بترسيم الجزر الصغيرة والمناطق التي تحتلها إسبانيا في البحر الأبيض المتوسط، ومسألة المنطقة الاقتصادية الخالصة في المحيط الأطلسي والتداخل مع جزر الكناري، ومن غير المنتظر أن يتم الحسم في هذا الملف خلال هذا الاجتماع، نظرا لأنه يتطلب وقتا أطول، كما أن الرباط لا يمكنها إنهاء هذا الملف قبل أخذ ضمانات أكبر من الجانب الإسباني بخصوص قضية الصحراء المغربية، ومن الممكن أن يكون هناك استغلال مشترك بين البلدين للثروات الباطنية الحدودية.

 

لقاء بوريطة وألباريس يوم 28 شتنبر 2022 بنيويورك على هامش الدورة 77 للجمعية العامة للأمم المتحدة

 

زيارة الرئيس الفرنسي المقررة إلى المغرب والاعتراف الصريح بمغربية الصحراء.. هل يكون ممكنا ؟

    رغم إعادة انتخاب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لولاية جديدة، إلا أن الأزمة الصامتة القائمة بين المغرب وفرنسا استمرت على حالها، وبدأ الرئيس الفرنسي، كخطوة أولى، في ترميم علاقات بلاده مع الجزائر أولا، في مشهد أوحى للكثيرين بأن فرنسا تسعى إلى جانب الجزائر لمحاصرة التوغل المغربي في إفريقيا، كما أوحى إنهاء مهام السفيرة الفرنسية في المغرب، هيلين لوغال، خلال شهر شتنبر الماضي، دون إعلان باريس عن تعيين سفير جديد، مقابل المناداة على السفير المغربي بباريس، محمد بنشعبون، ليتكلف بمهمة جديدة بالمغرب دون تعويضه بسفير جديد، (يوحي) بأن العلاقات بين البلدين أصبحت بدون أفق، وأنها ستتجه إلى مزيد من التصعيد، غير أنه منذ نهاية شهر أكتوبر المنصرم، أظهرت باريس بعض الليونة والرغبة في إعادة المياه إلى مجاريها في علاقتها مع المغرب، فقد صوتت فرنسا لصالح تمديد مهمة بعثة “المينورسو” لمدة سنة أخرى في الصحراء المغربية، وهو ما شكل صدمة للجزائر، ثم كان هناك اتصال هاتفي بين قائدي البلدين، حيث عبر الرئيس الفرنسي عن نيته زيارة المغرب في شهر يناير من السنة القادمة.

ومن هنا بدأت العلاقات بين البلدين في التحسن، حيث أعلنت باريس عن تعيين سفير فرنسي جديد لها في المغرب يوم 30 نونبر المنصرم، بعد خلو المنصب لعدة أشهر، ويتعلق الأمر برجل الأعمال الفرنسي كريستوف لوكورتيي، الذي يشغل مهمة الرئيس التنفيذي الحالي لشركة “Business France”، كما أنه مسؤول عن التنمية الدولية للشركات الفرنسية في عدد من الفروع، ويضبط الاستثمارات الدولية في فرنسا وله خبرة في الترويج الاقتصادي والتسويق، وهو الذي وصف بأنه “شخصية مقرّبة من دائرة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون”، الذي تمتد ولايته الثانية إلى سنة 2027.

وقد كشف اختيار كريستوف لوكورتيي للقيام بهذه المهمة، أن بلاد الأنوار تعوّل على أن يساهم تعيينه في إعادة إحياء التعاون الاقتصادي بين المغرب وفرنسا، لا سيما في الشق المتعلق بالاستثمارات الفرنسية في المغرب، وكذا في مجال التكنولوجيا والطاقات المتجددة، نظرا لخبرته المهنية الطويلة في هذه المجالات، غير أنه ما زال لم يباشر مهامه في المغرب، كما أنه لم يتم الموافقة عليه من طرف الرباط، وفي انتظار ذلك، أعلنت وزارة الخارجية الفرنسية أن الوزيرة كاترين كولونا ستتوجه إلى الرباط في 15 دجنبر الجاري، في زيارة رسمية للمملكة المغربية تستمر يومين، وستبحث كولونا مع المسؤولين المغاربة مسألة التأشيرات الشائكة، إلى جانب إعداد مشروع برنامج لزيارة الرئيس إيمانويل ماكرون المقررة في شهر يناير 2023.

وقد رجحت شبكة “فرانس 24” أنه من الممكن أن تتأجل زيارة الرئيس الفرنسي بشكل حبي بين الطرفين، ومن الممكن حدوث ذلك على اعتبار أن النقطة الخلافية الأولى بينهما هي قضية الصحراء المغربية، ففي الوقت الذي تطالب فيه الرباط بأن تعترف فرنسا صراحة بمغربية الصحراء، تعتبر باريس مترددة بشأن ذلك، وفي هذا الصدد، صرح إيمانويل دوبوي، رئيس معهد المستقبل والأمن في أوروبا لشبكة “فرانس 24″، بأن “هذه الزيارة محفوفة بالمخاطر”، مضيفا: “رمزيا تهدف إلى إعادة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين إلى مسارها شرط عدم ذكر مسألة الصحراء المغربية”.

وكتبت خديجة محسن فينان، خبيرة الشؤون السياسية المتخصصة بمنطقة المغرب: ((معروف أن فرنسا لا تريد أن تملى عليها سياستها حول الصحراء المغربية، فهي تنوي إظهار أنه يمكنها إقامة علاقات دبلوماسية واقتصادية وتجارية، لكنها تقرر وحدها سياستها بشأن الصحراء المغربية)) تضيف ذات المتحدثة.

وخلصت نفس الباحثة إلى أنه لا يتوقع أن تساهم زيارة الرئيس ماكرون للمغرب في تغيير الأمور بشأن هذا الملف الشائك، لأن ((إيمانويل ماكرون هو أول رئيس للجمهورية الخامسة يريد إخراج العلاقات بين فرنسا ودول المغرب العربي من هذا الإرث التاريخي الثقيل))، تقول خديجة محسن.

وبالتالي، يتضح أن ترميم العلاقات بين الرباط وباريس وفق شروط الرباط، لن يكون بالأمر الهين، ومن المرجح أن يستمر البرود في العلاقات بين البلدين، ما دامت باريس لن تقدم على خطوة من أجل الاعتراف صراحة بمغربية الصحراء.

 

النعم ميارة في تدشين «الفضاء المغربي» بمقر برلمان أمريكا اللاتينية ببنما

 

ضرورة اختراق دول أمريكا اللاتينية دبلوماسيا

    شهدت دول أمريكا اللاتينية خلال الصيف الماضي، مناورات جزائرية قوية من أجل دعم صنيعتها البوليساريو، وأثمر ذلك إعلان كولومبيا عن دعم أطروحة البوليساريو خلال شهر غشت الماضي، في حين شهدت البيرو مسلسلا دراماتيكيا، حيث سحبت اعترافها بالبوليساريو خلال شهر غشت، ثم عادت بعدها بشهر وأعادت الاعتراف بها.. يومها قدم وزير الخارجية البيروفي استقالته، وتم تسريب من طرف المعارضة تقول فيه أن ((الرئيس حاول مقايضة المغرب بدفع رشوة مقابل سحب بلاده الاعتراف بجبهة البوليساريو، وهو الأمر الذي رفضته الرباط رفضا مطلقا)).

غير أنه ومع نهاية شهر أكتوبر الماضي، شهدت أمريكا اللاتينية عدة تطورات رجحت كفة المغرب، كان أولها انتخاب لويس إيغناسيو لولا داسيلفا رئيسا جديدا للبرازيل، ورغم أنه يساري، إلا أن ذلك حمل أخبارا سارة للمغرب، على اعتبار أن الرجل طيلة ولايتين سابقتين كان يدعم مقترح الحكم الذاتي الذي تقترحه المملكة، وتكمن أهمية دعم البرازيل للمقترح المغربي في أنه أكبر دولة في أمريكا الجنوبية، وأكثرها تأثيرا دبلوماسيا على باقي الدول.

وبالموازاة مع ذلك، أعلنت أغلبية مجلس الشيوخ الكولومبي، عن إصدار إعلان يرفضون فيه قرار الرئيس غوستافو بيترو، والقاضي بالاعتراف بالبوليساريو، معتبرين أن القرار اتخذ دون تقييم الوضع الحالي على المستوى الدولي، أو تقدير عواقبه، مما أثر بشدة على روابط الصداقة الممتازة التي تربط بين البلدين، معتبرين أن المغرب ظل شريكا استراتيجيا ومميزا في إفريقيا والعالم العربي، نظرا لدوره القيادي، والاعتراف الذي يحظى به على المستوى الإقليمي والقاري والعالمي.

أما في البيرو، فقد ألقت الشرطة القبض على الرئيس البيروفي بعدما تم عزله من طرف البرلمان، على اعتبار أنه أقدم على اتخاذ قرارات خطيرة، وتم تعويضه بنائبته المقربة من المغرب، وينتظر المغرب خلال سنة 2023، عمل كبير يتمثل في ضرورة الحضور القوي والعمل الدبلوماسي على الأقل في كل من كولومبيا والبيرو، من أجل سحب اعترافهم بالجمهورية الوهمية، وفي المدى المتوسط والطويل، ضرورة الحضور الدبلوماسي القوي في هذه القارة على اعتبارها من أشد الداعمين للأطروحة الانفصالية، أو أواخر معاقلها.

close

النشرة الإخبارية

اشترك الآن للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى