تحليل إخباري

تحليل إخباري | ذكرى زلزال مرعب

12/12/2022.. ليلة الخوف في أكادير

بينما كان المواطنون في أكادير يستعدون لقضاء أولى ليالي الشتاء البارد، بعد أن جرتهم الفرحة بأداء المنتخب الوطني إلى الشوارع في الأيام السابقة، لكن لا أحد توقع بأن يكون لهم موعد في تلك الليلة بالضبط، مع زلزال حرك البيوت والمشاعر، والآلام الدفينة في الماضي، ويمكن للزلزال أن يضرب في أي منطقة دون أثر يذكر إذا كانت الهزة خفيفة، لكن في أكادير، فمجرد الحديث عن الكارثة يكفي لاستحضار صور من الماضي البشع الذي يعود لسنة 1960، عندما انهارت المدينة بكاملها في كارثة إنسانية لم يشهد لها المغرب مثيلا.

 

إعداد: سعيد الريحاني

 

تتمة المقال بعد الإعلان

    لحسن الحظ، لم تخلف الهزة الأرضية التي ضربت مدينة أكادير في الساعات الأولى من صباح يوم الإثنين المنصرم، أي ضحايا، حيث اكتفت الصحافة بنشر قصاصات صغيرة حول الموضوع، قالت فيها:”إن الأرض تهتز بأكادير”، فـ”عند قرابة الساعة السادسة من صباح يوم أمس، كانت أكادير على موعد مع هزة أرضية، شعر بها الكثير من الناس،ومنهم من خرج إلى الساحات خشية أن تعاود رجتها، كما وقع بحي السلام وبنسركاووأيت المودن، فيما اكتفى آخرون بتبادل الرسائل الهاتفية القصيرة.. وبلغت قوة الهزة الأرضية كما يشير المعهد الوطني للجيوفيزياء، 4.5 درجات على سلم ريشتر، مصدرها عرض ساحل أكادير، مضيفا أنها وقعت على الساعة الخامسة و51 دقيقة و46 ثانية، وسجلت على عمق ثلاث كيلومترات..)) (المصدر: جريدة الأحداث المغربية).

نفس المصدر، نقل عن شاهد عيان بحي الهدى، أنه ((كان في حالة نوم خفيف وكان يسمع دويا خيلإليه أنه الرعد، فأخرجته زوجته من غفوته بسؤالها: “ماذا يجري، إنه الزلزال”، مضيفا أنه شعر بالسرير يتحرك بعد انتباهه لصوت زوجته.. تحركت الانطباعات في أكادير بسرعة، على مستوى وسائل التواصل الاجتماعي مباشرة بعد الواقعة، فهناك من نصح بالخروج، وآخرون نشروا دعاء الزلازل ونصحوا بترديده حتى لا تعاود الهزة ظهورها، بينما آخرون استقبلوا هذه الظاهرة الطبيعية بمرح ودعابة مثل قول بعضهم: الحمد لله أننا بقينا أحياء حتى نتابع مقابلة المغرب ضد فرنسا، وأن نعيش لحظة حمل الفريق الوطني للكأس العالمية لأول مرة في تاريخ الكرة)) (المصدر: جريدة الأحداث المغربية).

ولكي تعرف حجم الكارثة التي وقعت في أكادير سنة 1960، يكفي أن تعود للتاريخ، لتعرف أن الذين أرعبتهم أخبار الزلزال كانوا على حق، حيث قتل فيه حوالي 15.000 شخص (حوالي ثلث سكان المدينة في ذلك الوقت) وجرح 12.000، بينما ظل ما يناهز 35.000 شخص بلا مأوى..

في ذلك الوقت، كتبت الصحافة عن “أكادير الشهيدة” (المقصود في سنة 1960): ((سنتذكر جميعا مدينة أكادير، وسنروي للأجيال قصة المدينة الشهيدة التي أدمت مأساتها قلوب البشر في مشارق الأرض ومغاربها، وسنروي للأجيال مأساة الجوهرة التي كانت تحلي صدر سوس، فأضحت في ثواني معدودة فرحا غائرا في القلوب كلها.. لقد كانت أكادير بسمة على محيا القارة الإفريقية، وكانت مبعث حنين السواح في العالم أجمع لزيارة المغرب، وكانت بابا اقتصاديا من أهم المنافذ التي تساهم في تدعيم ضروريات البلاد، وطوى زلزال أكادير شعبا كان يعيش كالأسرة الواحدة، يسودها الحب والوفاء والإخاء، فلا بئيس يستجدي، ولا خوف ولا رعب، وحتى المطاحنات السياسية لم تكن لتبلغ حدا يفرق بين القلوب.. لكن ذكرى مدينة أكادير لن تخلد في كل القلوب، بل ستخلد في أفئدة كل الذين سبق لهم أن وقفوا في حي أنزا على مشارف المدينة وهي تعرج على طول الساحل منحدرة في تنسيق طبيعي نحو شاطئ البحر الممتد أمام حي فوينتي، وقد أشرف عليه من أعلى سور القصبة الرابض منذ القرن السادس عشر، وعندما يتجاوز حي فوينتي الذي كان مهدا لمدينة أكادير، يجد حي تالبورجت الزاخر بالحياة والحركة، حيث المسجد الأعظم، ومن حي القصبة قد يضرب الزائر موعدا مع سحر الطبيعة عند غروب الشمس، حيث تنعكس الخيوط النارية على صفحة البحر بعد أن تترك مساحات ذهبية على مرآة الربى الجبلية السمراء التي كانت تحتضن مدينة أكادير.. ولن تخلد ذكرى مدينة أكادير في كل القلوب بقدر ما ستخلد في أفئدة الذين وقفوا على حطام أكادير، حيث انهار كل مرتفع وامتزجت الأشلاء البشرية بالأمتعة، ومحيت معالم الأزقة والدروب، وفقدت المتاجر والبيوت، وأضحت المدينة مقبرة موحشة خلت من كل حركة إلا من أنين ينبعث من أعماق الحطام أو حنين الموت يساور كل واقف على هذه المشاهد المبكية.. ولقد يتوقع الزائر لأطلال المدينة، غداة الكارثة، سماع النحيب المتعالي وصيحات الأمهات على أبنائهن والبنات على أمهاتهن وعويل الأحياء على الأموات، ولكن أين هم الأحياء الذين يندبون الأموات؟

تتمة المقال بعد الإعلان

لقد نام جل السكان نومتهم الأبدية، وأولئك الذين أخطأتهم يد المنون فروا بعيدا بعيدا عن بنايات المدينة بعشرات الكيلومترات فاغرة أفواههم، ولو سألت الواحد منهم لما أجابك، فكل الذين شهدوا الزلزال حسبوه يوم البعث، حتى الأحياء الذين لازالوا عند ربهم يرزقون)) (المصدر: مجلة المشاهد/ مارس 1960).

مشاهد حزينة من زلزال أكادير سنة 1960

صور حية من ذكرى زلزال أكادير كما نقلتها مجلة “المشاهد” في مارس 1960

كان سمو ولي العهد الأمير الحسن على رأس المسارعين إلى نجدة أكادير، وسهر على تمكين أسباب الراحة للمشردين، وتتبع عمليات الإنقاذ، وبعد أسبوع فقط من الكارثة تمكن صاحب الجلالة (محمد الخامس وقتها) صحبة أعضاء السلك الدبلوماسي من زيارة مخيمات اللاجئين التي سهر على إقامتها سمو ولي العهد.

كما أن الدوائر الحكومية لم تأل جهدا في التفاني في القيام بما تتطلبه منها الظروف، ونرى على الصورة العليا السيد حسن الزموري (إلى اليمين) ساهرا على جهاز الاتصالات اللاسلكية غداة الكارثة.

مطار أكادير حيث استقرت لجان الإسعاف والإنقاذ، وفي الأيام الثلاثة الأولى غادرته عشرات الطائرات محملة بمئات الجرحى في كل الاتجاهات، وكانت نظرات الجرحى تدعو حقا إلى الإشفاق، فشدة الكارثة لم ترحم صبيا ولا شيخا..

جلست هذه السيدة بين الجثث المتناثرة هنا وهناك، وقد عقد الذعر لسانها فشردت في ذهول مستسلمة وكأنها تنتظر دورها.

إن الموت أصبح شيئا طبيعيا لا يلفت نظر الأحياء.. ولم يبق على الجثث المتناثرة تلك الهيبة التي تساور الأحياء عند مشاهدة الأموات

فيما يلي تعود “الأسبوع” لأرشيفها كي ترسم صورة الزلزال كما كتبت عنه مجلة “المشاهد”، للقيدوم الراحل مصطفى العلوي، الذي لا ننساه كما لا ينسى المغاربة ذكرى زلزال أكادير، والوصف منقول حرفيا من مجلة “المشاهد” في عددها الصادر في شهر مارس 1960:

((حولت مشيئة الأقدار مجرى الحياة في أكادير، وأترعتها الطبيعة بأمواج الدموع وغمرتها بسكون الموت، وأصبحت قصة أكادير لغزا معقدا لا تجرؤ على حله عقلية الإنسان، فبعد أن أفطر الناس صيامهم ثاني يوم من رمضان المعظم وغادر بعضهم المساجد بعد صلاة التراويح، وآوى الصغار إلى مضاجعهم، واجتمع المتحدثون والساهرون حول موائدهم، واستسلم غير المسلمين إلى سبات عميق، وعندما اقتربت الساعة من منتصف الليل، دوى صوت كأنه الرعد، وأعقبته حركة بسيطة لم تؤثر في شيء على سبات النائمين، لقد أخذت الكلاب تنبح بلا انقطاع ولم تأمن البقاء في أماكنها، وحتى سيدة كانت جالسة إلى جانب زوجها بقاعة سينما، طلبت منه الخروج، والمرور غير بعيد عن شاطئ البحر وكأنها على موعد مع شيء.. وبالفعل كان الزلزال.. ونجا الزوجان ووقفا يرويان قصة ما رأيا، لقد ظهر لهما لهيب منبعث من صفحة البحر، أرفقته هزة لم تتعد خمسة ثواني..

5.4.3.2.1، لم يتجاوز الزلزال وقتا أطول من عد هذه الأرقام وكان هذا كافيا لأن تصبح حاضرة سوس في خبر كان.

وبعد ساعات معدودة، كان صاحب الجلالة محمد الخامس واقفا على عين المكان، وبعد ساعات معدودة تحول المغرب كله إلى مأتم رهيب، وتوجهت المجموعة المغربية كلها إلى التحدث عن كارثة أكادير، وكيف سيواجه المغرب نتائج كارثة أكادير.

إن الذين نجوا من الحادثة فروا ووعيهم مفقود، والآلاف الجرحى بقوا إلى جانب آلاف القتلى يغمرهم صمت رهيب لا تخترقه إلا همسات صبية يسلمون آخر أنفاسهم، وعجائز يغالبون الموت، وحشرجات هنا وهناك، ودماء تفور من كل جانب.

وأشرقت شمس يوم ثالث رمضان على مقبرة لا كالمقابر وعلى أثار مدينة لا كالمدن، وكانت الشمس حارة تلفح الأجساد.. وأي أجساد.. أجساد فقدت الروح، أو أجساد أناخت عليها أطنان الأحجار فما استطاعت للحركة حولا ولا قوة.

وجاء دور العمل الإنساني الكبير، وكم نحن في حاجة لأن ينجز هذا العامل الأساسي مهمته أبديا.. فتجندت القوات الحية في البلاد لخدمة الإنسانية في أكادير، وقرر سمو ولي العهد الأمير مولاي الحسن الاستقرار على بعد إثني عشر كيلومتر من أكادير، لإدارة العمليات بنفسه والوقوف على كل ما له صلة بكارثة أكادير.

Morocco Earthquake 1960

وسريعا ما هبت البشرية جمعاء في مشارق الأرض ومغاربها لنجدة أكادير، وفي الصف الأول فرنسا وأمريكا وإسبانيا، اللواتي لهن رعايا وضحايا بأكادير، وضرب مطار المدينة الشهيدة الرقم القياسي في حركة وصول الطائرات وذهابها، وقدمت بواخر وطائرات ونجدات طبية وإغاثات حيوية، وأدوية وعقاقير، من الاتحاد السوفياتي، ومن الولايات المتحدة، وألمانيا والجمهورية العربية المتحدة، والعراق ولبنان وإيران وبلجيكا، وهولندا، وغينيا وتونس، ومن كل دولة وقطر، وأصبحت أكادير المقبرة رمزا للسلام وللأخوة الإنسانية.

إن الإنسان – مهما بلغت أنانيته أو أناقته أو تعالت شخصيته – تصبح جثته خطرا محققا على الآخرين إذا ما لم تدفن سريعا، بحكم النتانة التي تنبعث منها، وهذه أول مشكلة وضعت للساهرين على مشاكل أنقاض مدينة أكادير.

وقدرت مدة رفع الأنقاض وإخراج الجثث بأزيد من شهر، وهذه مدة كافية لأن تعم الأخطار الناجمة عن بقاء الجثث تحت الأنقاض قسطا مهما في المغرب كله، فالفئران التي تعيش في أجساد الموتى، والميكروبات التي تتطاير هنا وهناك.. كلها أشياء أصبحت بحكم حرارة الجو، ظاهرة جلية في الأيام الثلاثة الأولى، ولا يمكن بأي حال من الأحوال إحراق الأنقاض أو دكها، فتحتها مئات من الجرحى الذين لازالوا يتعذبون وعشرات ممن سيعيشون ولو مع الاضطرار لقطع أيديهم أو أرجلهم، وبالإضافة إلى هذا، هناك أمتعة وأموال تقدر بمئات الملايين.

وسريعا ما اتخذت التدابير اللازمة للتغلب على هذه المشاكل الرئيسية، وكان أن أعطت نتائج باهرة وسيعيش بيننا عشرات ممن قضوا ثلاثة أيام تحت الأنقاض يرقبون رحمة الله.

ومن الصعب جدا إعطاء الأرقام الحقيقية أو التقريبية لعدد الضحايا، وإذا أمكن عد الجرحى الذين وزعوا على جميع المستشفيات المغربية، وعدد الذين نجوا من الكارثة، فإنه من الجائز أن يبلغ عدد القتلى حوالي أربعة عشر ألفا (حسب هذا المقال الصادر في ذلك الزمان)، ولا يستبعد أن يكون عدد الضحايا الأجانب حوالي ألفين أو يزيد، فالفنادق كانت مملوءة بالسواح، والأحياء الأوروبية كانت غاصة بالرعايا الأجانب، والمدينة كانت في عز نشاطها، ولم يكن أحد يقدر أن كارثة من هذا النوع ستروع العالم أجمع، وقد شهد التاريخ أن أي زلزال لم ينكب المغرب منذ أزيد من قرنين، ولعل هذا العامل هو الذي سيحذو الحكومة المغربية على بناء مدينة أكادير في نفس المكان الذي كانت فيه سالفتها، وليكن بشكل أنسب، بحيث تصبح مدينة سياحية بكل ما في الكلمة من معنى، ومبنية بشكل يجعل عماراتها غير متأثرة بأخطار الزلازل، الشيء الذي يكلف بناء المدينة حوالي خمسين مليارا من الفرنك.

ولقد كانت كارثة أكادير امتحانا لنا نحن الذين لم نذهب ضحيتها.. ولربما كانت تلك الأيام التي أعقبت الحادثة المشؤومة كفيلة باستكناه ما غمض من عواطف أناس، وأريحية أناس، واستعداد آخرين، كما طلعت علينا بتقليعات جديدة من البشر.. أولئك الذين كانوا يتوجهون إلى أكادير قصد الإنقاذ والمساهمة وفي حقائبهم عينات من القمصان الفاخرة وأنواع من البذلات قصد الظهور هناك – وبين الجثث – بمظهر أنيق يتناسب وأشخاصهم، وأولئك الذين استغلوا كارثة أكادير ليسددوا عجزا في صناديق منظماتهم وهيآتهم، وأولئك الذين استغلوا كارثة أكادير ليسددوا عجزا في ميدان الخدم والحشم، وودوا أن يتبنوا أولاد الضحايا والمفقودين ليستخدموهم في البيوت، وإذا كان ولي العهد (الملك الحسن الثاني فيما بعد) قد تمكن من تقرير الحكم بالإعدام فورا على نابشي الأجساد وسارقي ما بين الأكوام، فإنه على الدوائر المختصة أن تبحث في شؤون الذين يريدون أن ينهبوا ما خصص لكارثة أكادير، بطرق غير مباشرة)). (المصدر: مقال للتاريخ من مجلة المشاهد/ مارس 1960).

close

النشرة الإخبارية

اشترك الآن للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى